الموسوعة الفقهية

المَبحَثُ الأوَّلُ: الوَديعةُ عَقدُ أمانةٌ


الوَديعةُ مِن عُقودِ الأمانةِ، ولا يضمَنُ المودَعُ الوَديعةَ إذا تَلِفَت بدونِ تَعدٍّ أو تفريطٍ، وذلك باتِّفاقِ المذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحنفيَّةِ [223] ((الهداية)) للمرغيناني (3/215). وينظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (6/210). ، والمالِكيَّةِ [224] ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (3/425)، ((منح الجليل)) لعليش (7/5، 6). ، والشَّافِعيَّةِ [225]((روضة الطالبين)) للنووي (6/327)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (3/81)، ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (7/126). ، والحنابِلةِ [226] ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (2/352)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (4/148). ، وحُكِي الإجماعُ على ذلك  [227]قال ابنُ المُنذِرِ: (أجمع أهلُ العلمِ على أنَّ المودَعَ إذا أحرَز الوديعةَ بنَفسِه في صندوقِه أو حانوتهِ أو بيتِه، فتَلِفَت: أنْ لا ضمانَ عليه) ((الإشراف)) (6/331). لكنْ ثبت عن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه ضمَّن أنَسَ بنَ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه وديعةً ذهَبَت مِن بينِ مالِه، وهي روايةٌ عن أحمدَ. قال ابنُ رُشدٍ: (اتَّفَقوا على أنَّها أمانةٌ [أي: الوديعةَ] لا مضمونةٌ، إلَّا ما حُكي عن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ) ((بداية المجتهد)) (4/94). وقال ابنُ قُدامةَ: ("وليس على مُودَعٍ ضَمانٌ إذا لم يتعَدَّ"، وجملتُه أنَّ الوديعةَ أمانةٌ، فإذا تَلِفَت بغيرِ تفريطٍ من المودَعِ، فليس عليه ضمانٌ، سواءٌ ذهَب معها شيءٌ من مالِ المودَعِ أو لم يذهَبْ. هذا قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ. رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ -رَضِيَ اللهُ عنهم-. وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعيُّ، ومالِكٌ، وأبو الزِّنادِ، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، والشَّافعيُّ، وأصحابُ الرَّأيِ. وعن أحمدَ روايةٌ أُخرى: إن ذَهَبت الوديعةُ من بينِ مالِه غَرِمَها؛ لِما رُوِيَ عن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عنه- أنَّه ضَمَّن أنسَ بنَ مالكٍ وديعةً ذهَبَت من بينِ مالِه) ((المغني)) (6/436)، وينظر: ((الإنصاف)) للمرداوي (6/231). .
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِن الكتابِ
قولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: 58].
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ اللهَ تعالى سمَّاها أمانةً، والضَّمانُ يُنافي الأمانةَ [228] يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (6/436). .
ثانيًا: لأنَّ المُستودَعَ مُؤتمَنٌ، فلا يضمَنُ ما تَلِفَ مَن غَيرِ تعدِّيه وتفريطِه  [229] يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (6/436، 437). .
ثالثًا: لأنَّ المُستودَعَ إنَّما يحفَظُها لصاحِبِها مُتبرِّعًا مِن غَيرِ نَفعٍ يرجِعُ عليه، فلو لزِمه الضَّمانُ لامتنَع النَّاسُ مِن قَبولِ الودائِعِ، وذلك مُضِرٌّ؛ لأنَّها إذا كانت عَقدَ ضَمانٍ أعرَض النَّاسُ عنها [230] يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (6/437)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (3/81). .

انظر أيضا: