موسوعة التفسير

سورةُ الحِجْرِ
الآيات (51-60)

ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ

غريب الكلمات:


وَجِلُونَ: أي: خائِفونَ، وأصلُ الوجَلِ: يدلُّ على استشعارِ الخَوفِ [348] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/82)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 481)، ((المفردات)) للراغب (ص: 855)، ((تفسير القرطبي)) (10/35)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 257). .
الْقَانِطِينَ: أَي: اليائِسينَ، والقُنُوطُ: اليأسُ مِن الخيرِ، وأصلُ (قنط) يدُلُّ عَلَى اليأْسِ مِنَ الشَّيءِ [349]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 238)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 376)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/32)، ((المفردات)) للراغب (ص: 685)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 206). .
خَطْبُكُمْ: أي: شَأنُكم وأمْرُكم الذي جِئتُم له، والخَطْبُ: الأمرُ العَظيمُ الذي يَكثُرُ فيه التَّخاطُبُ،  ولا يَكادُ يُقالُ (الخَطبُ) إلَّا في الأمرِ الشَّديدِ، وأصل: (خطب): يدُلُّ على الكَلامِ بين اثنَينِ [350] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/198)، ((الغريبين)) للهروي (2/568)، ((البسيط)) للواحدي (12/621)، ((المفردات)) للراغب (ص: 286)، ((تفسير أبي حيان)) (6/486). .
الْغَابِرِينَ: أي: الباقينَ في العذابِ، والغابرُ مِن الأضدادِ [351] قال ابن عطية: (والغابرُ الباقي في الدهرِ وغيرِه، وقالت فرقةٌ- منهم النحاسُ-: هو مِن الأضدادِ، يُقالُ في الماضي وفي الباقي، وأمَّا في هذه الآيةِ فهي للبقاءِ، أي: مِن الغابرينَ في العذابِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/367). ، يُراد به الباقي والماضي، وأصلُ (غبر): يدلُّ على البقاءِ [352]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 170)، ((تفسير ابن جرير)) (10/308)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 350)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/408)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 113) ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 167). .

مشكل الإعراب:


قولُه تعالى: قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
وَمَنْ يَقْنَطُ: (مَنْ) اسمُ استفهامٍ بمعنى الإنكارِ، فهو نفيٌ في المعنى؛ ولذلك جاءت بعدَه (إلَّا) التي للإيجابِ، ومحلُّه الرَّفعُ على الابتداءِ، و (يَقْنَطُ) فعلٌ وفاعلُه ضميرٌ يعودُ على (مَنْ) والجملةُ خبَرٌ. الضَّالُّونَ بدلٌ من الضَّميرِ في (يَقنَطُ) وهو المُختارُ؛ لأنَّ الكلامَ غيرُ مُوجَبٍ [353] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/785)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/166)، وانظر أيضًا (3/396-397)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (14/253). .

المعنى الإجمالي:


يقول تعالى: وأخبِرْ- يا محمَّدُ- عبادي عن ضيوفِ إبراهيمَ- عليه السلام- مِن الملائكةِ، حين دخَلوا عليه فقالوا: سَلامًا، فرَدَّ عليهم السَّلامَ، ثمَّ قدَّمَ لهم الطَّعامَ فلم يأكُلوا، فقال: إنَّا مِنكم خائِفون. قالت الملائِكةُ له: لا تخَفْ؛ إنَّا نبَشِّرُك بولَدٍ كثيرِ العِلمِ بالدِّينِ، قال إبراهيمُ متعجِّبًا: أبشَّرتُموني بالولَدِ وأنا كبيرٌ، فبأيِّ شَيءٍ عَجيبٍ تُبشِّرونَني؟! قالوا: بشَّرْناك بالحَقِّ الذي أعلَمَنا اللهُ به، فلا تكُنْ مِن اليائسينَ. قال: لا يَيئَسُ مِن رَحمةِ رَبِّه إلَّا الضَّالُّونَ. قال: فما الأمرُ الخطيرُ الذي جِئتُم من أجْلِه أيُّها المُرسَلونَ؟ قالوا: إنَّ اللهَ أرسَلَنا لإهلاكِ قَومِ لُوطٍ المُشركينَ إلَّا لُوطًا وأهلَه المؤمنينَ به، فلن نُهلِكَهم، وسنُنَجِّيهم أجمعينَ إلَّا امرأتَه الكافِرةَ، قَضَينا أنَّها مِن المهلكينَ الباقينَ في العذابِ.

تفسير الآيات:


وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا بالغَ في تقريرِ أمْرِ النبُوَّةِ، ثمَّ أردَفَه بذِكرِ دلائِلِ التَّوحيدِ، ثمَّ ذكَرَ عَقيبَه أحوالَ القيامةِ، وصِفةَ الأشقياءِ والسُّعَداءِ- أتبَعَه بذِكرِ قَصَصِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ؛ ليكونَ سَماعُها مُرَغِّبًا في الطاعةِ الموجِبةِ للفَوزِ بدَرَجاتِ الأنبياءِ، ومُحَذِّرًا عن المعصيةِ لاستحقاقِ دَرَكاتِ الأشقياءِ، فبدأ أوَّلًا بقِصَّةِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ [354] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/150). .
وأيضا لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى ما أعَدَّ للعاصِينَ مِن النَّارِ، وللطَّائِعينَ مِن الجنَّة- ذكَّرَ العرَبَ بأحوالِ مَن يَعرِفونَه ممَّن عصى وكذَّبَ الرُّسُلَ، فحَلَّ به عذابُ الدُّنيا قبلَ عذابِ الآخرةِ؛ ليزدَجِروا عن كُفرِهم، ولِيَعتَبِروا بما حَلَّ بغَيرِهم، فبدأ بذِكرِ جَدِّهم الأعلى إبراهيمَ عليه السَّلامُ، وما جرى لقَومِ ابنِ أخيه لوطٍ عليه السَّلامُ [355] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/484). .
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51).
أي: وأخبِرْ عبادي- يا مُحمَّدُ- عن قِصَّةِ الملائكةِ؛ ضُيوفِ إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فإنَّ في قَصِّك عليهم ذلك ما يُوجِبُ لهم العِبرةَ [356] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/82)، ((تفسير القرطبي)) (10/35)، ((تفسير ابن كثير)) (4/540)، ((تفسير السعدي)) (ص: 432)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/279).  .
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52).
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا.
أي: حينَ دخَلَ الملائِكةُ على إبراهيمَ، فقالوا له عَقِبَ دُخولِهم: نسلِّمُ عليك سَلامًا [357] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/82)، ((تفسير البيضاوي)) (3/213)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/65). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [هود: 69].
قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ.
أي: قال لهم إبراهيمُ بعدَ أن ردَّ عليهم السَّلامَ: إنَّا منكم خائِفونَ [358] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/82)، ((تفسير ابن كثير)) (4/540)، ((تفسير السعدي)) (ص: 432)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/58)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/280). وقال الشِّنقيطيُّ: (لم يُبيِّنْ تعالى في هذه الآيةِ الكريمةِ هل ردَّ إبراهيمُ السَّلامَ على الملائكةِ أو لا؛ لأنَّه لم يذكُرْ هنا رَدَّه السَّلامَ عليهم، وإنَّما قال عنه إنَّه قال لهم: إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، وبيَّنَ في هودٍ والذَّارياتِ أنَّه ردَّ عليهم السَّلامَ، بقَولِه في هودٍ: قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [هود: 69]، وقَولِه في الذَّاريات: سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: 25- 26]. وبيَّنَ أنَّ الوجَلَ المذكورَ هنا هو الخَوفُ؛ لِقَولِه في القِصَّةِ بعَينِها في هودٍ: وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ [هود: 70]، وقَولِه في الذاريات: فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ [الذاريات: 28]... وبيَّنَ أنَّ سبَبَ خَوفِه هو عدَمُ أكلِهم، بقَولِه: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود: 70]). ((أضواء البيان)) (2/280). .
كما قال تعالى: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [الذاريات: 25 - 28].
قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53).
قَالُوا لَا تَوْجَلْ.
أي: قالت الملائكةُ لإبراهيمَ: لا تخَفْ منَّا [359] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/83)، ((تفسير السمرقندي)) (2/258)، ((تفسير القرطبي)) (10/35). .
كما قال تعالى: فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ [الذاريات: 28].
ثمَّ عَلَّلوا ذلك بقَولِهم مؤكِّدينَ لِقَلعِ ما في نفسِه من الوجَلِ المُنافي للبُشرى [360] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/66). :
إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ.
أي: إنَّا نبشِّرُك بمولودٍ لك غَزيرِ العِلمِ بالشَّريعةِ الإلهيَّةِ [361] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/35)، ((تفسير ابن كثير)) (4/540)، ((تفسير السعدي)) (ص: 432)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/58)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/280). .
كما قال تعالى: وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الذاريات: 28-30].
وقال سبحانه: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود: 71].
وقال تعالى: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: 112].
قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54).
قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ.
أي: قال إبراهيمُ للملائكةِ مُتعَجِّبًا: أبشَّرتُموني بولدٍ مع كِبَرِ سِنِّي [362] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/83)، ((تفسير ابن كثير)) (4/541)، ((تفسير السعدي)) (ص: 432)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/59). ؟!
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ.
أي: فبأيِّ شَيءٍ عَجيبٍ تُبشِّرونَني؟! فإنَّ البِشارةَ بما لا يُتصوَّرُ وقوعُه عادةً لا تصِحُّ [363] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/83)، ((تفسير الزمخشري)) (2/581)، ((تفسير الشوكاني)) (3/162)، ((تفسير السعدي)) (ص: 432)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/59). .
قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55).
قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ.
أي: قالت الملائكةُ لإبراهيمَ: بشَّرْناك بولَدٍ قد قضى اللهُ أنَّه كائِنٌ بلا شَكٍّ [364] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/84)، (تفسير ابن الجوزي)) (2/537)، ((تفسير القرطبي)) (10/35)، ((تفسير السعدي)) (ص: 432)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/59). قال الشنقيطي: (الظاهِرُ أنَّ استفهامَ نبيِّ الله إبراهيم- عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ- للملائكةِ بقولِه: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ استفهامُ تعجُّبٍ مِن كمالِ قدرةِ الله تعالى، ويدلُّ لذلك أنَّه تعالى ذكرَ أنَّ ما وقَع له وقَع نظيرُه لامرأتِه؛ حيث قالت: أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ  [هود: 72]، وقد بيَّنَ تعالى أنَّ ذلك الاستفهامَ لعجَبِها مِن ذلك الأمرِ الخارقِ للعادةِ في قولِه: قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّه الآية [هود: 73]، ويدلُّ له أيضًا وقوعُ مثلِه من نبي الله زكريا- عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ- لأنَّه لَمَّا قال: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: 38]، وقوله: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى [آل عمران: 39]؛ عَجِبَ من كمال قدرة الله تعالى، فقال: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ الآية [آل عمران: 40]). ((أضواء البيان)) (2/281-281). .
فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ.
أي: فلا تكُنْ- يا إبراهيمُ- من اليائسينَ مِن فَضلِ اللهِ، الذين يستبعِدونَ وُجودَ الخيرِ، ولكِنْ أبشِرْ بالولَدِ مع الكِبَر، واقبَلِ البُشرى بذلك [365] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/84)، ((تفسير القرطبي)) (10/35، 36)، ((تفسير السعدي)) (ص: 432). .
قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56).
أي: قال إبراهيمُ: ومَن ييئَسُ مِن رَحمةِ اللهِ إلَّا الذَّاهِبونَ عن طريقِ الصَّوابِ، الجاهِلونَ بكَمالِ قُدرةِ ورَحمةِ اللهِ الوهَّابِ [366] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/85)، ((تفسير القرطبي)) (10/36)، ((تفسير ابن كثير)) (4/541)، ((تفسير السعدي)) (ص: 432). قال الخازن: (إبراهيمُ عليه السَّلام لم يكنْ مِن القانطينَ، ولكنَّه استبعَد حصولَ الولدِ على الكِبَر، فظَنَّت الملائكةُ أنَّ به قنوطًا، فنفى ذلك عن نفسِه، وأخبَرَ أنَّ القانطَ مِن رحمة الله تعالى من الضالِّينَ؛ لأنَّ القُنوطَ مِن رحمة الله كبيرةٌ، كالأمنِ مِن مكرِ الله، ولا يحصُلُ إلَّا عند من يجهَلُ كونَ الله تعالى قادرًا على ما يريد، ومن يجهَلُ كونَه سبحانه وتعالى عالِمًا بجميعِ المعلومات، فكلُّ هذه الأمور سببٌ للضَّلالة). ((تفسير الخازن)) (3/59). ويُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/47). .
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لـمَّا تحقَّقَ إبراهيمُ عليه السلامُ البُشرَى، ورأَى إتيانَهم مُجتَمِعينَ على غيرِ الصِّفةِ التي يأتي عليها المَلَكُ للوحيِ، وكان يعلمُ بأنَّه ما تَنزِلُ الملائِكةُ إلَّا بالحَقِّ- كان ذلك سببًا لِأن يسألَهم عن أمرِهم؛ لِيَزولَ وَجَلُه كُلُّه [367] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/67). .
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57).
أي: قال إبراهيمُ للملائكةِ: فما شأنُكم الخطيرُ الذي أرسَلَكم اللهُ به سِوى البِشارةِ [368] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/86)، ((تفسير القرطبي)) (10/36)، ((تفسير ابن كثير)) (4/541)، ((تفسير الألوسي)) (7/306)، ((تفسير السعدي)) (ص: 433).  ؟!
قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58).
أي: قالت الملائكةُ لإبراهيمَ: إنَّا أرسَلَنا اللهُ إلى قومٍ كافرينَ كَثُرَ فسادُهم، وعظُمَ خَبَثُهم؛ لنُهلِكَهم [369] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/86)، ((تفسير القرطبي)) (10/36)، ((تفسير ابن كثير)) (4/541)، ((تفسير السعدي)) (ص: 433)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/61).    .
إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59).
أي: لكنَّ [370] الاستثناءُ هنا منقطعٌ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/537)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/61). قال أبو حيَّان: (يحتمِلُ أن يكونَ استثناءً مِن الضميرِ المستكِنِّ في مُجْرِمِينَ، والتقديرُ: أجرموا كُلُّهم إلا آلَ لوطٍ، فيكونُ استثناءً متَّصلًا، والمعنى: إلَّا آلَ لوطٍ فإنَّهم لم يُجرِموا. ويكونُ قولُه: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ استئنافَ إخبارٍ عن نجاتِهم؛ وذلك لكونِهم لم يُجرِموا، ويكونُ حُكمُ الإرسالِ منسحبًا على قَوْمٍ مُجْرِمِينَ وعلى آلَ لُوطٍ؛ لإهلاكِ هؤلاء، وإنجاءِ هؤلاء، والظاهِرُ أنَّه استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنَّ آلَ لُوطٍ لم يندرِجْ في قولِه: قَوْمٍ مُجْرِمِينَ). ((تفسير أبي حيان)) (6/486). ويُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/162).   لوطًا وأهلَه، لن نُهلِكَهم، وسنُخَلِّصُهم جميعًا من العذابِ [371] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/86)، ((تفسير القرطبي)) (10/36)، ((تفسير ابن كثير)) (4/541)، ((تفسير السعدي)) (ص: 433)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/61).    .
كما قال تعالى حاكيًا محاورةَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ مع الملائكةِ عليهم السَّلامُ: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: 31-36].
إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60).
أي: إلَّا [372] الاستثناءُ هنا متصلٌ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/61). امرأةَ لُوطٍ، قَضَينا أنَّها مِن المُهلَكينَ الباقينَ في العذابِ؛ لكُفرِها [373] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/86)، ((تفسير القرطبي)) (10/36-37)، ((تفسير ابن كثير)) (4/541)، ((تفسير السعدي)) (ص: 433). .
كما قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [العنكبوت: 31- 32].

الفوائد التربوية:


 مَن أنعمَ الله عليه بالهدايةِ والعِلمِ العظيمِ، فلا سبيلَ للقُنوطِ إليه؛ لأنَّه يعرِفُ مِن كثرةِ الأسبابِ والوسائلِ والطُّرُقِ لرحمةِ الله شيئًا كثيرًا، قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ الذين لا عِلمَ لهم برَبِّهم، وكمالِ اقتدارِه [374] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:432). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ هذه القِصَّةُ فيها إثباتُ الملائكةِ، وأنَّهم أحياءٌ، ناطِقونَ، مُنفَصِلونَ عن الآدميِّينَ، وقد تواتَرَ في الكتُبِ الإلهيَّةِ والأحاديثِ النبويَّةِ أنَّ الملائِكةَ تتصَوَّرُ بصورةِ البشَرِ، ويُرَونَ في تلك الصورةِ، فيُخاطبُهم ويراهم في هذه الصُوَرِة الأنبياءُ وغيرُ الأنبياءِ، كما أخبَرَ الله عن ضيفِ إبراهيمَ، ورؤيةِ سارَةَ امرأةِ الخليلِ عليه السَّلامُ لهم، وكما كان الصَّحابةُ يَرَون جبريلَ إذا جاء، ومن ذلك رؤيتُهم له لما جاء في صورةِ أعرابيٍّ [375] يُنظر ما أخرجه البخاري (4777)، ومسلم (9) مِن حديثِ أبي هريرةَ. وما أخرجه مسلم (8) مِن حديثِ عمرَ بنِ الخطَّابِ. ، وفي صورةِ دِحْيةَ [376]  يُنظر ما أخرجه البخاري (3633)، ومسلم (2451) من حديث أم سلمة. الكلبيِّ [377] يُنظر: ((الصفدية)) لابن تيمية (1/196)، ((الرد على المنطقيين)) لابن تيمية (ص: 470). .
2- قولُ الله تعالى: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ فيه سؤالٌ: كيف سمَّاهم ضيفًا مع امتناعِهم عن الأكلِ؟
الجوابُ من وجهينِ:
الوجه الأول: لَمَّا ظَنَّ إبراهيمُ أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلَبِ الضيافةِ، جاز تسميتُهم بذلك.
الوجه الثاني: أنَّ مَن يدخُل دارَ الإنسانِ ويلتجِئ إليه، يُسمَّى ضيفًا وإن لم يأكُلْ [378] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/150). .
3- يُستحَبُّ بِشارةُ مَن وُلِدَ له ولَدٌ؛ قال الله تعالى عن الملائكةِ: قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [379] يُنظر: ((تحفة المودود بأحكام المولود)) لابن القيم (ص: 27). .
4- القُنوطُ مِن رحمةِ الله لا يجوزُ؛ لأنَّه سوءُ ظَنٍّ باللهِ عزَّ وجَلَّ، وذلك مِن وَجهينِ:
الأولُ: أنَّه طَعنٌ في قُدرتِه سُبحانَه؛ لأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ الله على كلِّ شَيءٍ قَديرٌ لم يَستبعِدْ شيئًا على قدرةِ اللهِ.
الثاني: أنَّه طَعنٌ في رحمتِه سُبحانَه؛ لأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ اللهَ رَحيمٌ لا يَستبعِدُ أن يرحَمَه اللهُ سُبحانَه؛ ولهذا كان القانِطُ مِن رحمةِ اللهِ ضالًّا؛ قال تعالى: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [380] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (10/682). .
5- قَولُ الله تعالى: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ استُدِلَّ به على أنَّ القُنوطَ مِن الكبائرِ [381] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:160). .
6- قَولُ الله تعالى: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ فيه إشارةٌ إلى أنَّ هِبةَ الولدِ على الكِبَرِ مِن رَحمةِ الله؛ إذ يشدُّ عضُدَ والدِه به، ويؤازِرُه حالةَ كَونِه لا يستقِلُّ، ويَرِثُ منه عِلمَه ودينَه [382] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/486). .
7- في قَولِه تعالى عن الملائكةِ: قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ دَلالةٌ على أنَّ لفظَ آلِ فلانٍ في الكتابِ والسُّنَّةِ يدخلُ فيه ذلك الشَّخصُ [383] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (2/281). .
8- في قولِه تعالى عن الملائكةِ: قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ دَلالةٌ على أنَّ امرأةَ الرجلِ مِن آلِه [384] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (2/205). .
9- قَولُ الله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ فيه دليلٌ على أنَّ الاستثناءَ إذا تكَرَّر، فكُلٌّ لِما يليه [385] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:160). .
10- عن النَّخعيِّ قال: (بيني وبين القَدَريَّةِ هذه الآيةُ: إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) [386] أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ، كما في ((الدر المنثور)) للسيوطي (5/88). ويُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 160). .
11- قَولُ الله تعالى: إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ فيه سؤالٌ: لمَ أسنَدَ الملائكةُ فِعلَ التَّقديرِ إلى أنفُسِهم مع أنَّه لله تعالى، ولمَ لمْ يقولوا: قدَّرَ الله تعالى؟
الجوابُ: إنَّما ذكَروا هذه العبارةَ؛ لِما لهم من القُربِ والاختصاصِ بالله تعالى، كما يقولُ خاصَّةُ المَلِك: (دبَّرْنا كذا وأمَرْنا بكذا)، والمدبِّرُ والآمِرُ هو المَلِك لا هم، وإنَّما يريدونَ بذِكرِ هذا الكلامِ إظهارَ ما لهم من الاختصاصِ بذلك المَلِك، فكذا هاهنا، واللهُ أعلم [387] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/153). . وقيل: أسند التَّقديرَ إلى ضَميرِ الملائكةِ؛ لأنَّهم مُزْمِعونَ على سبَبِه، وهو ما وُكِّلوا به مِن تَحذيرِ لُوطٍ عليه السَّلامُ وآلِه مِن الالتفاتِ إلى العَذابِ، وتَرْكِهم تَحذيرَ امرأتِه، حتَّى الْتفتَتْ، فحَلَّ بها ما حَلَّ بقَومِ لُوطٍ [388] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/62). .
12- في هذه القِصَّةِ مِن العِبَر: عنايتُه تعالى بخليلِه إبراهيمَ؛ فإنَّ لوطًا عليه السَّلامُ من أتباعِه، وممَّن آمنَ به، فكأنَّه تلميذٌ له؛ فحين أراد اللهُ إهلاكَ قَومِ لُوطٍ حين استحَقُّوا ذلك، أمَرَ رُسُلَه أن يمُرُّوا على إبراهيمَ عليه السَّلامُ؛ كي يُبشِّروه بالولَدِ ويُخبِروه بما بُعِثوا له، حتى إنَّه جادَلَهم عليه السَّلامُ في إهلاكِهم حتى أقنَعوه، فطابت نَفسُه، قال تعالى: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ .... [389] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 433). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ
- قولُه: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ فيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيث حذَفَ منه قَالَ سَلَامٌ اختصارًا، بينما ذكَرَه في سُورةِ هودٍ، حيث قال: قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [هود: 69]؛ لأنَّ هذِه السُّورةَ مُتأخِّرةٌ، فاكْتَفَى بها عمَّا في هودٍ؛ لأنَّ التَّقديرَ: (فقالوا: سلامًا، قال: سَلامٌ، فما لَبِثَ أنْ جاء بعِجْلٍ حَنِيذٍ، فلمَّا رأى أيدِيَهم لا تصِلُ إليه نَكِرَهم، وأوجَسَ منهم خِيفةً، قال: إنَّا منكم وَجِلونَ)؛ فحُذِفَ للدَّلالةِ عليه [390] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 156)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 298). .
2- قوله تعالى: قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ
- قولُه: قَالُوا لَا تَوْجَلْ إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمً لَا تَوْجَلْ، أي: لا تخَفْ، وبه عُبِّرَ في سُورةِ هودٍ، حيث قال: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ [هود: 70]؛ توسعةً في التَّعبيرِ عنِ الشَّيءِ الواحدِ بمُتساوييْنِ، وخُصَّ ما هنا بالأوَّلِ؛ لمُوافقتِه قولَه: إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، وما في هودٍ بالثَّاني؛ لمُوافقتِه قولَه: خِيفَةً [391] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 298). .
- قولُه: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ استئنافٌ في معنى التَّعليلِ للنَّهيِ عن الوَجَلِ؛ فإنَّ المُبشِّرَ لا يُخَافُ منه؛ أرادوا: إنَّك بمَثابةِ الآمِنِ المُبَشَّرِ، فلا تَوْجَلْ [392] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/580، 581)، ((تفسير البيضاوي)) (3/213)، ((تفسير أبي حيان)) (6/485)، ((تفسير أبي السعود)) (5/81). .
- قولُه: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ، وكذا قال في سُورةِ الذَّارياتِ: قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [الذاريات: 28]، فيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيث ورَدَ في سُورةِ الصَّافاتِ: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [الصافات: 101] خِلاف الوَصفِ بالعلْمِ في السُّورتَينِ، ووَجْهُ ذلك: أنَّ ما في هذه السورةِ، وما في سورةِ الذارياتِ المرادُ به إسحاقُ عليه السلامُ؛ لأنَّ تبشيرَ إبراهيمَ بعلمِه ونبوتِه فيه دلالةٌ على بقائِه إلى كبرِه، وأمَّا ما في سورةِ الصافاتِ فالمرادُ به إسماعيلُ عليه السلامُ، ووُصِف بالحلمِ؛ لما ذكرَ عنه مِن الانقيادِ إلى رُؤيا أبيه، مع ما فيه مِن أمرِّ الأشياءِ على النفسِ، وأكرهِها عندَها، ووعدِها بالصبرِ [393] يُنظر: ((كشف المعانى)) للحموي (ص: 308). ، فوصفُه بالحليمِ مناسبٌ لمقامِه وصبرِه، فلا أحلمَ ممن أسلَم نفسَه للذبحِ طاعةً لربِّه [394] يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/73)، ((البداية والنهاية)) لابن كثير (1/186). .
3- قوله تعالى: قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
- قولُه: قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ الاستفهامُ في أَبَشَّرْتُمُونِي للتَّعجُّبِ، أي: تعجَّبَ مِن بِشارتِه بولدٍ مع أنَّ الكِبَرَ مَسَّه، أو إنكارٌ لأنْ يُبشَّرَ به في مثْلِ هذه الحالةِ، وأكَّدَ هذا التَّعجُّبَ بالاستفهامِ الثَّاني بقولِه: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ؛ فهو أيضًا استفهامُ تعجُّبٍ؛ نزَّلَ الأمْرَ العجيبَ المعلومَ مَنزلةَ الأمْرِ غيرِ المعلومِ؛ لأنَّه يكادُ يكونُ غيرَ معلومٍ، وقد علِمَ إبراهيمُ عليه السَّلامُ مِن البِشارةِ أنَّهم ملائكةٌ صادِقونَ؛ فتعيَّنَ أنَّ الاستفهامَ للتَّعجُّبِ؛ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ مِن أنَّ ما بَشَّروه به أمْرٌ يكادُ أنْ يكونَ مُنْتفيًا وباطلًا؛ فكلامُهم رَدٌّ لكلامِه، وليس جوابًا على استفهامِه؛ لأنَّه استفهامٌ غيرُ حَقيقيٍّ [395] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/213)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/59). . وقيل: قولُه: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ تأكيدُ استبعادٍ وتَعجُّبٍ، وكأنَّه لم يعلَمْ أنَّهم ملائكةٌ؛ رُسُلُ اللهِ إليه؛ فلذلك استفهَمَ، واستنكَرَ أنْ يُولَدَ له، ولو علِمَ أنَّهم رُسُلُ اللهِ ما تعجَّبَ ولا استنكَرَ، ولا سيَّما وقد رأى مِن آياتِ اللهِ عِيانًا كيف أحيا الموتَى [396] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/581)، ((تفسير أبي حيان)) (6/485). ، وقيل غيرُ ذلك [397] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/151). .
4- قوله تعالى: قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
- قولُه: قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ هو استفهامُ إنكارٍ في معنى النَّفيِ، أو في ضِمْنِه النَّفيُ؛ ولذلك دخَلَت (إلَّا) واستثنى منه في قولِه: إِلَّا الضَّالُّونَ، يعني: أنَّه لم يذهَبْ عنه اجْتنابُ القُنوطِ مِن رحمةِ اللهِ، ولكنَّه امْتَلَكَه المُعتادُ فتعجَّبَ؛ فصار ذلك كالذُّهولِ عنِ المَعلومِ، فلمَّا نبَّهَه الملائكةُ أدنى تَنبيهٍ تذكَّرَ [398] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/486)، ((تفسير أبي السعود)) (5/82)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/60). .
5- قوله تعالى: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ القائلُ هو إبراهيمُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتوسيطُ الفعْلِ قَالَ بينَ قولِه السَّابقِ وبينَ قولِه: فَمَا خَطْبُكُمْ صَريحٌ في أنَّ بينهما مَقالةً مَطْويَّةً لهم أُشيرَ به إلى مَكانِها، كما في قولِه تعالى: قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ... [الإسراء: 61، 62]؛ فإنَّ قولَه الأخيرَ ليس مَوصولًا بقولِه الأوَّلِ، بل هو مَبْنِيٌّ على قولِه تعالى: فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الحجر: 34]؛ فإنَّ تَوسيطَ قَالَ بينَ قَولَيْه؛ للإيذانِ بعدَمِ اتِّصالِ الثَّاني بالأوَّلِ، وعدَمِ ابْتِنائِه عليه، بل غيرِه، ثمَّ خِطابُه لهم- عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ- بعُنوانِ الرِّسالةِ بعدَما كان خِطابُه السَّابِقُ مُجرَّدًا عن ذلك، مع تَصديرِه بالفاءِ: دَليلٌ على أنَّ مَقالتَهم المَطْوِيَّةَ كانت مُتضمِّنَةً لبَيانِ أنَّ مَجيئَهم ليس لمُجرَّدِ البِشارةِ، بل لهم شأْنٌ آخرُ لأجْلِه أُرْسِلوا، فكأنَّه قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنْ لم يكُنْ شأنُكم مُجرَّدَ البِشارةِ؛ فماذا هو؟ فلا حاجةَ إلى الالتجاءِ إلى أنَّ علْمَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بأنَّ كلَّ المقصودِ ليس البِشارةَ بسبَبِ أنَّهم كانوا ذَوِي عدَدٍ، ولعلَّه علِمَ أنَّ كَمالَ المقصودِ ليس البِشارةَ؛ لأنَّهم كانوا عَددًا والبِشارةُ لا تحتاجُ إلى العدَدِ؛ ولذلك اكْتُفِيَ بالواحدِ في زَكريَّا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ومريمَ، وهذا على أحدِ الأقوالِ في التفسيرِ، أو لأنَّهم بَشَّروه في تَضاعيفِ الحالِ؛ لإزالةِ الوجَلِ، ولو كانت تَمامَ المقصودِ لَابْتَدؤوا بها [399] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/213)، ((تفسير أبي السعود)) (5/82). .
6- قولُه تعالى: قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ
- قولُه: قَوْمٍ مُجْرِمِينَ فيه تَنكيرُ قَومٍ، وتَنكيرُ صِفَتِهم مُجْرِمِينَ؛ تَقليلًا لهم واستِهانَةً بهم [400] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/486)، ((تفسير أبي السعود)) (5/82). .
7- قوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ
- قولُه: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ استئنافٌ للإخبارِ بنَجاتِهم؛ لعدَمِ إجْرامِهم، أو لبَيانِ ما فُهِمَ مِن الاستثناءِ مِن مُطلَقِ عدَمِ شُمولِ العَذابِ لهم [401] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/83). .