موسوعة الأخلاق والسلوك

د- نماذِجُ من التَّغافُلِ عندَ السَّلَفِ والعلماءِ المتقدمينَ والمتأخرينَ وغيرِهم


تغافُلُ عليِّ بنِ حُسينٍ:
عن موسى بنِ طريفٍ، قال: (اسْتَطالَ رجلٌ على عليِّ بنِ حسينٍ فتغافَل عنه، فقال له الرَّجلُ: إيَّاكَ أعني، فقال له عليٌّ: وعنك أُغْضي) [1943] ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (41/ 395). .
تغافُلُ عُمَرَ بنِ عَبدِ العزيزِ:
نال رجُلٌ من عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فقيل له: ما يمنَعُك منه؟ فقال: إنَّ المتَّقيَ مُلجَمٌ [1944] ((الطبقات الكبير)) لابن سعد (7/365). .
ولمَّا وَلِيَ بدابِقٍ خرج ذاتَ ليلةٍ ومعه حَرَسيٌّ، فدخل المسجِدَ، فمَرَّ في الظُّلمةِ برَجُلٍ نائمٍ، فعَثَر به، فرفع رأسَه إليه، فقال: أمجنونٌ أنت؟ قال: لا. فهَمَّ به الحرَسيُّ، فقال له عُمَرُ: مَهْ! إنَّما سألني: أمجنونٌ أنت؟ فقُلتُ: لا [1945] ((الطبقات الكبير)) لابن سعد (7/385). .
تغافُلُ حاتمٍ الأصَمِّ:
قال أبو عليٍّ الدَّقَّاقُ: (جاءت امرأةٌ فسألت حاتمًا عن مسألةٍ، فاتَّفَق أنَّه خرج منها صوتٌ في تلك الحالةِ، فخَجِلَت. فقال حاتِمٌ: ارفَعي صوتَك، فأوهمَها أنَّه أصَمُّ، فسُرَّت المرأةُ بذلك، وقالت: إنَّه لم يسمَعِ الصَّوتَ؛ فلُقِّبَ بحاتِمٍ الأصَمِّ) [1946] ((الرسالة)) للقشيري (1/ 63)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/328). .
قال ابنُ القَيِّمِ مُعَلِّقًا: (وهذا التَّغافُلُ هو نِصفُ الفُتُوَّةِ) [1947] ((مدارج السالكين)) (2/328). .
تغافُلُ سُلَيمانَ بنِ عَبدِ الملِكِ:
قال الجاحِظُ: (وفيما يُحكى عن سليمانَ بنِ عَبدِ الملِكِ أنَّه خرج في حياةِ أبيه لمتنزَّهِه، فبُسِط له في صحراءَ، فتغدَّى مع أصحابِه، فلمَّا حان انصرافُه تشاغلَ غِلمانُه بالتَّرحالِ، وجاء أعرابيٌّ، فوجد منهم غَفلةً، فأخذ دُوَاجَ [1948] ثوبٌ واسِعٌ يُغَطي الجَسَد كُلَّه. يُنظر: ((المعجم العربي لأسماء الملابس)) (ص: 179). سُلَيمانَ، فرمى به على عاتِقِه، وسليمانُ ينظُرُ إليه، فبَصُرَ به بعضُ حَشَمِه، فصاح به: ألْقِ ما عليك! فقال الأعرابيُّ: لا لَعَمْري! لا أُلقيه ولا كَرامةَ! هذا كِسوةُ أميرِ المؤمنينَ وخِلعَتُه، فضَحِك سليمانُ، وقال: صدَقَ، أنا كسوتُه! فمَرَّ كأنَّه إعصارُ الرِّيحِ) [1949] ((التاج في أخلاق الملوك)) (ص: 101-102).

تغافُلُ رجُلٍ عن رجُلٍ أساء إليه وبَذا عليه:
قال أبو عُبَيدةَ: (بذا [1951] أي: سَفِه وأفحَشَ في مَنطِقِه. يُنظر: ((المصباح المنير في غريب الشرح الكبير)) للفيومي (1/ 41). رجُلٌ على آخَرَ من العَرَبِ، فتغافل عنه، فقال: إنِّي أسكُتُ كالغافِلِ الذي لم يسمَعْ) [1952] ((المجالسة وجواهر العلم)) للدينوري (3/428). .
تغافُلُ صَلاحِ الدِّينِ الأيُّوبيِّ:
قال ابنُ الأثيرِ يَصِفُ صلاحَ الدِّينِ: (وكان -رحمه اللهُ- كريمًا حليمًا، حسَنَ الأخلاقِ متواضِعًا، صبورًا على ما يكرَهُ، كثيرَ التَّغافُلِ عن ذُنوبِ أصحابِه، يسمَعُ من أحَدِهم ما يكرَهُ ولا يُعلِمُه بذلك ولا يتغيَّرُ عليه، وبلغَني أنَّه كان يومًا جالِسًا وعندَه جماعةٌ، فرمى بعضُ المماليكِ بعضًا بسَرْمُوز [1953] السَّرْمُوز: النَّعْلُ. يُنظر: ((المعجم العربي لأسماء الملابس)) لرجب عبد الجواد (ص: 232-233). فأخطأَتْه، ووصَلَت إلى صلاحِ الدِّينِ فأخطَأَتْه، ووقَعَت بالقُربِ منه، فالتَفَت إلى الجهةِ الأُخرى يكَلِّمُ جليسَه ليتغافَلَ عنها!) [1954] ((الكامل في التاريخ)) (10/119). .
تغافُلُ ابنِ تيميَّةَ وعَفوُه عمَّن آذوه وتكَلَّموا فيه:
قال ابنُ كثيرٍ: (وسِمعتُ الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ يَذكُرُ ما كان بينه وبين السُّلطانِ من الكلامِ لمَّا انفردا في ذلك الشُّبَّاكِ الذي جلسَا فيه، وأنَّ السُّلطانَ استفتى الشَّيخَ في قتلِ بَعضِ القُضاةِ بسَبَبِ ما كانوا تكلَّموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضِهم بعَزلِه من المُلكِ ومبايعةِ الجاشَنْكيرِ، وأنَّهم قاموا عليك وآذَوك أنت أيضًا، وأخذ يحثُّه بذلك على أن يُفتيَه في قَتلِ بعضِهم، وإنما كان حَنَقُه عليهم بسَبَبِ ما كانوا سَعَوا فيه من عزلِه ومبايعةِ الجاشَنْكِيرِ، ففهم الشَّيخُ مُرادَ السُّلطانِ، فأخذ في تعظيمِ القضاةِ والعُلماءِ، ويُنكِرُ أن ينالَ أحدًا منهم سُوءٌ، وقال له: إذا قتَلْتَ هؤلاء لا تجِدُ بَعدَهم مِثْلَهم، فقال له: إنَّهم قد آذوك وأرادوا قَتْلَك مرارًا! فقال الشَّيخُ: من آذاني فهو في حِلٍّ، ومن آذى اللهَ ورسولَه فاللهُ ينتَقِمُ منه، وأنا لا أنتَصِرُ لنفسي. وما زال به حتى حَلُمَ عنهم السُّلطانُ وصَفَح) [1955] ((البداية والنهاية)) (18/94). .
تربيةُ العِراقيِّ على خُلُقِ التَّغافُلِ:
قال العِراقيُّ: (ومن كلامِ بَعضِهم: عَظِّموا مقاديرَكم بالتَّغافُلِ، وهذا الكلامُ ممَّا كان والدي -رحمه اللهُ- يؤدِّبُني به في مبدَأِ شَبابي حينَ يرى غَضَبي من كَلِماتٍ تَرِدُ عَلَيَّ) [1956] ((طرح التثريب)) (8/111). .

انظر أيضا: