موسوعة التفسير

سُورَةُ آل عِمْرانَ
الآيات: (64- 68)

ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ

غريبُ الكَلِماتِ:


سَوَاءٍ: أي: عدْل، ونَصَفة، وسواءُ كلِّ شيءٍ: وَسَطُه، وأصله: الاستقامةٍ والاعتدال يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 106)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 281)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/112). .
حَنِيفًا: أي: مُستقيمًا، أو مائلًا إلى الدِّين المُستقيم، والحَنَفُ: مَيلٌ عن الضَّلال إلى الاستقامة، وأصْله: ميلٌ في إبهامَي القَدمين، كلُّ واحدةٍ على صاحبتِها، والأحنف: مَن في رِجْلِه مَيلٌ؛ قيل: سُمِّي بذلك على التَّفاؤل يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/591)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 184)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/110)، ((المفردات)) للراغب (ص: 260)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 291)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 96). .
مُشكِلُ الإعرابِ:
قوله: هَا أَنْتُمْ هَؤلاءِ حَاجَجْتُمْ...:
هَا: للتَّنبيهِ، وقيل: هي بَدلٌ من همزةِ الاستفهام. وأَنْتُمْ: في محلِّ رفْع مبتدأ. وهَؤلاءِ: في محلِّ رفْع خبَر، وعلى هذا فجملةُ حَاجَجْتُمْ في محلِّ نصْب حال بتقديرِ (قد)، والعاملُ في الحالِ اسمُ الإِشارةِ؛ لِمَا فيه مِن معنى الفِعْل، وهي حالٌ منه ليتَّحِدَ ذو الحالِ وعامِلُها. وقيل: إنَّ هَؤُلاءِ خبرٌ لكِن على تقديرِ حذْفٍ مضاف، تقديرُه: ها أنتم مِثلُ هؤلاءِ، وجملة حَاجَجْتُمْ في محلِّ نصْب حال أيضًا، لكن العامِل في الحالِ معنى التشبيه، ويلزَمُ منه الإِشارةُ إلى غائبين؛ لأنَّ المرادَ بهم أسلافُهم على هذا، وقد يُقال: إنه نَزَّل الغائِبُ مَنْزِلَةَ الحاضرِ. وقيل: إنَّ جملة حَاجَجْتُمْ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ للجملةِ قبلها، أي: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى، وبيانُ حماقِتكم وقلةِ عقولكم أنَّكم جادلتم فيما لكم به عِلم بما نَطَقَ به التوراة والإِنجيل، فلِمَ تُحاجون فيما ليس لكم به علم؟! وقيل: هَؤُلاءِ في محلِّ نصْبٍ على الاختصاصِ بتقديرِ أعْني أو أخصُّ قال السَّمين الحلبي: (وهذا لا يَجُوز؛ لأنَّ النحويين قد نَصُّوا على أنَّ الاختصاصَ لا يكون بالنكراتِ ولا أسماءِ الإِشارةِ، والمستقرأُ مِنْ لسانِ العرب أنَّ المنصوبَ على الاختصاصِ: إمَّا «أيُّ» نحو: «اللهم اغْفِر لنا أَيَّتُها العِصابةَ» ، أو معرَّفٌ بأل [نحو] : نحنُ العربَ أَقْرى الناس للضيفِ، أو بالإِضافةِ نحو: «نحن معاشِرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ» وقد يَجِيءُ عَلَمًا، وأكثرُ ما يجيء بعد ضمير متكلِّم، وقد يَجيء بعدَ ضميرٍ مخاطَبٍ، كقولِهم «بكَ اللهَ نرجو الفضلَ») ((الدر المصون)) (1/477- 478). ، وقيل: إنَّه منادَى حُذِف منه حرْف النِّداء، والتقديرُ: يا هؤلاءِ وهذا الوجهُ فيه الفصْل بالنِّداء بينَ المبتدأِ وخبرِه، وهذا لا يُجيزه جمهورُ البصريين. ينظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (1/476). ، وخبَرُ أَنْتُمْ حينئذٍ جملةُ حَاجَجْتُمْ. وقيل غيرُ ذلك في توجيهِ هذه الآية الكريمة يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/102- 103، 208)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/86، 269)، ((تفسير القرطبي)) (4/108)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (1/474- 478) و(3/240- 242). .

المَعنَى الإجماليُّ:


يأمُر اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يدعوَ أهلَ الكتابِ إلى كَلمةِ عدل، يستوي فيها الجميعُ، ويَجتمعون عليها، وهي كلمةُ التَّوحيد، وإفرادِ الله بالعبوديَّة، وعدمِ الإشراكِ معه غيرَه، وعدمِ اتِّخاذ أربابٍ يُعبَدون من دون الله، أو يُطاعون في تحليل ما حرَّم اللهُ، أو تحريم ما أحلَّ اللهُ؛ فإنْ أعرضوا فأَشْهِدوهم- أيُّها المؤمنون- أنَّكم مُسلِمون، مستمرُّون على هذا الدَّين الَّذي شرَعه الله وارتضاه لكم.
ثمَّ يُوجِّه اللهُ خِطابَه لأهل الكتاب من اليهود والنَّصارى، حيث يقول لهم: يا أهلَ الكتاب، من اليهود والنَّصارى، لِمَ تُخاصِمون في إبراهيم عليه السَّلام، ويدَّعي كلُّ فريق منكم أنَّه كان يَدينُ بدِينه، وفي حقيقةِ الأمْر أنَّ التَّوراة والإنجيل ما أُنزلت إلَّا بعد موته بزمن، أفلا تعقلون أنَّ ما تقولونه باطل؟!
فها أنتم خاصمتُم فيما تَعلمونه مِن أمْرِ دِينكم، وما جاء ذِكْره في كُتبكم؛ فلماذا الجدالُ والمُماراة فيما لم يَصلِكم عِلمُه من شأنِ إبراهيم الخليل ودِينه الَّذي كان عليه؟! واللهُ قد أحاطَ عِلمُه بكلِّ شيءٍ ممَّا خَفِيَ عنكم علمُه، أمَّا أنتم فلا تعلمون ما يَعلمُه الله.
ثم يُبيِّن الله لهم الحقيقةَ الواضحةَ من أمْر إبراهيم، حيثُ نفَى الله عنه أن يكونَ يهوديًّا أو نَصرانيًّا، بل أَثْبَتَ أنَّه كان حنيفًا مستقيمًا، مُتَّبِعًا لأمْر الله، مُخلِصًا له، كما أنَّه لم يكُن من المشركين، الذين يَعكُفون على عبادةِ الأصنام وغيرِها.
ثمَّ يذكُر اللهُ بعد ذلك الطائفةَ الَّتي هي أحقُّ النَّاس بإبراهيم ووَلايتِه ونُصرتِه، فبيَّن أنَّهم مَن اتَّبع دِينَه، وسلَك طريقَه، ومنهم محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والَّذين آمنوا به من أصحابه ومَنْ بعدَهم، فهؤلاءِ أحقُّ بولايتِه، واللهُ يتولَّى المؤمنين، ويُؤيِّدهم وينصُرهم على مَن عاداهم.

تفسير الآيات:


قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا نَكَصَ أهلُ الكتاب عن المباهلة بعد أنْ أَوْرَدَ عليهم أنواع الحُجج فانقطعوا، فلم تبقَ لهم شُبهةٌ، وقَبِلوا الصَّغارَ والجزية، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حريصًا على هداية الخَلق- أمَره الله تعالى أن يقومَ بتكرير دَعوتهم، وإرشادِهم بطريقٍ أخفَّ ممَّا مضى، بأنْ يُؤْنِسَهم فيما يدعوهم إليه بالمؤاساةِ، فيدعو دُعاءً يشملُ المحاجِّين من النَّصارى وغيرِهم- ممَّن له كتابٌ من اليهود وغيرهم- إلى الكلمةِ الَّتي قامت البراهين على حقيَّتها، ونهضت الدَّلائل على صِدقها، على وجهٍ يتضمَّن نفْيَ ما قد يُتَخَيَّلُ من إرادة التفضُّل عليهم والاختصاصِ بأمرٍ دونهم؛ وذلك أنَّه بدأ بمباشرةِ ما دعاهم إليه، ورَضِيَ لهم ما رَضِيَ لنفْسه، وما اجتمعتْ عليه الكتُبُ، واتَّفقت عليه الرُّسلُ فقال تعالى يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/446- 447). :
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
 أي: قل- يا محمَّدُ- لأهل الكِتابِ من اليهود والنَّصارى: يا أهلَ الكتاب، هَلُمُّوا وأَقْبِلُوا إلى كلمةِ عدْل نستوي- نحن وأنتم- فيها ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/473)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/446)، ((تفسير ابن كثير)) (2/55). وممَّن قال بأنَّ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ تعني: كلمة عدل من السَّلف: ابن عباس، وقتادة، والربيع ((تفسير ابن جرير)) (5/478)، ((الدر المنثور في التفسير بالمأثور)) للسيوطي (2/235)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/670). .
ثمَّ فسَّر هذه الكلمةَ بقوله:
أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ
أي: نوحِّد الله ونُفرِده بالعبادة ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/473)، ((تفسير السعدي)) (ص: 133). .
وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا
أي: لا نُشرِك بالله شيئًا؛ لا نبيًّا، ولا مَلَكًا، ولا وَلِيًّا، ولا صنمًا، ولا وَثَنًا، ولا حيوانًا، ولا جمادًا، ولا غير ذلك يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/56)، ((تفسير السعدي)) (ص: 133). .
فهذه دعوةُ الرُّسل- كما قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] ، وقال أيضًا: وَلقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ.
وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ
 أي: ولا يُنْزِلُ بعضُنا بعضًا منزلةَ الرُّبوبيَّة؛ فيُعبد، أو يُسجَد له، أو يُطاع في تحليل ما حرَّم الله، أو تحليل ما أحلَّ الله ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/474)، ((تفسير ابن كثير)) (2/56)، ((تفسير ابن عطية)) (1/449)، ((تفسير القرطبي)) (4/106)، ((تفسير السعدي)) (ص: 133). .
كما قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة: 31] .
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
 أي: فإنْ أعْرَضوا عن إجابة ما دُعُوا إليه فقولوا- أيُّها المؤمنون- لهؤلاء المعرِضين: اشهدوا أنَّنا مُستمرُّون على الإسلام، منقادون لشريعتِه، مقرُّون بتوحيد الله، مُخلِصون في عبادتِه ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/474، 480)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/447)، ((تفسير ابن كثير)) (2/56)، ((تفسير القرطبي)) (4/107). .
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ
 أي: يا أهلَ الكتاب، من اليَهود والنَّصارى، لِمَ تجادلون وتخاصمون في إبراهيمَ خليلِ الرَّحمن، ويدَّعي كلُّ فريقٍ منكم أنَّه كان منهم ويَدِينُ دِينهم ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/480)، ((تفسير ابن كثير)) (2/57)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/376). .
كما قال تعالى مُبَيِّنًا وجْهَ مُحاجَّتِهم في إبراهيم: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ، وكما قال: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا.
ثمَّ يُقِيمُ الحُجَّة الداحِضة لدعواهم، والدَّليل المبطِل لقولهم، فيقول:
وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ
 أي: كيف تَدَّعُونَ- أيُّها اليهود- أنَّه كان يهوديًّا، وأيُّها النَّصارى- أنَّه كان نصرانيًّا، وما أُنْزِلَت التَّوراة ولا الإنجيل إلَّا بعد موته بزمن. واليهوديَّةُ ما حَدَثَتْ إلَّا بعد نزول التَّوراة، ولا حدَثت النصرانيَّة إلَّا بعد نزول الإنجيل؟! ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/480)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/447)، ((تفسير ابن كثير)) (2/57). .
ولَمَّا كان الدَّليل عقليًّا، قال الله مُوَبِّخًا لهم يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/450). :
أَفَلَا تَعْقِلُونَ
 أي: أفلا تَعقِلون بُطْلانَ قولَكم؟! فلو عَقَلتم ما تقولون، لم تقولوا ذلك يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (4/107)، ((تفسير السعدي)) (ص: 134)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/378). ويُنظر:((تفسير ابن جرير)) (5/483). .
هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
 أي: ها أنتُم- يا هؤلاء- جادلتُم وخاصَمتُم فيما لكم به عِلمٌ من أمْر دِينكم ممَّا وجدتموه في كُتُبكم ينظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/448)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/382). يُنظر:((تفسير ابن جرير)) (5/483). .
فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
 أي: فلِمَ تُجادلون وتُخاصِمون في الَّذي لا عِلمَ لكم به من أمْر إبراهيم وما كان عليه مِن الدِّين ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/483)، ((تفسير ابن كثير)) (2/58)، ((تفسير القرطبي)) (4/108)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/383). ؟!
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
 أي: واللهُ يعلمُ ما غاب عنكم، ولم يَأتِكم عِلمُه عن طريقِ رُسله من أمْر إبراهيم عليه السَّلام وغيره من الأمور، وأنتُم لا تعلمونَ ما يَعلمُه اللهُ مِن هذا وغيرِه ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/484)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/383). .
كما قال تعالى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ.
ثم يُقرِّر الله تعالى ما كان عليه إبراهيمُ عليه السَّلام من الدِّين، فيقول:
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا
 أي: لم يكُن إبراهيمُ عليه السَّلام يَهوديًّا على ملَّة اليهود، ولا نصرانيًّا على ملَّة النَّصارى ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/485)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/385). .
وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا
أي: ولكن كان إبراهيمُ عليه السَّلام مستقيمًا، مُتَّبِعًا لأمْر الله، مُخْلِصًا له، قد خشَع لله قلبُه، وانقادتْ له جوارحُه، والتزم بأحكامِه ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/485)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية 28/32). .
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
 أي: لم يكُن إبراهيمُ عليه السَّلام من المشركين، الَّذين يَعبُدون غيرَ الله من الأصنام وغيرها ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/485). .
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
 أي: إنَّ أحقَّ النَّاسِ بإبراهيمَ وولايتِه ونُصرتِه وأقربَهم إليه، هم الَّذين اتَّبعوه على دِينِه وملَّته، وسلَكوا طريقَه ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/487)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/448)، ((تفسير ابن كثير)) (2/58)، ((تفسير القرطبي)) (4/109). .
وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا
 أي: ومحمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والَّذين آمنوا به من أصحابه ومَنْ بعدَهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/487)، ((تفسير ابن كثير)) (2/58)، ((تفسير السعدي)) (ص: 134). .
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
أي: والله ناصرُ المؤمنين، ومُعِينُهم ومؤيِّدهم ينظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/449)، ((تفسير ابن كثير)) (2/58)، ((تفسير السعدي)) (ص: 134)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/393). .

الفوائد التربوية :


1- يُؤخَذ من قوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أنَّه ينبغي للمسلم أن يَعتزَّ بدِينه، وأن يُعلنه ويُشْهِرَه، خِلافًا لضعفاء الشَّخصية، الَّذين يتستَّرون بدِينهم مخافةَ أن يُعَيِّرَهم النَّاسُ به يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/375). .
2- في قوله تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ، عُلِّقَت الولايةُ بالإيمان، والحُكم المُعَلَّقُ بوصف يَزدادُ قوَّةً بقوَّة هذا الوصف فيه، وعليه فكلَّما كان الإنسانُ أقوى وأكمل إيمانًا، كانت ولايةُ الله له أتمَّ وأخصَّ وأكملَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/395). .

الفَوائدُ العِلميَّةُ واللَّطائِف:


1- إذا صدَّر اللهُ تعالى الشَّيء بـقُلْ الموَجَّه للرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فإنَّه يَقتضي زيادةَ العناية به؛ لأنَّه أُمِرَ بأنْ يُبلِّغَ هذا الشيءَ بخصوصِه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/369). .
2- الكلمة تُطْلَقُ على الجملة المفيدة كما في قوله: إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ، ثمَّ قال: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا... ينظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/55). .
3- في قوله: سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، تنازلٌ مع الخَصْم لإلزامه بالحقِّ، فمعلومٌ أنَّ الحقَّ مع الرَّسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، لكن من أجل إلزام الخَصْم وإقامة الحجة عليه تنازل معه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/369). .
4- يُؤخَذ من قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أنَّه يجبُ العدلُ في المناظرة حتَّى مع العدوِّ الكافر، وإذا كان هذا واجبًا في مناظرةِ المسلمين مع الكفَّار، فهو في مناظرةِ المسلمين بعضِهم مع بعضٍ أوجبُ وأَوكَد يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/370)، ((تفسير السعدي)) (ص: 133). .
5- في قوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ذَكَر ثلاثةَ أشياء: أولها: ألَّا نعبُد إلَّا الله. وثانيها: ألَّا نُشركَ به شيئًا. وثالثها: ألَّا يتَّخِذ بعضُنا بعضًا أربابًا من دون اللهِ، وإنَّما ذَكَر هذه الثلاثة؛ لأنَّ النَّصارى جمَعوا بين هذه الثلاثة يُنظر: ((تفسير الرازي)) (8/252)، ويُنظر: ((البحر المحيط في التفسير)) (3/196). .
6- في قوله: بَعْضُنَا بَعْضًا بيانُ أنَّ البعضيَّة تُنافي الإلهيَّة؛ إذ هي تماثُلٌ في البشريَّة، وما كان مِثلَك استحال أن يكون إلهًا يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/196). .
7- في قوله: أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ دليلٌ على بُطلان القول بالاستحسانِ المجرَّد الَّذي لا يَستنِد إلى دليلٍ شرعيٍّ، وبُطلانِ القولِ بوجوب قَبُول قولِ الإمام دون إبانةِ مُستنَدٍ شرعي، كما ذهَب إليه الرَّوافض يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/196)، ((تفسير القرطبي)) (4/106). .
8- لَمَّا كان التَّوجُّهُ إلى غيرِ الله خِلافَ ما تدْعو إليه الفِطرة الأولى، عبَّر بصيغة الافتعال فقال: وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/447). .
9- في قوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ أنَّ الحكم بين النَّاس والعبادة مُقتَرِنان؛ لأنَّ الله قَرَنَ بينهما، ولأنَّك لن تعبُدَ الله إلَّا بشريعتِه، إذنْ يلزم أنْ يكون المشرِّعُ هو المعبودَ، ولا ينبغي لأحد أن يُشَرِّعَ من دونه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/373). .
10- الإشهادُ في قوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ للتَّسجيل عليهم؛ لئلَّا يُظهروا إعراضَ المسلمين عن الاسترسالِ في مُحاجَّتهم في صورةِ العجزِ والتَّسليم بأحقيَّة ما عليه أهلُ الكتاب يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/269). .
11- إشهادُ الخَصم على الحال الَّتي يكون عليها خَصمُه؛ لِمَا في ذلك من الغضاضةِ عليه، وكسْر جَبروته، وعدمِ انقيادِه للحقِّ، كما في قوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/375). .
12- الحثُّ على تعلُّم عِلم التاريخ، وأنَّه طريق لردِّ كثير من الأقوال الباطلة والدَّعاوى الَّتي تخالف ما عُلِمَ من التاريخ، كما جاءت الإشارة في قوله: وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيلُ إلَّا مِنْ بَعْدِهِ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 134). .
13- في قوله: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، بيانٌ للاحتجاج بالعقل؛ وإشادةٌ به وأنَّه لا ينبغي إهمالُ العقل في الاستدلال، وأنَّه لا يَحْمِلُ صاحبَه إلَّا على السَّداد والصَّواب، لكن لا ينبغي الاعتمادُ عليه بالكلِّيَّة وترْكُ النَّصِّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/378، 381). .
14- في قوله: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ...: تنزُّلٌ مع الخصم، يعني: لو فرضْنا أنَّ المحاجَّة قُبِلَتْ منكم فيما لكم به علمٌ، فإنَّها لا تُقْبَلُ منكم فيما ليس لكم به علمٌ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/383). .
15- إقرارُ الإنسان على المحاجَّة بالعِلم، ولكن بشَرْط أنْ يكون قصْدُه حسنًا، بحيث يُريدُ من المجادلة ِالوصولَ إلى الحقِّ، فيُثبت الحقَّ، ويُبطِل الباطلَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/384). .
16- في الآية دليلٌ على أنَّ الأولويات تختلف، أي: إنَّ النَّاس يتفاضلون بالأولويَّة والولاية؛ لقوله: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ، وأَوْلَى اسم تفضيل يدلُّ على المفضَّل والمفضَّل عليه، ولا شكَّ أنَّ الولاية درجات يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/394). .
17- عطف النَّبِيُّ على الَّذين اتَّبعوا إبراهيم؛ للاهتمامِ به وتعظيمِه، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ متابعتَه إبراهيمَ عليه السَّلام ليستْ متابعةً عامَّة؛ فكونُ الإسلامِ من الحنيفيَّة يعني أنَّه موافقٌ لها في أصولها يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (4/109)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/277). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى:  أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ الأفعالُ الدَّاخلُ عليها أداةُ النَّفي (أَلَّا نَعْبُدَ - وَلَا نُشْرِكَ - وَلَا يَتَّخِذَ...) مُتقارِبةٌ في المعنى، يُؤكِّد بعضُها بعضًا؛ إذ اختصاصُ الله بالعبادة يتضمَّن نفْيَ الاشتراك، ونفْيَ اتخاذِ الأربابِ من دون الله، ولكن الموضِع مَوضِعُ تأكيدٍ وإسهابٍ ونشْرِ كلام يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/196). .
- وقوله: ألَّا نَعبُدَ إلَّا اللهَ مِنْ دُونِ اللَّهِ: فيه تَكرار اسم الله تعالى يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/204). ، وإظهاره في موضِع الإضمار؛ لتربية المهابة، ولتأكيد معنى الألوهيَّة.
2- قوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ عبَّر عن العِلم بالشَّهادة؛ وذلك على سبيلِ المبالغة، إذ خرَج ذلك من حيِّز المعقول إلى حَيِّز المشهود، وهو المحضَر في الحسِّ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/196). .
3- قوله سبحانه: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ، مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ..، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ: فيه تكرارٌ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/204). ؛ حيث تكرَّر اسم الخليل إبراهيم عليه السَّلام ثلاثَ مرَّات في ثلاث آيات؛ للتشريفِ وللتنويهِ بشأنِه، ولإظهارِ علوِّ مقامِه.
4- قوله تعالى: فَلِمَ تُحَاجُّونَ: استفهامٌ مقصودٌ منه التنبيهُ على الغَلَط يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/272). .
5- قوله: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا:
- فيه مناسبةٌ حسَنةٌ، حيثُ بدأ بالنَّفي قبلَ الإثبات؛ للإشارة إلى (التخلية قبل التحلية)، وهو ترتيبٌ موافِق للطبيعة؛ لأنَّك تُخْلِي الشيءَ ممَّا يَشِينُه أوَّلًا، ثمَّ تضيفُ ما يكون به الكمالُ ثانيًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/386). .
- وبدأ بنَفْي اليهوديَّة قبل النصرانيَّة في قوله: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا؛ لأنَّ شريعةَ اليهود أقدمُ من شريعة النَّصارى، وكرَّر لَا، لتأكيدِ النَّفي عن كلِّ واحدٍ من الدِّينَيْنِ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/201). .
- ووقعتْ لَكِنْ في قوله: وَلَكِنْ كَانَ حنيفًا مسلمًا في أحسنِ موقعِها؛ إذ هي واقعةٌ بين النَّقيضينِ بالنِّسبة إلى اعتقادِ الحقِّ والباطل يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/201). ، وأفادَ الاستدراكُ بعدَ نفْي الضِّدِّ حَصْرًا لحالِ إبراهيمَ فيما يوافق أصولَ الإسلام؛ ولذلك بَيَّن حنيفًا بقوله: مُسْلِمًا؛ لأنَّهم يَعرِفون معنى الحنيفيَّة ولا يُؤمنون بالإسلام؛ فأَعْلَمَهم أنَّ الإسلامَ هو الحنيفيَّة يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/275). .
6- قوله تعالى: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا: فيه استدراكٌ بعد نفْي الضدِّ؛ حصرًا لحال إبراهيمَ فيما يُوافِق أصولَ الإسلام؛ ولذلك بيَّن حَنِيفًا بقوله: مُسْلِمًا؛ لأنَّهم يَعرِفون معنى الحنيفيَّة، ولا يُؤمنون بالإسلامِ، فأعْلمَهم أنَّ الإسلام هو الحنيفيَّة يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/275- 276)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/453). .
- وفيه: قصْرٌ إضافيٌّ بالنسبةِ لليهوديَّة والنصرانيَّة، حيث كان العربُ يَزعُمون أنَّهم على ملَّةِ إبراهيم، لكنَّهم مشركون يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/275- 276)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (4/453). .
7- قوله تعالى: وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ: فيه تعريضٌ بأنَّهم مشركون بقولهم: عزيرٌ ابنُ اللهِ، والمَسِيحُ ابنُ اللهِ، وردٌّ لادِّعاء المشركين أنَّهم على ملَّةِ إبراهيمَ عليه الصَّلاة والسَّلام. وخصَّ بالنَّفْي مَن عُرفوا بالشِّرِك مع الصلاحِ لكلِّ مَن داخَلَه شِرْكٌ من غيرهم كمَن أشركَ بعُزيرٍ والمسيحِ عليهما الصَّلاة والسَّلام، فقال: وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/48)، ((تفسير الرازي)) (7/254)، ((تفسير البيضاوي)) (2/22)، ((تفسير القاسمي)) (2/333). .
8- قوله: وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ: تذييلٌ، أي: هؤلاء هم أَوْلى الناس بإبراهيم، والله وليُّ إبراهيم، والذين اتَّبعوه، وهذا النبيُّ والذين آمنوا؛ لأنَّ التذييلَ يشمل المذيَّل قطعًا، ثم يشمل غيرَه تكميلًا، كالعامِّ على سببٍ خاصٍّ   يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/278). .
- وفي قوله: واللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ بعد قوله: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا: تعريضٌ بأنَّ الذين لم يكُن إبراهيمُ منهم ليسوا بمؤمنين   يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/278). .