موسوعة التفسير

سورةُ ص
الآيات (86-88)

ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ

غريب الكلمات:


الْمُتَكَلِّفِينَ: أي: المُتصَنِّعينَ المدَّعينَ ما ليس عندَهم؛ فلا أتكَلَّفُ إتيانَكم بما لم يأمُرْني اللهُ به. وتكَلُّفُ الشَّيءِ: ما يَفعَلُه الإنسانُ بإظهارِ كَلَفٍ مع مَشقَّةٍ تنالُه في تعاطيه، وصارت الكُلفةُ في التَّعارُفِ اسمًا للمشَقَّةِ [972] ((المفردات)) للراغب (ص: 721)، ((تفسير البغوي)) (7/103)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 329)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 882). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشرِكي قَومِك: لا أسألُكم على تَبْليغي إيَّاكم رِسالةَ رَبِّي أجرًا دُنيويًّا، وما أنا مِن الذين يَتصنَّعون ويتَحلَّوْن بما ليسوا مِن أهلِه حتَّى أنتحِلَ النُّبوَّةَ، وأتقوَّلَ القُرآنَ، ما هذا القُرآنُ إلَّا تَذكيرٌ مِنَ اللهِ تعالى للجِنِّ والإنسِ، وشَرَفٌ عَظيمٌ لهما في اتِّباعِ أوامِرِه وتَرْكِ نَواهيه، ولَتَعلَمُنَّ صِدقَ أخْبارِ القُرآنِ، وتحقُّقَ ما فيه بعدَ وَقتٍ من الزمانِ، مُحدَّدٍ في عِلمِ اللهِ تعالَى.

تفسير الآيات:


قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا تَمَّ ما أرادَ مِنَ الدَّليلِ على أنَّ ما ذَكَر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للمُشرِكينَ نَبأٌ عَظيمٌ هم عنه مُعرِضونَ، بما أخبَرَ به مِن الغَيبِ معَ ما له مِن الإعجازِ، فثَبَت بذلك ما اقتضَى أنَّه صادِقٌ في نِسبتِه إلى اللهِ تعالى، وخَتَم بالتَّحذيرِ مِن اتِّباعِ إبليسَ؛ أمَرَه تعالَى بالبَراءةِ مِن طَريقِه، وأنْ يَنفيَ عن نَفسِه ما قدْ يُحمَلُ على التقَوُّلِ بقَولِه [973] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/432). :
قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ.
أي: قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشرِكي قَومِك: لا أسألُكم على تَبْليغي إيَّاكم القُرآنَ ورِسالةَ ربِّي أجرًا دُنيويًّا تُعطونَني إيَّاه [974] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/150)، ((تفسير القرطبي)) (15/230)، ((تفسير ابن كثير)) (7/82). قال ابنُ عاشور: (المعنى عُمومُ نَفيِ سُؤالِه الأجرَ منهم مِن يومِ بُعِث إلى وَقتِ نُزولِ هذه الآيةِ، وهو قِياسُ استِقراءٍ؛ لأنَّهم إذا استَقْرَوا أحوالَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيما مضَى، وجَدوا انتِفاءَ سُؤالِه أجرًا: أمرًا عامًّا بالاستقراءِ التَّامِّ الحاصِلِ مِن جميعِ أفراد المُشرِكينَ في جميعِ مُخالطاتِهم إيَّاه؛ فهو أمرٌ مُتواتِرٌ بينهم). ((تفسير ابن عاشور)) (13/255). .
وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ.
أي: وما أنا مِن الذين يَتصنَّعون ويتَحلَّوْن بما ليسوا مِن أهلِه -على ما عرَفتُم مِن حالي- حتَّى أنتحِلَ النُّبوَّةَ، وأتقوَّلَ القُرآنَ، وأتكلَّفَ ما لم أُؤمَرْ به [975] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/109)، ((تفسير الرسعني)) (6/518)، ((تفسير البيضاوي)) (5/35)، ((تفسير ابن جزي)) (2/214). ممَّن اختار المعنى المذكورَ: الزمخشري، والرسعني، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وأبو حيان. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/109)، ((تفسير الرسعني)) (6/518)، ((تفسير البيضاوي)) (5/35)، ((تفسير النسفي)) (3/166)، ((تفسير ابن جزي)) (2/214)، ((تفسير أبي حيان)) (9/177). قال الماورديُّ: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: وما أنا مِن المتكلِّفينَ لهذا القُرآنِ مِن تِلقاءِ نفْسي. الثاني: وما أنا مِن المتكلِّفين لأنْ آمرَكم بما لم أؤمرْ به. الثالث: وما أنا بالذي أُكلِّفُكم الأجْرَ). ((تفسير الماوردي)) (5/112). ممَّن اختار القولَ الأوَّل: أي: ما أنا بالمتقوِّلين لهذا القُرآنِ مِن تلقاءِ نفْسي: مقاتلُ بنُ سليمان، والثعلبي، والواحدي، والسمعاني، والبغوي، والخازن، وجلال الدِّين المحلي، والعُليمي، وابن عُثَيمين. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/654)، ((تفسير الثعلبي)) (8/218)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 927)، ((تفسير السمعاني)) (4/455)، ((تفسير البغوي)) (4/78)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 605)، ((تفسير الخازن)) (4/49)، ((تفسير العليمي)) (6/48)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 254). قال ابنُ جَرير: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ يقولُ: وما أنا ممَّن يتكلَّفُ تَخرُّصَه وافتِراءَه، فتقولون: إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ [الفرقان: 4] وإِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ [ص: 7]). ((تفسير ابن جرير)) (20/150). وقال ابن كثير: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أي: وما أزيدُ على ما أرسَلَني اللَّهُ به، ولا أبْتَغي زِيادَةً عليه بل ما أُمِرتُ به أدَّيتُه، لا أزيدُ عليه ولا أنقصُ منه، وإنَّما أبْتَغي بذلك وجهَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ والدَّارَ الآخرةَ). ((تفسير ابن كثير)) (7/82). وقال البقاعيُّ: (الْمُتَكَلِّفِينَ أي: المتحلِّينَ بما ليسوا مِن أهلِه مِن قولٍ ولا فِعلٍ، الذين يُكلِّفون أنفسَهم تَزويرَ الكلامِ والتصنُّعَ فيه وترتيبَه على طريقٍ مِن الطُّرقِ بنَظمٍ أو نثرٍ: سَجْعٍ أو خُطبٍ أو غيرِ ذلك، أو وضْعِ أنفسِهم في غيرِ مَواضعِها، كما فعَل إبليسُ؛ لستُ منهم بسَبيلٍ، ولا أُعَدُّ في عِدادِهم بوجهٍ، لا أفعلُ أفعالَهم، ولا أحبُّهم ولا أتعصبُ لهم). ((نظم الدرر)) (16/432-433). .
عن ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: (يا أيُّها النَّاسُ، مَن عَلِمَ شَيئًا فلْيَقُلْ به، ومَن لم يَعلَمْ فلْيَقُل: اللهُ أعلَمُ؛ فإنَّ مِن العِلمِ أنْ يقولَ لِما لا يَعلَمُ: اللهُ أعلَمُ؛ قال اللهُ عزَّ وجَلَّ لِنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) [976] رواه البخاريُّ (4809) واللفظ له، ومُسلِمٌ (2798). .
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا أثبَتَ اللهُ تعالى ما يقتَضي أنَّ القُرآنَ مِن عندِ اللهِ، وأزال الموانِعَ؛ بيَّن حقيقتَه التي لا يتعدَّاها إلى ما نَسَبوه إليه، بِقَولِه [977] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/433). :
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87).
أي: ما هذا القُرآنُ إلَّا تَذكيرٌ مِنَ اللهِ تعالَى لجَميعِ الجِنِّ والإنسِ، وشَرَفٌ ورِفعةٌ لهم إنْ عَمِلوا وتمَسَّكوا به [978] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/150)، ((تفسير القرطبي)) (15/231)، ((تفسير ابن كثير)) (7/83)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/433-434)، ((تفسير السعدي)) (ص: 717)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 254). ممَّن اختارَ المعنَى المذكورَ للذِّكرِ في الجملةِ: البقاعي، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/433-434)، ((تفسير السعدي)) (ص: 717)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 254). .
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88).
أي: ولَتعلَمُنَّ -أيُّها المشركونَ- صِدقَ أخبارِ القُرآنِ، وتَحقُّقَ ما فيه مِنَ الوَعدِ والوَعيدِ؛ بعدَ وَقتٍ مِن الزَّمانِ [979] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/150، 152)، ((تفسير القرطبي)) (15/231)، ((تفسير ابن كثير)) (7/83)، ((تفسير السعدي)) (ص: 717)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/310)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/349). قال ابنُ جَرير: (لا حَدَّ عند العَرَبِ للحِينِ لا يُجاوَزُ ولا يُقصَرُ عنه). ((تفسير ابن جرير)) (20/152). يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/160)، ((المحكم والمحيط الأعظم)) لابن سيده (3/446). قال ابن جزي: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ هذا وعيدٌ، أي: لتعلمُنَّ صِدقَ خبرِه بعدَ حينٍ، والحِينُ يومُ القيامةِ، أو موتُهم، أو ظهورُ الإسلامِ يومَ بدرٍ وغيرِه). ((تفسير ابن جزي)) (2/214). قال ابن كثير: (قالَ قتادةُ: بعدَ الموتِ. وقال عِكرِمةُ: يعني يومَ القيامةِ. ولا منافاةَ بينَ القولَيْنِ؛ فإنَّ مَن ماتَ فقَدْ دَخَل في حكمِ القيامةِ). ((تفسير ابن كثير)) (7/83). ويُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/349). وقال ابنُ عُثَيمين: (هناك أشياءُ أخبَرَ عنها القُرآنُ مَضَتْ وانقَضَتْ؛ فهذه عَلِمَها بعدَ حِينٍ مَن سَبَقَ هذه الحوادِثَ وأدركَها، وهناك حوادِثُ ستأتي يَعلَمُها بعدَ حينٍ مَن يُدرِكُها، وأمَّا الذي يُدرِكُه جميعُ النَّاسِ فهو ما يكونُ يومَ القِيامةِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 255). .
كما قال تعالَى: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأنعام: 67].

الفوائد التربوية:


1- قال اللهُ تعالَى لِنَبيِّه عليه السَّلامُ: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ولم يُطلِقْ لأحدٍ أنْ يُبلِّغَ عن اللهِ ما ائْتَمَنه عليه مِن عِلمِه ووَحْيِه بعَرَضِ الدُّنيا. وكذلك العُلماءُ نَعُدُّهم خُلفاءَ الرُّسلِ، وهمْ مُبلِّغون عن اللهِ؛ فليس لأحدٍ منْهم أنْ يَأخُذَ عليه نَوالًا مِن حُطامِ الدُّنيا؛ فقدْ كان العُلماءُ يَتوقَّون في حالةِ البَيعِ والشِّراءِ أنْ يُحابُوا أو يُزادُوا لِمكانِهِم مِن العِلمِ. ورُوِيَ عن الحسَنِ البصْريِّ أنَّه قِيل له: هذا لكَ بكذا؟ فقال: (إنَّما جِئتُ أشْتَري بدِرْهمي لا بِدِيني) [980] يُنظر: ((المنهيات)) للحكيم الترمذي (ص: 115). .
2- قَولُ اللهِ تعالَى: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ فيه ذَمُّ التكَلُّفِ [981] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:223). ، والنَّهيُ عنه وعن التصَنُّعِ، وهو نَوعٌ مِنَ النِّفاقِ، وضَربٌ مِن الرِّياءِ [982] يُنظر: ((تفسير ابن عجيبة)) (5/46). .
3- خَتَمَ الله سُبْحانَه هذه السُّورةَ بهذه الخاتِمةِ الشَّرِيفةِ؛ لأنَّه تعالَي ذَكَرَ طُرُقًا كَثيرةً دالَّةً على وُجوبِ الاحْتِياطِ في طَلَبِ الدِّينِ، ثُمَّ قال عندَ الخَتْمِ: هذا الَّذي أدْعُو النَّاسَ إليْه يَجِبُ أنْ يُنْظَرَ في حالِ الدَّاعِي وفي حالِ الدَّعْوةِ؛ لِيَظْهَرَ أنَّه حقٌّ أو باطِلٌ. أمَّا الدَّاعِي -وهو أنَا- فأَنَا لا أسْألُكم على هذه الدَّعْوةِ أجْرًا ومالًا، ومن الظَّاهِرِ أنَّ الكذَّابَ لا يَنقطِعُ طَمَعُه عن طَلَبِ المالِ البتَّةَ، وكان صلَّى اللهُ عليْه وسلَّم بَعِيدًا عن الدُّنْيا عَديمَ الرَّغْبَةِ فيها. وأمَّا كَيفِيَّةُ الدَّعْوةِ فقال: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [983] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (26/416). .
4- قولُه تعالَى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ فيه ما لا مَزيدَ عليه في التَّخويفِ والتَّرهيبِ والتَّهديدِ لِمَن أصرَّ على الجهلِ والتقليدِ، وأبَى قَبولَ البيِّناتِ، وأنه سيعلَمُ بعدَ حِينٍ إنْ كان مُصيبًا في هذا الإعراض، أو مُخطئًا [984] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/109)، ((تفسير الرازي)) (26/417)، ((تفسير البيضاوي)) (5/35). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالَى: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أُخِذَ منه أنَّ ما جاء به مِنَ الدِّينِ: لا تكَلُّفَ فيه، أي: لا مَشَقَّةَ في تكاليفِه، وهو معنى سَماحةِ الإسلامِ [985] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/309). .
2- قال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ هذه السُّورةُ العظيمةُ مشتملِةٌ على الذِّكرِ الحكيمِ، والنبأِ العظيمِ، وإقامةِ الحُجَجِ والبراهينِ، على مَن كذَّب بالقرآنِ وعارَضه، وكذَّب مَن جاء به، والإخبارِ عن عبادِ الله المخلَصينَ، وجزاءِ المتَّقينَ والطَّاغينَ، فلهذا أقسَم في أوَّلِها بأنَّه ذو الذِّكرِ، ووصَفه في آخرِها بأنَّه ذِكرٌ للعالَمينَ، وأكثَرَ التَّذكيرَ بها فيما بينَ ذلك، كقولِه: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا، وَاذْكُرْ عَبْدَنَا، رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى، هَذَا ذِكْرٌ [986] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 717). .
3- في قَولِه تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ أنَّ آياتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تأتي مُتتابِعةً، منها ما عُلِمَ في عَهدِه، ومنها ما عُلِمَ بعدَ ذلك، ومنها ما لا يُعلَمُ إلَّا يومَ القِيامةِ [987] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 258). .
4- قَولُ اللهِ تعالَى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ إنَّما أخِّروا إلى هذا الحِينِ؛ لِيُبلِغَ في الإعذارِ إليهم، فتَنقَطِعَ حُجَجُهم، وتَتناهى ذُنوبُهم التي يَستَحِقُّونَ الأخذَ بها [988] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/435). .
5- في قَولِه تعالَى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ أنَّ اللهَ تعالى تَكَفَّلَ بأن يُعْلِمَ النَّاسَ صِدقَ نَبَأِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لِقَولِه: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ فإنَّ هذه الجُملةَ خَبَريَّةٌ مُؤكَّدةٌ بثَلاثةِ مُؤكِّداتٍ: اللَّامِ، والقَسَمِ المُقَدَّرِ، ونونِ التَّوكيدِ [989] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 258). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالَى: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ لَمَّا أمَرَ اللهُ رَسولَه بإبلاغِ المَواعِظِ والعِبَرِ التي تَضَمَّنَتْها هذه السُّورةُ أمَرَه عِندَ انتِهائِها أنْ يَقرَعَ أسماعَهم بهذا الكَلامِ الذي هو كالفَذلَكةِ [990] تقدَّم تعريفه (ص: 47). لِلسُّورةِ؛ تَنهيةً لها؛ تَسجيلًا عليهم أنَّه ما جاءَهم إلَّا بما يَنفَعُهم، وليس طالِبًا مِن ذلك جَزاءً، أيْ: لو سألَهم عليه أجْرًا لَراجَ اتِّهامُهم إيَّاه بالكَذِبِ لِنَفعِ نَفْسِه، فلَمَّا انتَفَى ذلك وَجَبَ أنْ يَنتَفيَ تَوهُّمُ اتِّهامِه بالكَذِبِ؛ لِأنَّ وازِعَ العَقلِ يَصرِفُ صاحِبَه عن أنْ يَكذِبَ لِغَيرِ نَفْعٍ يَرجوه لِنَفْسِه [991] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/308). .
- قَولُه: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ هذا إبطالٌ لِقَولِهم: كَذَّابٌ [ص: 4] المَحكيِّ عنهم في أوَّلِ السُّورةِ، وإقامةُ الحُجَّةِ على صِدقِ رِسالَتِه [992] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/308). .
- وضَميرُ عَلَيْهِ عائِدٌ إلى القُرآنِ المَعلومِ مِنَ المَقامِ؛ فإنَّ مَبدَأَ السُّورةِ قَولُه: وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: 1]؛ فهذا مِن رَدِّ العَجُزِ على الصَّدرِ [993] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/308). ورَدُّ العَجُز على الصَّدر: هو جَعْلُ أحدِ اللَّفظين المُكرَّرين -المتَّفقَينِ في اللَّفظِ والمعنَى، أو المُتجانسَينِ المُتفقَينِ في اللَّفظِ دون المعنى، أو المُلحقَينِ بهما، بأنْ جمَعَهما اشتقاقٌ أو شبهُه- في أوَّلِ الكلام، ثم إعادةُ ذلك في آخِرِ الكلامِ، كقوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب: 37]، وقوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [نوح: 10]، وهو مِن جِهاتِ الحُسنِ في الكَلامِ. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 430)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 333)، ((علوم البلاغة)) للميداني (ص: 358). .
- والتَّكلُّفُ: مُعالَجةُ الكُلْفةِ، وهي ما يَشُقُّ على المَرءِ عَمَلُه والتِزامُه؛ لِكَونِه يُحرِجُه أو يَشُقُّ عليه، ومادَّةُ التَّفعُّلِ تَدُلُّ على مُعالَجةِ ما ليس بسَهلٍ، فالمُتَكلِّفُ هو الذي يَتطَلَّبُ ما ليس له، أو يَدَّعي عِلْمَ ما لا يَعلَمُه؛ فالمَعنى هنا: ما أنا بمُدَّعٍ النُّبوَّةَ باطِلًا مِن غَيرِ أنْ يُوحى إلَيَّ، وهو رَدٌّ لِقَولِهم: كَذَّابٌ [ص: 4]، وبذلك كان كالنَّتيجةِ لِقَولِه: مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ؛ لِأنَّ المُتَكلِّفَ شَيئًا إنَّما يَطلُبُ مِن تَكلُّفِه نَفعًا؛ فالمَعنى: ومَا أنا مِمَّن يَدَّعونَ ما ليس لهم [994] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/308، 309). .
- وتَركيبُ   وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أبلَغُ، وأشَدُّ في نَفْيِ التَّكلُّفِ مِن أنْ يَقولَ: وما أنا مُتكلِّفًا، أو: ما أنا بمُتَكلِّفٍ [995] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/432، 433)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/309). .
2- قولُه تعالَى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ بَدَلُ اشتِمالٍ مِن جُملةِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: 86] اشتِمالَ نَفْيِ الشَّيءِ على ثُبوتِ ضِدِّه؛ فلَمَّا نَفَى بقَولِه: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: 86] أنْ يَكونَ تَقَوَّلَ القُرآنَ على اللهِ؛ ثَبَتَ مِن ذلك أنَّ القُرآنَ ذِكرٌ لِلناسِ ذَكَّرَهمُ اللهُ به، أيْ: ليس هو بالأساطيرِ أو التُّرَّهاتِ، ولكَ أنْ تَجعَلَها تَذييلًا؛ إذْ لا مُنافاةَ بَينَهما هنا. وعُمومُ (العالَمينَ) يُكسِبُ الجُملةَ مَعنى التَّذييلِ لِلجُملَتَيْنِ قَبلَها [996] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/309، 310). .
- والقَصرُ الذي اشتَمَلَتْ عليه جُملةُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ قَصرُ قَلبٍ [997] قصْر القلب: هو أنْ يَقلِبَ المتكلِّمُ فيه حُكمَ السَّامعِ، كقولِك: ما شاعرٌ إلَّا زيدٌ، لمن يَعتقِدُ أنَّ شاعرًا في قبيلةٍ معيِّنةٍ أو طرَفٍ معيَّنٍ، لكنَّه يقولُ: ما زيدٌ هناك بشاعرٍ. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 288). إضافيٍّ، أيْ: هو ذِكرٌ، لا أساطيرُ، ولا سِحرٌ، ولا شِعرٌ، ولا غَيرُ ذلك؛ لِلرَّدِّ على المُشرِكينَ ما وَسَموا به القُرآنَ مِن غَيرِ صِفاتِه الحَقيقيَّةِ [998] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/310). .
- وأيضًا هذه الآيةُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ أثبَتَتْ -مِن كَونِ القُرآنِ ذِكرًا- ما أثبتَتْه أوَّلُ آيةٍ في السُّورةِ ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: 1] على أتَمِّ وَجهٍ، مع زيادةِ الوَعيدِ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ؛ فانعطَفَ الآخِرُ على الأوَّلِ، واتَّصَل به أحسَنَ اتِّصالٍ وأجمَلَ [999] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/435). .
3- قولُه تعالَى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ عَطفٌ على جُملةِ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [ص: 87]، باعتِبارِ ما يَشتَمِلُ عليه القَصرُ مِن جانِبِ الإثباتِ، أيْ: وستَعلَمونَ خَبَرَ هذا القُرآنِ بَعدَ زَمانٍ عِلْمًا جَزمًا فيَزولُ شَكُّكم فيه، فالكَلامُ إخبارٌ عنِ المُستَقبَلِ كما هو مُقتَضى وُجودِ نُونِ التَّوكيدِ [1000] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/310). .
- وفيه مِنَ التَّهديدِ لهم ما لا يَخْفى، وخَتَم الكَلامَ بتَسجيلِ التَّبليغِ، وأنَّ فائِدةَ ما أبلَغَهم به لهم، لا لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. وخَتَمَ بالمُواعَدةِ لِوَقتِ يَقينِهم بنَبيِّه، وهذا مُؤْذِنٌ بانتِهاءِ الكَلامِ، ومُراعاةِ حُسنِ الخِتامِ [1001] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/109)، ((تفسير البيضاوي)) (5/35)، ((تفسير أبي السعود)) (7/239)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/310). ذكَرَ القاضي عِياضٌ أنَّ من وُجوهِ إعْجازِ القُرآنِ: مُشاكَلةَ بَعضِ أجْزائِه بَعضًا، وحُسنَ ائْتِلافِ أنْواعِها، والْتِئامِ أقْسامِها، وحُسنَ التَّخلُّصِ من قصَّةٍ إلى أُخْرى، والخُروجِ من بابٍ إلى غَيرِه على اخْتِلافِ مَعانيهِ، وانْقِسامَ السُّورةِ الواحِدةِ إلى أمْرٍ ونَهيٍ، وخَبرٍ واستِخْبارٍ، ووَعدٍ ووَعيدٍ، وإثْباتِ نُبوَّةٍ، وتَوْحيدٍ وتَفْريدٍ، وتَرْغيبٍ وتَرْهيبٍ إلى غيرِ ذلك من فَوائدِه دونَ خلَلٍ يَتخلَّلُ فُصولَه، والكلامُ الفَصيحُ إذا اعْتَوَرَه مثلُ هذا ضعُفَت قوَّتُه، ولانَتْ جَزالَتُه، وقَلَّ رَوْنقُه، وتَقَلقَلَت ألْفاظُه. ثمَّ قال: (فتأمَّلْ أوَّلَ «ص»، وما جُمِعَ فيها من أخْبارِ الكُفَّارِ وشِقاقِهم، وتَقْريعِهم بإهْلاكِ القُرونِ مِن قَبلِهم، وما ذُكِرَ من تَكْذيبِهم بمُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتَعجُّبِهم ممَّا أتَى به، والخَبرِ عنِ اجتِماعِ مَلَئِهم على الكُفرِ، وما ظهَرَ منَ الحسَدِ في كَلامِهم، وتَعْجيزِهم، وتَوْهينِهم، ووَعيدِهم بخِزيِ الدُّنْيا والآخِرةِ، وتَكْذيبِ الأُمَمِ قَبلَهم، وإهْلاكِ اللهِ لهم، ووَعيدُ هؤلاء مثَّلَ مُصابِهم، وتَصبيرَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على أذاهُم، وتَسليَتَه بكلِّ ما تَقدَّمَ ذِكرُه، ثمَّ أخَذ في ذِكرِ داوُدَ وقَصصِ الأنْبياءِ، كلُّ هذا في أوْجَزِ كلامٍ وأحسَنِ نِظامٍ). ((الشِّفا بتَعريفِ حُقوقِ المُصطَفى - وحاشيةُ الشُّمُنِّيِّ)) (1/279، 280). .