موسوعة التفسير

سورةُ ص
الآيات (55-64)

ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ

غريب الكلمات:


لِلطَّاغِينَ: أي: الضَّالِّينَ المُتجاوِزينَ الحَدَّ، وأصلُ الطُّغيانِ: مُجاوَزةُ الحَدِّ في العِصيانِ [732] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/526)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/412)، ((تفسير القرطبي)) (15/75)، ((تفسير ابن كثير)) (7/11). .
فَبِئْسَ: بئسَ: كلمةٌ موضوعةٌ لإنشاءِ الذَّمِّ، مستوفيةٌ لجميعِه [733] يُنظر: ((الغريبين في القرآن والحديث)) للهروي (1/134)، ((المفردات)) للراغب (ص: 153)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 86). .
الْمِهَادُ: أي: الفِراشُ والقَرارُ، والمَهدُ: ما يُهيَّأُ للصَّبيِّ، وأصلُ المهادِ: المكانُ المُمَهَّدُ المُوطَّأُ [734] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 117)، ((المفردات)) للراغب (ص: 780)، ((تفسير القرطبي)) (15/221)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 66). .
حَمِيمٌ: أي: ماءٌ شَديدُ الحَرارةِ، وأصلُ (حمم): يدُلُّ على الحَرارةِ [735] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 372)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 187)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/23)، ((المفردات)) للراغب (ص: 254). .
وَغَسَّاقٌ: أي: ما يَسيلُ مِن جُلودِ أهلِ النَّارِ، وهو الصَّديدُ، مِن قَولِهم: غَسَقَتْ عَينُه: إذا انصَبَّتْ، والغَسَقانُ: الانصِبابُ. وقيل: هو الزَّمهريرُ الَّذي انتهَى بَرْدُه، يُحرِقُهم ببَرْدِه كما تُحرِقُهم النَّارُ بحَرِّها [736] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 381)، ((تفسير ابن جرير)) (20/127)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 352)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/425)، ((تفسير البغوي)) (7/99). .
شَكْلِهِ: أي: مِثْلِه وضَرْبِه ونَظيرِه، وأصلُ (شكل): يدُلُّ على مُماثَلةٍ [737] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 381)، ((تفسير القرطبي)) (10/322)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 289)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/204)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 361). .
أَزْوَاجٌ: أي: أنواعٌ وأصنافٌ، يُقالُ لِكُلِّ ما يَقترِنُ بآخَرَ مُماثِلًا له أو مُضادًّا: زَوجٌ، وأصلُ (زوج): يَدُلُّ على مُقارَنةِ شَيءٍ لِشَيءٍ [738] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/339)، ((تهذيب اللغة)) للأزهري (10/15)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/35)، ((تفسير الماوردي)) (5/107)، ((المفردات)) للراغب (ص: 384)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 328)، ((تفسير ابن جزي)) (2/211). .
فَوْجٌ: أي: فِرقةٌ وجماعةٌ، وأصلُ (فوج): يدُلُّ على تَجمُّعٍ [739] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/133)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 365)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/458)، ((المفردات)) للراغب (ص: 646)، ((تفسير القرطبي)) (15/223)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 419). .
مُقْتَحِمٌ: أي: داخِلٌ كُرهًا، والاقتِحامُ: الدُّخولُ في الشَّيءِ بشِدَّةٍ وصُعوبةٍ، وأصلُ (قحم): يدُلُّ على وُرودِ الشَّيءِ بدونِ رَوِيَّةٍ [740] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 448)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/61)، ((المفردات)) للراغب (ص: 656)، ((تفسير ابن كثير)) (7/79)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 361). .
صَالُوا النَّارِ: أي: مُقاسو حَرِّها وشِدَّتِها، وأصلُ الصلي: الإيقادُ بالنَّارِ [741] يُنظر: ((العين)) للخليل (7/154)، ((تفسير ابن جرير)) (19/649)، ((المفردات)) للراغب (ص: 490). .
زَاغَتْ: أي: عدَلتْ ومالَتْ، وأصلُ الزيغِ: المَيلُ عن الاستقامةِ [742] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 348)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 251)، ((المفردات)) للراغب (ص: 387)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 339). .

مشكل الإعراب:


1- قَولُه تعالى: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
هَذَا: مُبتدَأٌ، وفي الخبَرِ وَجهانِ؛ أحدُهما: فَلْيَذُوقُوهُ، وحَمِيمٌ بدَلٌ مِن هَذَا، أو خبَرُ مُبتَدأٍ مَحذوفٍ، أي: هو حَميمٌ، أو مُبتدأٌ وخبَرُه محذوفٌ، أي: مِنه حَميمٌ وغَسَّاقٌ، أو خبرٌ ثانٍ لـ هَذَا. والوَجهُ الثَّاني: أن يكونَ حَمِيمٌ خبَرَ هَذَا، وفَلْيَذُوقُوهُ مُعتَرِضٌ بَيْنَهما لا محلَّ له. وقيل: هَذَا في مَوضِعِ نَصبٍ على الاشتِغالِ بفِعلٍ مَحذوفٍ يُفسِّرُه المذكورُ، أي: فلْيَذوقوا هذا، ثمَّ استأنفَ فقال: حَمِيمٌ أي: هو حَميمٌ [743] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/1104)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/387)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (23/134). .
2- قَولُه تعالى: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
قَولُه: تَخَاصُمُ فيه أوجُهٌ:
أحدُها: أنَّه بَدَلٌ مِن (حَقٌّ)، أو عَطفُ بَيانٍ.
الثَّاني: أنَّه خبَرٌ ثانٍ لـ إِنَّ.
الثَّالِثُ: أنَّه خبَرُ مُبتدأٍ مَحذوفٍ، أي: هو تُخاصُمُ، والجملةُ بيانٌ لاسمِ الإشارةِ، وقيل غيرُ ذلك [744] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/1106)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/394). .

المعنى الإجمالي:


بعدَما انتهى الحديثُ عن المؤمِنينَ وحُسنِ عاقِبتِهم؛ شَرَع تعالى يُبَيِّنُ حالَ الكافِرينَ وسُوءَ مُنقَلَبِهم، فقال: هذا الَّذي ذُكِرَ مِن الجزاءِ هو شأنُ المتَّقينَ، وإنَّ لِلَّذين تَجاوَزوا حُدودَ اللهِ بالكُفرِ والعِصيانِ لَشَرَّ مَرجِعٍ يَصيرونَ إليه في الآخِرةِ؛ جهنَّمَ يَدخُلونَها ويُقاسُونَ حَرَّها؛ فبِئسَ الفِراشُ هي، هذا هو عَذابُنا الَّذي أعدَدْناه لهم؛ ماءٌ بالِغُ الحَرارةِ، وقَيحٌ وصَديدٌ يَسيلانِ مِن أجسادِهم، فلْيَذوقوه، ولهم عَذابٌ آخَرُ على شاكِلةِ الحَميمِ والغَسَّاقِ يُعذَّبونَ به.
ثمَّ حكَى سُبحانَه أنَّه يُقالُ: هذا جَمعٌ كَثيرٌ مِن أتْباعِكم وإخوانِكم داخِلونَ معكم النَّارَ لا مَرحَبًا ولا أهلًا بهم؛ إنَّهم داخِلونَ النَّارَ، ومُقاسُونَ حَرَّها!
فقال الفَوجُ الدَّاخِلونَ في النَّارِ: بل أنتم لا مَرحبًا بكم؛ إذ دَعَوْتُمونا في الدُّنيا إلى الكُفرِ فاتَّبَعْناكم؛ فتَسبَّبتُم لنا في دُخولِ النَّارِ معكم، فبِئسَ القَرارُ والمَنزِلُ لنا ولكم: جَهنَّمُ!
ثمَّ قال الأتْباعُ: ربَّنا مَن أضَلَّنا في الدُّنيا فكان سَبَبًا في دُخولِنا النَّارَ، فضاعِفْ له العذابَ فيها.
وقال أولئك الطَّاغون: ما بالُنا لا نرَى معنا رِجالًا مِن فُقَراءِ المؤمِنينَ كُنَّا نَعُدُّهم في الدُّنيا أشرارًا، أكان تحقيرُنا إيَّاهم في الدُّنيا وسخريتُنا واستهزاؤُنا منهم خطأً وما دخَلوا النارَ معَنا؟ أمْ دخَلوها ولكِنْ أبصارُنا لا تَراهم وزاغَت عنهم؟!
 ثمَّ يقولُ تعالى مؤكِّدًا ما أخبَر به، وهو أصدَقُ القائلينَ: إنَّ ذلك الَّذي قصَصْناه مِن تخاصُمِ أهلِ النَّارِ فيما بيْنَهم وتلاعُنِهم: حَقٌّ لا شَكَّ فيه.

تفسير الآيات:


هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ (55).
مناسبة الآية لما قبلها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا وَصَف ثوابَ المتَّقينَ، وصَفَ بَعدَه عِقابَ الطَّاغينَ؛ لِيَكونَ الوَعيدُ مَذكورًا عَقِيبَ الوَعدِ، والتَّرهيبُ عَقيبَ التَّرغيبِ [745] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/403). .
هَذَا.
أي: هذا الَّذي ذُكِرَ مِن الجزاءِ هو شَأنُ المتَّقينَ [746] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/125)، ((تفسير ابن جزي)) (2/211)، ((تفسير السعدي)) (ص: 715)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/285)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 213). وممَّن ذهَب إلى هذا المعنى المذكورِ في الجملةِ: ابنُ جرير، وابنُ جُزَي، والسعديُّ، وابنُ عثيمين. يُنظر: المصادر السابقة. وقال البِقاعي: (هَذَا أي: الأمرُ العظيمُ الَّذي هو جديرٌ بأن يُجعَلَ نُصبَ العَينِ، وهو أنَّه لكُلٍّ مِن الفريقَينِ ما ذُكِرَ وإنْ أنكَرَه الكَفَرةُ. وحَذفُ الخبَرِ بعدَ إثباتِه في الأوَّلِ أهْوَلُ؛ لِيَذهَبَ الوَهمُ فيه كُلَّ مَذهَبٍ). ((نظم الدرر)) (16/404). .
وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ.
أي: وإنَّ لِلَّذين لم يَصبِروا على ما أُمِروا به، واجتِنابِ ما نُهُوا عنه، فتَجاوَزوا حُدودَ اللهِ بالكُفرِ والظُّلمِ ومَعصيةِ اللهِ تعالى: لَشَرَّ مَرجِعٍ يَصيرونَ إليه في الآخِرةِ [747] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/125)، ((تفسير القرطبي)) (15/221)، ((تفسير ابن كثير)) (7/78)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/404)، ((تفسير السعدي)) (ص: 715)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 213). وذهب ابنُ عاشورٍ إلى أنَّ المرادَ بالطَّاغينَ هنا: عُظَماءُ أهلِ الشِّركِ؛ لأنَّهم تكبَّروا بعظَمتِهم على قَبولِ الإسلامِ، وأعرَضوا عن دَعوةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكِبرٍ واستِهزاءٍ، وحَكَموا على عامَّةِ قَومِهم بالابتِعادِ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعن المُسلِمينَ، وعن سَماعِ القُرآنِ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/285). .
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56).
أي: وهو جَهنَّمُ، فيَدخُلونَها ويُقاسُونَ حَرَّها، فبِئسَ الفِراشُ الَّذي افتَرَشوه لأنفُسِهم في الآخِرةِ؛ بسَبَبِ طُغيانِهم في الدُّنيا [748] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/126)، ((تفسير القرطبي)) (15/221)، ((تفسير ابن كثير)) (7/78)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/405)، ((تفسير السعدي)) (ص: 715)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 213، 214). .
هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57).
أي: هذا ماءٌ بالِغُ الحَرارةِ، وصديدٌ يَسيلُ مِن أجسادِ أهلِ النَّارِ، فلْيَذوقُوه [749] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/126، 127، 130)، ((تفسير القرطبي)) (15/221)، ((تفسير ابن كثير)) (7/78)، ((تفسير السعدي)) (ص: 715)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/286). ممَّن اختار أنَّ في الآية تقديمًا وتأخيرًا، أي: هذا حميمٌ وغسَّاقٌ فلْيَذوقوه: الفَرَّاءُ، وابنُ جرير، والنَّحَّاسُ، وابنُ أبي زَمَنِين، والقرطبي، والشوكاني. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/410)، ((تفسير ابن جرير)) (20/126)، ((إعراب القرآن)) للنحاس (3/315)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (4/97)، ((تفسير القرطبي)) (15/221)، ((تفسير الشوكاني)) (4/505). وقال الفَرَّاءُ بعدَ أن ذكَرَ الوجهَ السَّابقَ: (وإن شِئتَ جعَلْتُه مُستأنَفًا، وجعلْتَ الكلامَ قبْلَه مكتفيًا، كأنَّك قُلْتَ: هذا فلْيَذوقوه، ثمَّ قلتَ: منه حميمٌ ومنه غَسَّاقٌ). ((معاني القرآن)) (2/410). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/126)، ((تفسير ابن عطية)) (4/510). وقال الماوَرْديُّ: (ححَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ أي: منه حميمٌ ومنه غسَّاقٌ). ((تفسير الماوردي)) (5/106). ويُنظر ما تقدَّم في مُشكِلِ الإعرابِ (ص: 245). وممَّن اختار أنَّ الغَسَّاقَ هو ما يَسيلُ مِن صديدِ أهلِ النَّارِ: ابنُ جرير، وابنُ جُزَي، والقاسمي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/130)، ((تفسير ابن جزي)) (2/211)، ((تفسير القاسمي)) (8/269)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 216). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه، وعبدُ الله بنُ عَمرٍو، وقَتادةُ، وإبراهيمُ، وابنُ زَيدٍ، وعطيَّةُ العَوفيُّ، وأبو رَزِينٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/128)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/580)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (7/199). قال السعدي: (هو أكْرَهُ ما يكونُ مِن الشَّرابِ، مِن قَيحٍ وصَديدٍ، مُرِّ المذاقِ، كَريهِ الرَّائِحةِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 715). وقيل: الغَسَّاقُ ضِدُّ الحميمِ، فهو البارِدُ الَّذي لا يُستطاعُ؛ مِن شِدَّةِ بَردِه المؤلمِ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ كثير، والعُلَيمي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/651)، ((تفسير ابن كثير)) (7/78)، ((تفسير العليمي)) (6/40). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاس في روايةٍ عنه، ومجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/129)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/579). قال ابنُ عاشور: (الغَسَّاقُ: سائِلٌ يَسيلُ في جَهنَّمَ، وأحسَبُ أنَّ هذا الاسمَ بهذا الوزنِ أطلَقَه القرآنُ على سائلٍ كَريهٍ يُسقَونَه، كقَولِه: بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف: 29]، وأحسَبُ أنَّه لم تكُنْ هذه الزِّنةُ مِن هذه المادَّةِ مَعروفةً عندَ العَرَبِ، وبذلك يُومئُ كلامُ الرَّاغِبِ، وهذا سَبَبُ اختلافِ المفَسِّرينَ في المرادِ منه). ((تفسير ابن عاشور)) (23/286). وذهب البِقاعي إلى جميعِ هذه المعاني وغيرِها، فعَرَّف الغَسَّاق بأنَّه سائِلٌ مُنتِنٌ عَظيمٌ جِدًّا، بارِدٌ أسْوَدُ مُظلِمٌ شَديدٌ في جميعِ هذه الصِّفاتِ مِن صَديدٍ ونَحوِه. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/406). !
وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58).
أي: ولهم عَذابٌ آخَرُ مِن نحوِ الحَميمِ والغَسَّاقِ، وعلى شاكِلتِه، ذو أنواعٍ وأصنافٍ يُعذَّبونَ بها [750] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/131 - 133)، ((تفسير القرطبي)) (15/222، 223)، ((تفسير ابن كثير)) (7/78، 79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 715)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/287). قال ابنُ جُزَي: (وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (آخرُ) مَعطوفٌ على حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ، تقديرُه: وعذابٌ آخَرٌ. قيل: يعني الزَّمهريرَ، ومعنى مِنْ شَكْلِهِ مِن مِثلِه ونَوعِه، أي: مِن مِثلِ العَذابِ المذكورِ، وأَزْوَاجٌ معناه أصنافٌ، وهو صِفةٌ للحَميمِ والغَسَّاقِ والعذابِ الآخَرِ، والمعنى: أنَّهما أصنافٌ مِن العذابِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/211). وقال ابن كثير: (أَمَّا الحميمُ فهو: الحارُّ الَّذي قد انتهَى حَرُّه، وأمَّا الغَسَّاقُ فهو: ضِدُّه، وهو البارِدُ الَّذي لا يُستطاعُ مِن شِدَّةِ بردِه المؤلِمِ؛ ولهذا قال: وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ أي: وأشياءُ مِن هذا القبيلِ، الشَّيءُ وضِدُّه يُعاقَبونَ بها). ((تفسير ابن كثير)) (7/78). .
كما قال تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان: 43 - 46].
وعن أبي هُرَيرةَ رضي اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((المَيِّتُ تَحضُرُه الملائِكةُ، فإذا كان الرَّجُلُ صالحًا قالوا: اخرُجي أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبةُ... وإذا كان الرَّجُلُ السَّوءُ قال: اخرُجي أيَّتُها النَّفْسُ الخَبيثةُ كانت في الجَسَدِ الخَبيثِ، اخرُجي ذميمةً، وأبْشِري بحَميمٍ وغَسَّاقٍ وآخَرَ مِن شَكلِه أزواجٍ، فلا يَزالُ يُقالُ لها ذلك حتَّى تَخرُجَ، ثمَّ يُعرَجُ بها إلى السَّماءِ، فلا يُفتحُ لها، فيُقالُ: مَن هذا؟ فيُقالُ: فُلانٌ، فيُقالُ: لا مَرحبًا بالنَّفْسِ الخَبيثةِ كانت في الجسَدِ الخَبيثِ، ارجِعي ذَميمةً؛ فإنَّها لا تُفتَّحُ لكِ أبوابُ السَّماءِ، فيُرسَلُ بها مِنَ السَّماءِ، ثمَّ تَصيرُ إلى القَبرِ )) [751] أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (11442)، وابن ماجه (4262) واللفظ له، وأحمد (8769). صَحَّح الحديثَ الذهبيُّ في ((العرش)) (29)، وابنُ القيِّم في ((الروح)) (2/589)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (4262). وصَحَّح إسنادَه ابنُ جرير في ((تهذيب الآثار- مسند عمر)) (2/491، 503). .
هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59).
مناسبة الآية لما قبلها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا وَصَف مَسْكَنَ الطَّاغِينَ ومَأكولَهم؛ حكَى أحوالَهم مع الَّذين كانوا أحِبَّاءَ لهم في الدُّنيا أوَّلًا، ثمَّ مع الَّذين كانوا أعداءً لهم في الدُّنيا ثانيًا [752] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/404). .
هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ.
أي: هذه جَماعةٌ كَبيرةٌ مُقتَحِمونَ النَّارَ مَعكم [753] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/133، 134)، ((تفسير ابن عطية)) (4/511)، ((تفسير ابن كثير)) (7/79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 716)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/288). قيل: القائِلُ لهم ذلك: هم ملائِكةُ العذابِ (خزنة النَّار- الزَّبانِيَة). وممَّن اختار هذا القولَ: ابنُ عطية، وابن الجوزي، وابن جُزَي. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/511)، ))تفسير ابن الجوزي)) (3/580)، ((تفسير ابن جزي)) (2/212). قال ابن الجوزي: (قوله تعالى: هَذَا فَوْجٌ هذا قولُ الزَّبانيةِ للقادةِ المتقدِّمينَ في الكفرِ إذا جاؤوهم بالأتْباعِ. وقيل: بل هو قولُ الملائكةِ لأهلِ النَّارِ كلَّما جاؤوهم بأمَّةٍ بعدَ أُمَّةٍ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/580). وقيل: هذا مِن كلامِ أهلِ النَّارِ بعضِهم لبعضٍ. وممَّن اختار هذا القولَ: ابنُ كثير، والسعدي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 716)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/287). واختار ابنُ كثير أنَّ هذا الكلامَ تقولُه الطَّائفةُ الَّتي تدخلُ قبْلَ الأخرَى إذا أقْبَلَتِ الَّتي بعدَها مع الخَزَنةِ مِن الزَّبانيةِ. واختار ابنُ عاشور أنَّ هذا الكلامَ يقولُه الطَّاغونَ بعضُهم لبعضٍ. والمرادُ بالفَوجِ المُقتَحِمِ: قيل: الأتْباعُ، والضَّميرُ في مَعَكُمْ يعودُ إلى رؤسائِهم. وممَّن ذهب إلى هذا: ابنُ عطية، وابن الجوزي، وابن جُزَي، والبِقاعي، وابن عاشور، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/511)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/580)، ((تفسير ابن جزي)) (2/212)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/407)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/288)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 217). وقال مكِّي: (ثمَّ قال تعالى: هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ أي: هذه فِرقةٌ مقتحمةٌ معكم في النَّارِ، وذلك دُخولُ أمَّةٍ مِن الكفَّارِ بعدَ أمَّةٍ). ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) (10/6278). قال الماوَرْديُّ: (وفي الفَوجِ قَولانِ؛ أحدُهما: أنَّهم بنو إبليسَ. والثَّاني: بنو آدمَ، قاله الحسَنُ. والقولُ الثَّاني: أنَّ كِلا الفَوجَينِ بنو آدَمَ، إلَّا أنَّ الأوَّلَ الرُّؤساءُ، والثَّانيَ الأتْباعُ. وحكى النَّقَّاشُ أنَّ الفَوجَ الأوَّلَ قادةُ المشركينَ ومُطعِموهم يومَ بَدرٍ، والفَوجَ الثَّانيَ أتْباعُهم ببَدرٍ). ((تفسير الماوردي)) (5/108). ويُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/651). .
لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ.
أي: لا اتَّسَعَت مَداخِلُهم ومَنازِلُهم في النَّارِ؛ إنَّهم داخِلوها ومُقاسُونَ حَرَّها [754] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/134، 135)، ((الهداية)) لمكي (10/6278)، ((تفسير ابن عطية)) (4/511)، ((تفسير القرطبي)) (15/223)، ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (2/73)، ((تفسير ابن كثير)) (7/79). قال ابن جُزَي: (لَا مَرْحَبًا بِهِمْ أي: لا يَلْقَون رُحْبًا ولا خيرًا، وهو دعاءٌ). ((تفسير ابن جزي)) (2/212). ممَّن اختار في الجملةِ أنَّ هذا مِن قولِ السَّادةِ والرُّؤساءِ والقادةِ الطَّاغينَ الَّذينَ كانوا قد دَخَلوا النَّارَ قبْلَ هذا الفَوجِ المُقتحِمِ: ابنُ جرير، والثعلبي، والواحدي، والزمخشري، والنسفي، وابن جزي، والخازن، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/134)، ((تفسير الثعلبي)) (8/214)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 926)، ((تفسير الزمخشري)) (4/102)، ((تفسير النسفي)) (3/161)، ((تفسير ابن جزي)) (2/212)، ((تفسير الخازن)) (4/45)، ((تفسير الشوكاني (4/507). وممَّن اختار أنَّه مِن قولِ بعضِ أهلِ النَّارِ لبعضٍ (المتقدِّمينَ في النَّارِ للدَّاخِلينَ عليهم): مكِّي، وابنُ كثير، والسعدي. يُنظر: ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6278)، ((تفسير ابن كثير)) (7/79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 716). وقيل: لَا مَرْحَبًا بِهِمْ هو مِن تمامِ كلامِ الخَزَنةِ. يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/232). وممَّن اختار أنَّ قولَه: إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ مِن كلامِ الخَزَنةِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وأبو السعود. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/651)، ((تفسير أبي السعود)) (7/232). وممَّن اختار أنَّه مِن كلامِ السَّادةِ والرُّؤساءِ والقادةِ: الثعلبيُّ، والواحدي، والزمخشري، والخازن، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (8/214)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 926)، ((تفسير الزمخشري)) (4/102)، ((تفسير الخازن)) (4/45)، ((تفسير الشوكاني)) (4/507). .
قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60).
قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.
أي: قال لهم الفَوجُ الدَّاخِلونَ النَّارَ: بل [755] قال ابنُ عاشور: (بَلْ للإضرابِ الإبطاليِّ؛ لِرَدِّ الشَّتمِ عليهم، وأنَّهم أَولى به منهم). ((تفسير ابن عاشور)) (23/289). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 318). أنتم لا اتَّسَعَتْ بكم أماكِنُكم؛ فأنتم دَعَوْتُمونا في الدُّنيا إلى الضَّلالِ الَّذي أفضَى بنا في الآخِرةِ إلى هذا المصيرِ [756] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/135)، ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (2/73، 74)، ((تفسير ابن كثير)) (7/79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 716). قال ابن عاشور: (بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ... أي: أنتم أَولى بالشَّتمِ والكراهيةِ بأن يُقالَ: لا مَرحبًا بكم؛ لأنَّكم الَّذين تَسبَّبتُم لأنفُسِكم ولنا في هذا العذابِ، بإغرائِكم إيَّانا على التَّكذيبِ والدَّوامِ على الكُفرِ). ((تفسير ابن عاشور)) (23/288، 289). قال ابن جُزَي: (الضَّمير في قَدَّمْتُمُوهُ للعذابِ، ومعنى قَدَّمْتُمُوهُ: أوجَبْتُموه لنا بما قدَّمْتُم في الدُّنيا مِن إغوائِنا، وأمْرِكم لنا بالكفرِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/212). !
فَبِئْسَ الْقَرَارُ.
أي: فبِئسَ المُستَقَرُّ النَّارُ [757] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/135)، ((تفسير القرطبي)) (15/224)، ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (2/74)، ((تفسير ابن كثير)) (7/79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 716)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/290). .
قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61).
أي: وقال الأتْباعُ: ربَّنا مَن أضَلَّنا في الدُّنيا فكان سَبَبًا في استِحقاقِنا عذابَ النَّارِ، فضاعِفْ له العذابَ فيها زيادةً على عَذابِه [758] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/135)، ((تفسير القرطبي)) (15/224)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/409)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/291). قال ابنُ القيِّم: (يجوزُ أن يكونَ الأتْباعُ دَعَوا على سادتِهم وكُبَرائِهم وأئمَّتِهم به؛ لأنَّهم هم الَّذين حَمَلوهم عليه، ودَعَوهم إليه، ويجوزُ أن يكونَ جَميعُ أهلِ النَّارِ سألوا ربَّهم أن يَزيدَ مَن سَنَّ لهم الشِّركَ وتكذيبَ الرُّسُلِ -صلَّى اللهُ عليهم وسلَّم- ضِعفًا، وهم الشَّياطينُ). ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) (2/74). وممَّن قال بالمعنى الأوَّلِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ جرير، والرسعني، والقرطبي، والبقاعي، وابن عاشور، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/651)، ((تفسير ابن جرير)) (20/135)، ((تفسير الرسعني)) (6/513)، ((تفسير القرطبي)) (15/224)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/409)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/291)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 218). ونسَب ابنُ الجوزيِّ إلى ابنِ السَّائبِ: أنَّه قولُ جميعِ أهلِ النَّارِ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/581). .
وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62).
مناسبة الآية لما قبلها:
أنَّه بعدَ أن شَرَح أحوالَ الكُفَّارِ مع الَّذين كانوا أحبابًا لهم في الدُّنيا؛ شَرَح أحوالَهم مع الَّذين كانوا أعداءً لهم في الدُّنيا [759] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/405). .
وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62).
أي وقال الطَّاغُونَ: ما بالُنا لا نَرى مَعَنا رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهم في الدُّنيا أشرارًا [760] قال ابنُ عاشور: (أي: كنَّا نَحْسَبُهم أشقياءَ قد خَسِروا لَذَّةَ الحياةِ باتِّباعِهم الإسلامَ، ورِضاهم بشَظَفِ العيشِ، وهم يَعنُونَ أمثالَ بلالٍ، وعمَّارِ بنِ ياسرٍ، وصُهَيبٍ، وخَبَّابٍ، وسَلمانَ). ((تفسير ابن عاشور)) (23/292). وممَّن قال بأنَّهم يَعْنون: مُستضعَفي المؤمنينَ: ابنُ عطيَّة. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/512). وقال البِقاعي: مِنَ الْأَشْرَارِ أي: الأراذلِ الَّذين لا خيرَ فيهم بأنَّهم قد قطعوا الرَّحِمَ، وفرَّقوا بيْنَ العشيرةِ، وأفسَدوا ذاتَ البَينِ، وغيَّروا الدِّينَ بكَونِهم لا يَزالون يُخالِفون النَّاسَ في أقوالِهم وأفعالِهم، مع ما كانوا فيه مِن الضَّعفِ والذُّلِّ والهَوانِ وسوءِ الحالِ في الدُّنيا، فيَظُنُّ أهلُها نقْصَ حظِّهم منها، وكثرةَ مصائبِهم فيها لسوءِ حالِهم عندَ الله!). ((نظم الدرر)) (16/410). وقال ابنُ عطيَّة: (الضَّميرُ في: «قَالُوا» لأشرافِ الكُفَّارِ ورُؤَسائِهم، أخبَرَ اللهُ عنهم أنَّهم يَتذكَّرونَ إذا دخَلوا النَّارَ لِقَومٍ مِن مُستَضعَفي المؤمنينَ، فيقولونَ هذه المقالةَ، وهذا مُطَّرِدٌ في كُلِّ أمَّةٍ جاءَها رَسولٌ). ((تفسير ابن عطية)) (4/512). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ: مجاهدٌ، وشِمْرُ بنُ عطيَّة. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/136)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (7/201). وممَّن ذهَب إلى أنَّ المرادَ بهم المؤمِنونَ دونَ أن يَخصُصَهم بالمُستَضعَفينَ منهم: ابنُ كثير، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 716)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 219). لا خَلاقَ لهم، يَعنُونَ بذلك المؤمنينَ [761] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/137)، ((تفسير ابن عطية)) (4/512)، ((تفسير ابن كثير)) (7/79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 716). ؟!
أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63).
القراءات ذات الأثر في التفسير:
أ- قولُه: أَتَّخَذْنَاهُمْ فيه قراءتانِ:
1- قِراءةُ: اتَّخَذْنَاهُمْ بوَصلِ الهَمزةِ، فتَكونُ جُملةً خَبريَّةً، أي: إنَّا اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا [762] قرأ بها أبو عَمرٍو، وحمزةُ، والكِسائيُّ، ويعقوبُ، وخلَفٌ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/361، 362). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (20/136)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/331، 332). .
2- قِراءةُ: أَتَّخَذْنَاهُمْ بقَطعِ الهَمزةِ على الاستِفهامِ، بمعنى: هل اتَّخَذْناهم سِخْريًّا، ولم يكونوا كذلك [763] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/361، 362). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/331، 332)، ((تفسير ابن عطية)) (4/512). ؟!
ب- قولُه: سِخْرِيًّا فيه قراءتانِ:
1- قِراءةُ: سُخْرِيًّا بضَمِّ السِّينِ. قيل: مِنَ السُّخرةِ والاستِخدامِ. وقيل: هي بمعنى الاستِهزاءِ كالقِراءةِ الأُخرى [764] قرأ بها نافعٌ، وحمزةُ، والكِسائيُّ، وأبو جعفرٍ، وخلَفٌ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/329). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (17/126، 127)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/196، 197)، ((تفسير ابن عطية)) (4/512)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/371، 372). .
2- قِراءةُ: سِخْرِيًّا بكَسرِ السِّينِ. بمعنى: الاستِهزاءِ [765] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/329). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (17/126، 127)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/196، 197)، ((تفسير ابن عطية)) (4/512)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/371، 372). .
أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63).
أي: أكان تحقيرُنا إيَّاهم في الدُّنيا وسخريتُنا واستهزاؤُنا منهم خطأً؛ فلم يَكونوا كذلك، وما دخَلوا النَّارَ معَنا، أم مالَتْ عنهم أبصارُنا، فلا نَراهم وهم في النَّارِ قد دخَلوها معَنا [766] يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (8/215)، ((تفسير ابن عطية)) (4/512)، ((تفسير الثعالبي)) (5/74)، ((تفسير الشوكاني)) (4/507)، ((تفسير ابن عجيبة)) (5/39)، ((تفسير السعدي)) (ص: 716). قال ابنُ عطيةَ: (أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا بألِفِ الاستفهامِ، ومعناها: تقريرُ أنفُسِهم على هذا على جهةِ التَّوبيخِ لها والأسَفِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/512). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/137)، ((تفسير السمعاني)) (4/451).            قال ابن جزي: (أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ هذا يحتمِلُ ثلاثةَ أوجهٍ: أحدُها: أنْ يكونَ معادلًا لقولِهم: مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا، والمعنى: ما لنا لا نراهم في جهنَّمَ، فهم ليسوا فيها، أم هم فيها ولكِنْ زاغَتْ عنهم أبصارُنا؟ ومعنى زَاغَتْ عَنْهُمُ مالت فلم نرَهم. الثاني: أنْ يكونَ معادلًا لقولِهم: أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا والمعنى: أتَّخذناهم سخريًّا. و«أم زاغت الأبصار» على هذا: مالت عن النَّظرِ إليهم احتقارًا لهم. الثالث: أنْ تكونَ «أم» منقطعةً بمعنى «بل والهمزةِ» فلا تعادلُ شيئًا مما قبلَها). ((تفسير ابن جزي)) (2/212). ؟
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: 29 - 32].
إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64).
أي: إنَّ ذلك الَّذي ذُكِر مِن مُراجَعاتِ أهلِ النَّارِ فيما بيْنَهم، ودُعاءِ بَعضِهم على بَعضٍ: لَحَقٌّ وصِدقٌ ثابِتٌ لا بُدَّ أن يقَعَ يومَ القيامةِ كما أخبَرَ اللهُ تعالى عنهم [767] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/138، 139)، ((تفسير البيضاوي)) (5/33)، ((تفسير ابن كثير)) (7/80)، ((تفسير السعدي)) (ص: 716)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/293، 294). قيل: أهلُ النَّارِ هنا هم الخالِدونَ فيها، كقَولِهم: أهلُ قريةِ كذا؛ فإنَّه لا يَشملُ المغتربَ بيْنَهم، وأنَّه وقتَ نُزولِ هذه الآيةِ لم يكُنْ في مكَّةَ غَيرُ المُسلمينَ الصَّالحينَ، وغيرُ المُشرِكين، فوصْفُ أهلِ النَّارِ يومَئذٍ لا يَتحقَّقُ إلَّا في المُشرِكينَ دونَ عُصاةِ المُسلِمينَ. قاله ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/294). .

الفوائد التربوية:


1- في قَولِه تعالى: هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ مع قَولِه سُبحانَه: هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ أنَّ الأفضلَ للدَّاعِيةِ أنْ يَجعَلَ دَعوتَه مُشتَمِلةً على التَّرغيبِ والتَّرهيبِ؛ وذلك لأنَّ الدَّعوةَ إذا كانت مُقتَصِرةً على التَّرغيبِ صارتْ سَبَبًا للأمْنِ مِن مَكرِ اللهِ، وأنْ يَتمادَى الإنسانُ في مَعصيةِ اللهِ ويَرجو اللهَ، وإذا كانت مُقتصِرةً على التَّرهيبِ صارتْ سَبَبًا للقُنوطِ مِن رَحمةِ اللهِ، واستِبعادِ الرَّحمةِ، وهذا ضَرَرٌ، بل ينبغي أنْ يكونَ الدَّاعِيةُ جامِعًا بيْنَ هذا وهذا؛ لِيَحْمِلَ النَّاسَ على الرَّجاءِ وعلى الخَوفِ [768] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 221). .
2- في قَولِه تعالى: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ أنَّ هذا الخِصامَ الَّذي يَقَعُ بيْنَ أهلِ النَّارِ حَقٌّ، ويَتفرَّعُ على هذه الفائِدةِ: أنَّه يجبُ على كلِّ أحدٍ ألَّا يَغتَرَّ بالسَّادةِ والمَتبوعِينَ، بل يكونُ هَمُّه نَفْسَه [769] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 225). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- كمالُ القُرآنِ في التَّعليمِ والتَّبليغِ، وأنَّه مَثانٍ؛ إذا ذَكَر المتَّقينَ وثَوابَهم ذَكَر المجرِمينَ وعِقابَهم؛ ولهذا قال: هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ، الطَّاغون ضِدُّ المتَّقينَ؛ لهم شَرُّ مآبٍ [770] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 221). .
2- في قوله تعالى: وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ أنَّ أهلَ النَّارِ يَتذَكَّرونَ ما جَرَى لهم في الدُّنيا [771] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 224). .
3- في قَولِه تعالى: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ أنَّ الأتْباعَ والمتبوعِينَ مِن أهلِ النَّارِ كلَّهم يَكونونَ في النَّارِ، فلا يُعذَرُ هؤلاء بتبَعيَّتِهم للسَّادةِ والكُبَراءِ، ولكِنْ هذا ليس على إطلاقِه؛ فإنَّه قد دَلَّتِ النُّصوصُ على أنَّه لا يُعَذَّبُ أحَدٌ حتَّى تقومَ عليه الحُجَّةُ، وعلى هذا فيُحمَلُ الأتْباعُ هنا على الأتْباعِ الَّذين بَلَغَتْهم الحُجَّةُ وبَلَّغَتْهم الرُّسُلُ، ولكنْ قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: 22]؛ ولهذا قال تعالى في سورةِ (الأحزابِ): يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب: 66 - 68]؛ فدلَّ هذا على أنَّ هؤلاءِ الأتْباعَ قد قامتْ عليهمُ الحُجَّةُ؛ ولهذا يَقولونَ: يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [772] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 223). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالَى: هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ اسمُ الإشارةِ هَذَا مُستَعمَلٌ في الانتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ؛ تَنهيةً لِلغَرَضِ الَّذي قَبْلَه. واسمُ الإشارةِ (هذا) في هذا المَقامِ مِنَ الفَصلِ الَّذي هو خَيرٌ مِنَ الوَصلِ، وهي عَلاقةٌ وَكيدةٌ بيْنَ الخُروجِ مِنَ الكَلامِ إلى كَلامٍ آخَرَ [773] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/285)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/374). .
2- قولُه تعالَى: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ
- جُملةُ يَصْلَوْنَهَا حالٌ مِن جَهَنَّمَ، مُؤكِّدةٌ لِمَعنى اللَّامِ الَّذي هو عامِلٌ في (الطَّاغِينَ)؛ فإنَّ معنى اللَّامِ أنَّهم تَختَصُّ بهم جَهنَّمُ، واختِصاصُها بهم هو ذَوقُ عَذابِها؛ لِأنَّ العَذابَ ذاتيٌّ لِجَهنَّمَ [774] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/285). .
- والفاءُ في فَبِئْسَ الْمِهَادُ لِتَرتيبِ الإخبارِ وتَسَبُّبِه على ما قَبْلَه، والمَعنى: جَهنَّمَ يَصلَوْنها، فيَتسَبَّبُ على ذلك أنْ نَذكُرَ ذَمَّ هذا المَقَرِّ لهم، وهذا استِعمالٌ بَديعٌ كَثيرٌ في القُرآنِ [775] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/285). .
- والْمِهادُ: المَهدُ والمُفتَرَشُ، شَبَّهَ ما تَحتَهم مِنَ النارِ بالمِهادِ الَّذي يَفتَرِشُه النَّائِمُ، والمَخصوصُ بالذَّمِّ مَحذوفٌ، وهو جَهنَّمُ؛ لِقَولِه: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ [776] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/101)، ((تفسير البيضاوي)) (5/32)، ((تفسير أبي السعود)) (7/232)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/285). [الأعراف: 41].
3- قولُه تعالَى: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ
- قوله: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ إشارةُ القَريبِ هَذَا لِتَقريبِ الإنذارِ [777] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/286). .
- و(غَسَّاقٌ) بالتَّشديدِ مُبالَغةٌ في (غاسِقٌ)، بمَعنى سائِلٍ، وصِيغَ له هذا الوَزنُ؛ لِيَكونَ اسْمًا لِشَيءٍ يُشبِهُ ما يَغسِقُ به الجُرحُ [778] غَسَق الجرحُ: أي: سالَ منه ماءٌ أصفرُ. يُنظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (10/288). ؛ ولذلك سُمِّيَ المُهلَ والصَّديدَ في آياتٍ أُخرى [779] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/286). .
- وجُملةُ فَلْيَذُوقُوهُ مُعتَرِضةٌ بيْنَ اسمِ الإشارةِ والخَبَرِ عنه -على أحدِ الأقوالِ-، وهذا مِنَ الاعتِراضِ المُقتَرِنِ بالفاءِ دُونَ الواوِ، والفاءُ فيه؛ لِتَرتيبِ الإخبارِ وتَسَبُّبِه على ما قَبْلَه [780] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/286، 287). .
- وقولُه: وَآَخَرُ صِفةٌ لِمَوصوفٍ مَحذوفٍ دَلَّتْ عليه الإشارةُ بقَولِه: هَذَا وضَميرُ فَلْيَذُوقُوهُ، ووَصْفُ (آخَرُ) يدُلُّ على مُغايِرٍ، وقَولُه: مِنْ شَكْلِهِ يدُلُّ على أنَّه مُغايِرٌ له بالذَّاتِ، ومُوافِقٌ في النَّوعِ؛ فحَصَل مِن ذلك أنَّه عَذابٌ آخَرُ، أو مَذوقٌ آخَرُ مِن شَكلِ هذا المَذوقِ مِن مِثلِه في الشِّدَّةِ والفَظاعةِ. وتَوحيدُ الضَّميرِ في قولِه: مِنْ شَكْلِهِ مع أنَّ مُعادَه حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ، على أنَّه لِمَا ذُكِرَ، أو لِلشَّرابِ الشَّامِلِ لِلحَميمِ والغَسَّاقِ، أو لِلغَسَّاقِ [781] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/101)، ((تفسير البيضاوي)) (5/32)، ((تفسير أبي حيان)) (9/169)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/287). .
4- قولُه تعالَى: هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ هذا ابتِداءُ كَلامٍ حُكيَ به تَخاصُمُ المُشرِكينَ في النَّارِ فيما بَيْنَهم إذا دَخَلوها، كما دَلَّ عليه قَولُه تعالى في آخِرِه: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: 64]، وجَرَيانُه بَيْنَهم لِيَزدادوا مَقْتًا؛ بأنْ يُضافَ إلى عَذابِهمُ الجُسمانيِّ عَذابُ أنْفُسِهم برُجوعِ بَعضِهم على بَعضٍ بالتَّنديمِ وسُوءِ المُعامَلةِ، وأُسلوبُ الكَلامِ يَقتَضي مُتكَلِّمًا صادِرًا منه، وأُسلوبُ المُقاوَلةِ يَقتَضي أنَّ المُتكَلِّمَ به همُ الطَّاغونَ الَّذين لهم شَرُّ المآبِ -وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ-؛ لِأنَّهم أساسُ هذه القَضيَّةِ، فالتَّقديرُ: يَقولونَ -أي: الطَّاغونَ- بَعضُهم لِبَعضٍ: هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ، أيْ: يَقولونَ مُشيرينَ إلى فَوجٍ مِن أهلِ النَّارِ أُقحِمَ فيهم، ليسوا مِن أكْفَائِهم ولا مِن طَبَقَتِهم، وهم فَوجُ الأتْباعِ مِنَ المُشرِكينَ الَّذين اتَّبَعوا الطَّاغينَ في الحياةِ الدُّنيا، وذلك ما دَلَّ عليه قَولُه: أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا [ص: 60]، أيْ: أنتم سَبَبُ إحضارِ هذا العَذابِ لنا [782] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/287، 288). .
- قولُه: هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ الاقتِحامُ: الدُّخولُ في النَّاسِ، و(مع) مُؤْذِنةٌ بأنَّ المُتَكلِّمينَ مَتبوعونَ، وأنَّ الفَوجَ المُقتَحِمَ أتْباعٌ لهم، فأُدخِلوا فيهم مُدخَلَ التَّابِعِ مع المَتبوعِ بعَلاماتٍ تُشعِرُ بذلك [783] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/288). .
- وقولُه: لَا مَرْحَبًا بِهِمْ دُعاءٌ منهم على أتْباعِهم، وهي جُملةٌ مُعتَرِضةٌ مُستَأنَفةٌ لِإنشاءِ ذَمِّ الفَوجِ، و لَا مَرْحَبًا نَفيٌ لِكَلِمةٍ يَقولُها المَزورُ لِزائِرِه، وهي إنشاءُ دُعاءِ الوافِدِ، فإذا أرادوا كَراهيةَ الوافِدِ والدُّعاءَ عليه قالوا: لا مَرحَبًا به، كأنَّهم أرادوا النَّفيَ بمَجموعِ الكَلِمةِ. قيل: إنَّما قالوا ذلك؛ لِأنَّهم كَرِهوا أنْ يَكونوا هم وأتْباعُهم في مَكانٍ واحِدٍ، جَريًا على خُلُقِ جاهِلِيَّتِهم مِنَ الكِبرياءِ واحتِقارِ الضُّعَفاءِ [784] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/288، 289). . وقيل: إنَّ جُملةَ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ هي مِن إتمامِ كَلامِ الخَزَنةِ بطَريقِ الدُّعاءِ على الفَوجِ بضِيقِ المَكانِ. أو صِفةٌ لِلفَوجِ. أو حالٌ منه، أيْ: مَقولٌ -أو مَقولًا- في حَقِّهم: لَا مَرْحَبًا بِهِمْ، أيْ: لا أتَوْا مَرحَبًا، أو لا رَحُبَتْ بهمُ الدَّارُ مَرحَبًا [785] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/33)، ((تفسير أبي السعود)) (7/232)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/375، 376). ، وبِهِمْ بَيانٌ لِلمَدعُوِّ عليهم، أيْ: بَيانٌ لِمَن وُجِّهَ الدُّعاءُ لهم، أيْ: إيضاحًا لِلسَّامِعِ أنَّ الدُّعاءَ على أصحابِ الضَّميرِ المَجرورِ بالباءِ، فكانتِ الباءُ فيه لِلتَّبيينِ [786] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/101، 102)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/289، 290). .
- وقَولُه: إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ قيل: هو تَعليلٌ مِن جِهةِ الخَزَنةِ لِاستِحقاقِهمُ الدُّعاءَ عليهم، أو وَصْفَهم بما ذُكِر [787] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/102)، ((تفسير أبي حيان)) (9/169)، ((تفسير أبي السعود)) (7/232)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/376). . وقيل: إنَّ جُملةَ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ هي خَبَرٌ ثانٍ عن اسمِ الإشارةِ، والخَبَرُ مُستعمَلٌ في التَّضَجُّرِ منهم، أيْ: إنَّهم مُضايقونَنا في مَضيقِ النَّارِ، كما أوْمَأ إليه قَولُهم: مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ [788] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/289). .
5- قولُه تعالَى: قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ، أيْ: قال الفَوجُ: لَا مَرْحَبًا بِكُمْ، وهو رَدٌّ على الرُّؤَساءِ ما دَعَوْا به عليهم، وعَلَّلوا ذلك فذَكَروا أنَّ ما وَقَعوا فيه مِنَ العَذابِ وصَلْيِ النارِ، إنَّما هو بما ألقَيتُم إلينا وزَيَّنتُموه مِنَ الكُفرِ، فكَأنَّكم قَدَّمتُم لنا العَذابَ أو الصَّلْيَ. وإذا كان لَا مَرْحَبًا بِهِمْ مِن كَلامِ الخَزَنةِ، فلمْ يَجِئِ التَّركيبُ: قالوا: بل هؤلاء لا مَرحَبًا بهم، بل جاءَ بخِطابِ الأتْباعِ لِلرُّؤساءِ؛ لِتَكونَ المُواجَهةُ لِمَن كانوا لا يَقدِرونَ على مُواجَهَتِهم في الدُّنيا بقَبيحٍ، أشْفَى لِصُدورِهم -حيث تَسَبَّبوا في كُفرِهم-، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ [789] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/102)، ((تفسير أبي حيان)) (9/169). .
- وجيءَ بحِكايةِ قَولِهم على طَريقةِ المُحاوَراتِ؛ فلذلك جُرِّدَ مِن حَرفِ العَطفِ؛ فقولُه: قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ، أيْ: فسَمِعَهم الأتْباعُ فقالوا: قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ؛ إضرابًا عن كَلامِهم. وحَرفُ بَلْ لِلإضْرابِ الإبطاليِّ؛ لِرَدِّ الشَّتمِ عليهم، وأنَّهم أَوْلى به منهم [790] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/289). .
- وذُكِر ضَميرُ المُخاطَبينَ في قَولِه: أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ لِلتَّنصُّلِ مِن شَتمِهم، أيْ: أنتم المَشتومونَ، أيْ: أَوْلى بالشَّتمِ منَّا [791] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/289). .
- وفي قَولِه: قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ لَعَلَّهم إنَّما خاطَبُوهم مع أنَّ الظَّاهِرَ أنْ يَقولُوا بطَريقِ الاعتِذارِ إلى الخَزَنةِ: بل هُم لا مَرحَبًا بهم... إلخ؛ قَصْدًا منهم إلى إظهارِ صِدقِهم بالمُخاطَبةِ مع الرُّؤَساءِ، والتَّحاكُمِ إلى الخَزَنةِ؛ طَمَعًا في قَضائِهم بتَخفيفِ عَذابِهم، أو تَضعيفِ عَذابِ خُصَمائِهم، أيْ: بل أنتم أحَقُّ بما قيلَ لنا أو قُلتُم [792] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/233). .
- وإذا كان قَولُه: لَا مَرْحَبًا بِهِمْ مِن كَلامِ الخَزَنةِ فماذا يُصنَعُ بقَولِه: بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ، والمُخاطَبونَ -أعني: رُؤَساءَهم- لم يَتكَلَّموا بما يَكونُ هذا جَوابًا لهم؟
فالجوابُ: كأنَّه قيلَ: هذا الَّذي دعا به علينا الخَزَنةُ أنتُم يا رُؤَساءُ أحَقُّ به منَّا؛ لإغوائِكم إيَّانا، وتَسبُّبِكم فيما نحن فيه مِنَ العَذابِ، كما لو زَيَّنَ قَومٌ لِقَومٍ بَعضَ المَساوي فارتَكَبوها، فقيلَ لِلمُزَيِّنينَ: أخْزى اللهُ هؤلاء، ما أسْوَأَ فِعلَهم! فقال المُزَيَّنُ لهم لِلمُزَيِّنينَ: بل أنتُم أَوْلى بالخِزيِ منَّا؛ فلولا أنتم لم نَرتَكِبْ ذلك [793] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/102). .
- وجُملةُ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا عِلَّةٌ لِقَلبِ سَبَبِ الشَّتمِ إليهم، وتَعليلٌ لِأحَقِّيَتِهم بذلك، أيْ: لِأنَّكم قَدَّمتُمُ العَذابَ لنا؛ فضَميرُ النَّصبِ في قَدَّمْتُمُوهُ عائِدٌ إلى العَذابِ المُشاهَدِ، وهو حاضِرٌ في الذِّهنِ غَيرُ مَذكورٍ في اللَّفظِ [794] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/102)، ((تفسير أبي السعود)) (7/233)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/290). .
- ووُقوعُ أَنْتُمْ قَبلَ قَدَّمْتُمُوهُ المُسنَدِ الفِعليِّ، يُفيدُ الحَصرَ، أيْ: لم يُضِلَّنا غَيرُكم؛ فأنتُم أحِقَّاءُ بالعَذابِ [795] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/290). .
- قَولُه: فَبِئْسَ الْقَرَارُ ذَمٌّ لِإقامَتِهم في جَهنَّمَ؛ تَشنيعًا عليهم فيما تَسَبَّبوا لِأنْفُسِهم فيه، وقَصَدُوا بذَمِّها تَغليظَ جِنايةِ الرُّؤساءِ عليهم [796] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/290). .
6- قولُه تعالَى: قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ لم يَكتَفِ الأتْباعُ برَدِّ الدُّعاءِ على رُؤَسائِهم، ولا بمُواجَهَتِهم بقَولِ: أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا، حتَّى سَأَلوا مِنَ اللهِ أنْ يَزيدَ رُؤَساءَهم ضِعفًا مِنَ النارِ، والمَعنى: مَن حَمَلَنا على عَمَلِ السُّوءِ حتَّى صار جَزاؤُنا النَّارَ، فزِدْه عَذابًا ضِعفًا. ولَمَّا كان الرُّؤَساءُ ضُلَّالًا في أنْفُسِهم، وأضَلُّوا أتْباعَهم؛ ناسَبَ أنْ يَدعُوا عليهم بأنْ يَزيدَهم ضِعفًا، كما جاءَ: ((مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سَيِّئةً كان عليه وِزرُها ووِزرُ مَن عَمِلَ بها مِن بَعدِه مِن غيرِ أن يَنقُصَ مِن أوزارِهم شَيءٌ )) [797] أخرجه مسلم (1017) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه. ؛ فعلى هذا: الضَّميرُ في قَولِه: قَالُوا لِلأتْباعِ، و مَنْ قَدَّمَ همُ الرُّؤَساءُ [798] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/169، 170). .
- قولُه: قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا ...، أيْ: قال الأتْباعُ لِمَتبوعيهم في النَّارِ هذا الكَلامَ، وتَوسيطُه بَينَ كَلامَيْهم؛ لِمَا بَيْنَهما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ ذاتًا وخِطابًا [799] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/233). .
وفيه إعادةُ فِعلِ القَولِ؛ لِإفادةِ أنَّ القائِلينَ همُ الأتْباعُ، فأُعيدَ فِعلُ القَولِ تَأكيدًا لِلفِعلِ الأوَّلِ؛ لِقَصدِ تَأكيدِ فاعِلِ القَولِ تَبَعًا؛ لأنَّه مُحتملٌ لِضَميرِ القائِلينَ [800] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/291). .
- والمَقصودُ مِن حِكايةِ قَولِهم هذا تَحذيرُ كُبَراءِ المُشرِكينَ مِن عَواقِبِ رِئاسَتِهم وزَعامَتِهمُ الَّتي يَجُرُّونَ بها الوَيلاتِ على أتْباعِهم، فيُوقِعونَهم في هاويةِ السُّوءِ حتَّى لا يَجِدَ الأتْباعُ لهم جَزاءً بَعدَ الفَوتِ إلَّا طَلَبَ مُضاعَفةِ العَذابِ لهم [801] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/291). .
7- قولُه تعالَى: وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ
- عَطفٌ على هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ [ص: 59]، على ما قُدِّرَ فيه مِن فِعلِ قَولٍ مَحذوفٍ -على قولٍ-، فهذا مِن قَولِ الطَّاغينَ؛ فإنَّهمُ الَّذين كانوا يَحقِرونَ المُسلِمينَ [802] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/292). .
- والاستِفهامُ في قَولِه: مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ استِفهامٌ يُلقيه بَعضُهم لِبَعضٍ تَلَهُّفًا على عَدَمِ رُؤيَتِهم مَن عَرَفوهم مِنَ المُسلِمينَ، مُكَنًّى به عن مَلامِ بَعضِهم لِبَعضٍ على تَحقيرِهمُ المُسلِمينَ، واعتِرافِهم بالخَطَأِ في حِسْبانِهم. ويَجوزُ أنْ يَكونَ الاستِفهامُ حَقيقيًّا؛ استَفهَموا عن مَصيرِ المُسلِمينَ؛ لِأنَّهم لم يَرَوْهم يَومَئذٍ؛ إذْ قد عَلِموا أنَّ النَّاسَ صاروا إلى عالَمٍ آخَرَ، وهو الَّذي كانوا يُنذَرونَ به، ويَكونَ قَولُهم: مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ تَمهيدًا لِقَولِهم: أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا [803] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/292). [ص: 63].
8- قولُه تعالَى: أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ
- الاستِفهامُ في قَولِه: أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ لِإنكارِ الكافِرينَ على أنْفُسِهم وتأنيبِهم لها في الاستِسخارِ مِنَ المُؤمِنينَ والزَّيغِ عنهم، ولِتَقريرِ أنْفُسِهم على هذا، على جِهةِ التَّوبيخِ لها والأسَفِ، أيْ: أتَّخَذْناهم سِخريًّا ولم يَكونوا كذلك [804] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/103)، ((تفسير البيضاوي)) (5/33)، ((تفسير أبي حيان)) (9/170)، ((تفسير أبي السعود)) (7/233)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/377). ؟
- وجُملةُ أَتَّخَذْنَاهُمْ بَدَلٌ مِن جُملةِ مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا [ص: 62]، و(ال) في الْأَبْصَارُ عِوضٌ عنِ المُضافِ إليه، أيْ: أبصارُنا؛ فيَكونُ المَعنى: أكان تَحقيرُنا إيَّاهم في الدُّنيا خَطَأً [805] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/293). ؟
- وكَنَّى عن تَحقيرِهم لِلمُسلِمينَ في الدُّنيا باتِّخاذِهم سِخرِيًّا؛ لِأنَّ في فِعلِ أَتَّخَذْنَاهُمْ إيماءً إلى أنَّهم ليسوا بأهلٍ لِلسُّخريةِ، وهذا تَنَدُّمٌ منهم على الاستِسخارِ بهم [806] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/293). . والسُّخريُّ دالٌّ على شِدَّةِ الاستِهزاءِ؛ لِأنَّ ياءَه في الأصْلِ ياءُ نَسَبٍ، وياءُ النَّسَبِ تأتي لِلمُبالَغةِ في الوَصفِ [807] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/293). .
- ولَفظُ أَمْ إنْ كان قَولُه: أَتَّخَذْنَاهُمْ استِفهامًا: إمَّا مُصرَّحًا بهَمزَتِه كقِراءةِ مَن قَرَأ كذلك، أو مُؤوَّلًا بالاستِفهامِ، وحُذِفتِ الهَمزةُ لِلدَّلالةِ، فالظَّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلةٌ؛ لِتَقدُّمِ الهَمزةِ، وقولُه: أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ له وجهانِ مِن الاتِّصالِ؛ أحدهما: أنْ يتَّصِلَ بقولِه: مَا لَنَا أى: ما لنا لا نَراهم في النَّارِ، كأنَّهم ليسوا فيها؟ بلْ أزاغَتْ عنهم أبصارُنا فلا نراهم وهم فيها؟
والوجه الثاني: أنْ يتَّصِلَ بـ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا، إمَّا أنْ تكونَ (أم) متصلةً على معنى: أيُّ الفِعلَيْنِ فَعَلْنا بهم: الاستِسخارُ منهم، أم ازدِراؤُهم وتَحقيرُهم وأنَّ أبصارَنا كانت تَعلو عنهم، وتَقتَحِمُهم؟ ويَكونُ استِفهامًا على مَعنى الإنكارِ على أنْفُسِهم؛ لِلاستِسخارِ والزَّيغِ جَميعًا. وقيلَ: كُلَّ ذلك قد فَعَلوا؛ اتَّخَذوهم سِخريًّا، وزاغَتْ عنهم أبصارُهم مُحقِّرةً لهم. وفي زَاغَتْ دونَ (أزغنا) مبالغةٌ عظيمةٌ كأنَّ العينَ بنفسِها تمجُّهم لقبحِ منظرِهم. وإنْ كانَ قَولُه: اتَّخَذْنَاهُمْ ليس استِفهامًا، فـ أَمْ مُنقَطِعةٌ، ويَجوزُ أنْ تَكونَ مُنقَطِعةً أيضًا مع تَقدُّمِ الاستِفهامِ، فالتَّقديرُ: بل أزاغَتْ عنهمُ الأبصارُ.
ويَجوزُ أنْ يَكونَ قَولُهم: أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ له تَعلُّقٌ بقَولِه: مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا؛ لِأنَّ الاستِفهامَ أوَّلًا دَلَّ على انتِفاءِ رُؤيَتِهم إيَّاهم، وذلك دَليلٌ على أنَّهم ليسوا معهم، ثمَّ جَوَّزوا أنْ يَكونوا معهم، ولكنَّ أبصارَهم لم تَرَهم [808] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/103)، ((تفسير البيضاوي)) (5/33)، ((تفسير أبي حيان)) (9/170، 171). .
9- قوله تعالى: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ تَذييلٌ وتَنهيةٌ لِوَصفِ حالِ الطَّاغينَ وأتْباعِهم، وعَذابِهم، وجِدالِهم [809] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/293). .
- وتأْكيدُ الخَبَرِ بحرفَيِ التَّوكيدِ (إنَّ واللَّامِ) في قولِه: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ مَنظورٌ فيه لِمَا يَلزَمُ الخَبَرَ مِنَ التَّعريضِ بوَعيدِ المُشرِكينَ وإثباتِ حَشرِهم وجَزائِهم بأنَّه حَقٌّ، أي: ثابِتٌ [810] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/293). .
- وقَولُه: تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ خَبَرُ مُبتَدأٍ مَحذوفٍ، والجُملةُ بَيانٌ لـ ذَلِكَ، وفي الإبهامِ أوَّلًا والتَّبيينِ ثانيًا مَزيدُ تَقريرٍ له [811] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/234). .
- في قَولِه: تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ تَشبيهُ تَقاوُلِهم وما يَدورُ بَيْنَهم مِن حِوارٍ ويَتَبادَلونَه مِن سُؤالٍ وجَوابٍ بما يَجري بيْنَ المُتَخاصِمينَ مِن نَحوِ ذلك؛ لِأنَّ قَولَ الرُّؤَساءِ لِتابِعيهم: لَا مَرْحَبًا بِهِمْ [ص: 59]، وقَولَ التَّابِعينَ: بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ [ص: 60]؛ لا يَعدو الخُصومةَ الَّتي يَتَراشَقُها المُتَخاصِمونَ، أو كان ذَمُّهم لِبَعضِهم أشَدَّ مِنَ المُخاصَمةِ.
وأُضيفَ هذا التَّخاصُمُ إلى أهلِ النارِ كُلِّهمُ اعتِبارًا بغالِبِ أهلِها؛ لِأنَّ غالِبَ أهلِ النَّارِ أهلُ الضَّلالاتِ الاعتِقاديَّةِ، وهم لا يَعْدُونَ أنْ يَكونوا دُعاةً لِلضَّلالِ، أو أتْباعًا لِلدُّعاةِ إليه؛ فكُلُّهم يَجري بَيْنَهم هذا التَّخاصُمُ، أمَّا مَن كان في النَّارِ مِنَ العُصاةِ فكَثيرٌ منهم ليس عِصيانُه إلَّا تَبَعًا لِهَواه مع كَونِه على عِلمٍ بأنَّ ما يأتيه ضَلالةٌ، لم يُسَوِّلْه له أحَدٌ [812] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/103)، ((تفسير أبي حيان)) (9/171)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/294)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/378). .