موسوعة اللغة العربية

المطلَبُ الثَّاني: الرَّسائِلُ الأدَبيَّةُ (المقالاتُ)


إذا كانت المُكاتَباتُ الرَّسميَّةُ والأهليَّةُ قد اتَّسَمت بالتَّمسُّكِ بالسَّجعِ وألوانِ البديعِ، فإنَّ نوعًا آخَرَ من الكتابةِ لم يَلبَثْ أن تخلَّص من تلك القُيودِ، وهو كتابةُ الرَّسائلِ الأدبيَّةِ، وهي تلك الرَّسائِلُ التي لا يكونُ غَرَضُها التَّراسُلَ بَيْنَ الرَّئيسِ والمرؤوسِ، ولا بَيْنَ الإخوانِ والأصدقاءِ والأحبابِ، وإنَّما تلك التي يُعبِّرُ فيها الأديبُ عن رأيِه إزاءَ الشِّعرِ أو الأدَبِ أو قضايا أمَّتِه الاجتماعيَّةِ والأدبيَّةِ والسِّياسيَّةِ والإنسانيَّةِ، بغَضِّ النَّظَرِ عن أهمِّيَّةِ الموضوعِ أو حقارتِه، فهي كالتَّنفيسِ عن صَدرِ الأديبِ المكلومِ، وإثباتِ قُدرتِه الأدبيَّةِ على صَوغِ العباراتِ وحَبْكِ الفَقراتِ.
فمن أمثلةِ تلك الكتاباتِ: رسالةٌ نظَمَها نَجمُ الدِّينِ الغَزِّيُّ، سمَّاها (آداب المؤاكَلة)، وتحدَّث فيها عن آدابِ الأكلِ والاجتماعِ على موائِدِ الطَّعامِ، وإجابةِ الدَّاعي إلى الولائِمِ، وذَكَر أبرَزَ العُيوبِ التي تعتري الجماعةَ عِندَ اجتماعِهم على الطَّعامِ، مع الاستشهادِ بأبرَزِ القِصَصِ المُضحِكةِ التي ذُكِرَت في ذلك العَيبِ.
ابتدأ الغَزِّيُّ رسالتَه بقولِه: (الحمدُ للهِ وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى. هذه جملةٌ من العُيوبِ التي مَن عَلِمَها كان خبيرًا بآدابِ المؤاكَلةِ، وعِدَّتُها أحدٌ وثمانون عيبًا، حَسَبما نقَلْناه مُفَرَّقًا، واللهُ الموفِّقُ).
وذَكَر منها: (المتثاقِلُ: والمتثاقِلُ هو الذي يُدعى فيُجيبُ، ويوثَقُ منه بالوفاءِ، ثمَّ يتأخَّرُ عن الدَّاعي الملهوفِ حتَّى يُجيعَه ويجيعَ إخوانِه ويُنَكِّدَ عليهم. فجزاءُ هذا بعدَ الاستظهارِ عليه بالحُجَجِ وإعادةِ الرَّسولِ إليه: أن يستأثِرَ الإخوانُ بالمؤاكَلةِ دونَه، معتَمِدين بذلك الاستحقاقِ به ليؤدِّبوه إن كانت فيه مُسكةٌ، أو يُنبِّهوه إن كانت له فِطنةٌ. وقد جاء في الخبَرِ في إجابةِ الدّاعي وتَركِ التَّأخُّرِ عنه قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((من دُعِيَ إلى طعامٍ فليُجِبْ، إن كان مُفطِرًا فلْيَأكُلْ، وإن كان صائمًا فليُصَلِّ)) [272] أخرجه مسلم (1431) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: ((إذا دعي أحدكم، فليجب، فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفطرا فليطعم)) . فإذا كان الصَّائِمُ قد أُمِر بالإجابةِ، فكيف بالمُفطِرِ، ومن أجاب ثمَّ تأخَّر؟! وقد ناب ذلك جَحظةَ البَرمَكيَّ مِن فتًى، فكَتَب إليه: تأخَّرتَ حتَّى كدَّرتَ الرَّسولَ وحتَّى سَئِمْت من الانتِظار، وأوحَشْتَ إخوانَك المستَعِدِّين، وأضرَمْتَ بالجوعِ أحشاءَهم بنارٍ تزيدُ على كلِّ نار. ويقالُ: ثلاثة تُضني: سراجٌ لا يُضيء، ورسولٌ بطيء، ومائدةٌ يُنتظَرُ بها مَن يجيء) [273] يُنظَر: ((آداب المؤاكلة)) (ص: 21). .
ومنها أيضًا ما كتبه الشَّعرانيُّ في نقدِ حالِ أهلِ الدِّين الذين لم يحفَظوا ماءَ وُجوهِهم عن ذُلِّ السُّؤالِ مع سَعةِ حالِهم، وقد كان السَّلَفُ الصَّالحُ يُعرِضون عن متاعِ الدُّنيا وزُخرُفِها وقد جاء إليهم طواعيةً من غيرِ سُؤالٍ، يقولُ: (فأين حالُ هؤلاء المشايخِ من مشايخِ هذا الزَّمانِ الذين يسافِرون من مِصرَ أو الحِجازِ أو الشَّامِ إلى الرُّومِ أو العِراقِ؛ ليسألوا أن يُرَتِّبَ لهم السُّلطانُ جواليَ، أو مُسوحًا، أو مرتَّبًا، مع أنَّ أحَدَهم يجِدُ في بَلَدِه ما يكفيه، وكان الأَولى بهم لو عُرِض عليهم ذلك أن يَرُدُّوه ولا يزاحِموا جُندَ السُّلطانِ في مالِ المصالِحِ كما دَرَج عليه سَلَفُهم الصَّالحُ، بل لم نرَ أحدًا من مريدي المشايخِ الذين أدرَكْناهم يسافِرُ من بَلَدِه في طَلَبِ الدُّنيا فضلًا عن المشايخِ؛ لأنَّ أوَّلَ قَدَمٍ يَضَعُه المريدُ في الطَّريقِ أن يخرُجَ عمَّا بيَدِه من الدُّنيا، ويرميَه في بحرِ الإياسِ كما هو معلومٌ ... فإيَّاك يا أخي أن تظُنَّ بالمشايخِ الذين أدرَكْناهم أنَّهم كانوا مِثلَ هؤلاء في قِلَّةِ الوَرَع والقناعةِ، فتُسيءَ الظَّنَّ بهم، وإيَّاك يا أخي أن تتظاهَرَ بالمشيخةِ في هذا الزَّمانِ إلَّا إن كنتَ محفوظَ الظَّاهِرِ والباطِنِ من التَّخليطِ، كأكلِ أموالِ الكشافِ ومشايخِ العَرَبِ والظَّلَمةِ، فإن تظاهَرْتَ بذلك وظاهِرُك غيرُ محفوظٍ فقد خُنْتَ اللهَ ورسولَه وأهلَ الطَّريقِ، وأتلَفْتَ دينَ مَن يتَّبِعُك، وكان عليك إثمُ الأئمَّةِ المضِلِّين زيادةً على إثمِك) [274] يُنظَر: ((تنبيه المغترين على ما خالفوا فيه سلفهم الطاهر أواخر القرن العاشر)) (ص: 14). .

انظر أيضا: