موسوعة الفرق

المبحَثُ الثَّاني: الرَّدُّ على مَذهَبِ الأشاعِرةِ في أفعالِ العِبادِ


بَيَّن ابنُ تيميَّةَ الخِلافَ في هذه المسألةِ، فبَيَّن مذهَبَ السَّلفِ، وردَّ على المخالِفينَ لهم، فقال: (طائفةٌ من أهلِ الكلامِ - المُثبِتينَ للقَدَرِ- ظنُّوا أنَّ الفِعلَ هو المفعولُ، والخَلقَ هو المخلوقُ، فلمَّا اعتقَدوا أنَّ أفعالَ العِبادِ مخلوقةٌ مفعولةٌ للهِ، قالوا: فهي فِعلُه. فقيل لهم مع ذلك: أهي فِعلُ العبدِ؟ فاضطَربوا؛ فمنهم من قال: هي كَسبُه لا فِعلُه، ولم يفرِّقوا بَينَ الكَسبِ والفعلِ بفَرقٍ محقَّقٍ. ومنهم من قال: بل هي فِعلٌ بَينَ فاعِلَينِ. ومنهم من قال: بل الرَّبُّ فَعَل ذاتَ الفِعلِ، والعَبدَ فَعَل صفاتِه. والتحقيقُ ما عليه أئمَّةُ السُّنَّةِ وجمهورُ الأمَّةِ من الفَرقِ بَينَ الفِعلِ والمفعولِ، والخَلقِ والمخلوقِ؛ فأفعالُ العِبادِ هي كغيرِها من المُحدَثاتِ مخلوقةٌ مفعولةٌ لله، كما أنَّ نفسَ العبدِ وسائِرَ صفاتِه مخلوقةٌ مفعولةٌ لله، وليس ذلك نَفسَ خَلقِه وفِعلِه، بل هي مخلوقةٌ ومفعولةٌ، وهذه الأفعالُ هي فِعلُ العبدِ القائِمُ به، ليست قائمةً بالله، ولا يتَّصِفُ بها؛ فإنَّه لا يتَّصِفُ بمخلوقاتِه ومفعولاتِه، وإنَّما يتَّصِفُ بخَلقِه وفِعلِه، كما يتَّصِفُ بسائِرِ ما يقومُ بذاتِه، والعبدُ فاعلٌ لهذه الأفعالِ، وهو المتَّصِفُ بها، وله عليها قُدرةٌ، وهو فاعِلُها باختيارِه ومشيئتِه، وذلك كُلُّه مخلوقٌ لله، فهي فِعلُ العبدِ، ومفعولةٌ للرَّبِّ، لكِنْ هذه الصِّفاتُ لم يخلُقْها اللهُ بتوسُّطِ قدرةِ العبدِ ومشيئتِه؛ بخِلافِ أفعالِه الاختياريَّةِ؛ فإنَّه خلَقَها بتوسُّطِ خَلقِه لمشيئةِ العبدِ وقُدرتِه، كما خلَق غيرَ ذلك من المُسَبَّباتِ بواسطةِ أسبابٍ أُخَرَ) [920] ((مجموع الفتاوى)) (2/ 119). .
وقال ابنُ تيميَّةَ أيضًا: (هذا الموضِعُ اضطَرب فيه الخائضونَ في القَدَرِ، فقالت المُعتَزِلةُ ونحوُهم من النُّفاةِ: الكُفرُ والفُسوقُ والعِصيانُ أفعالٌ قبيحةٌ، واللهُ مُنزَّهٌ عن فعلِ القبيحِ باتِّفاقِ المُسلِمينَ، فلا تكونُ فِعلًا له. وقال من ردَّ عليهم من المائلينَ إلى الجَبرِ: بل هي فِعلُه، وليست أفعالًا للعِبادِ، بل هي كَسبٌ للعبدِ، وقالوا: إنَّ قدرةَ العبدِ لا تأثيرَ لها في حدوثِ مقدورِها، ولا في صفةٍ من صفاتِها، وإنَّ اللهَ أجرى العادةَ بخَلقِ مَقدورِها مقارِنًا لها، فيكونُ الفِعلُ خَلقًا من اللهِ إبداعًا وإحداثًا، وكَسبًا من العبدِ لوقوعِه مُقارِنًا لقُدرتِه، وقالوا: إنَّ العبدَ ليس مُحدِثًا لأفعالِه، ولا مُوجِدًا لها، ومع هذا فقد يقولونَ: إنَّا لا نقولُ بالجَبرِ المحضِ، بل نُثبِتُ للعبدِ قُدرةً حادِثةً، والجَبريُّ المحضُ: الذي لا يُثبِتُ للعبدِ قُدرةً، وأخذوا يُفرِّقون بَينَ الكَسبِ الذي أثبَتوه وبَينَ الخَلقِ، فقالوا: الكَسبُ عبارةٌ عن اقترانِ المقدورِ بالقُدْرةِ الحادثةِ، والخَلقُ هو المقدورُ بالقُدْرةِ القديمةِ، وقالوا أيضًا: الكَسبُ هو الفِعلُ القائِمُ بمحَلِّ القُدرةِ عليه، والخَلقُ هو الفِعلُ الخارجُ عن محلِّ القُدرةِ عليه. فقال لهم النَّاسُ: هذا لا يوجِبُ فرقًا بَينَ كونِ العَبدِ كَسَبَ وبَينَ كونِه فَعَلَ وأوجَدَ وأحدَثَ وصَنَع وعمِلَ ونحوَ ذلك؛ فإنَّ فِعلَه وإحداثَه وعمَلَه وصُنعَه هو أيضًا مقدورٌ بالقُدْرةِ الحادثةِ، وهو قائمٌ في محَلِّ القُدرةِ الحادثةِ. وأيضًا فهذا فَرقٌ لا حقيقةَ له، فإنَّ كونَ المقدورِ في محلِّ القُدرةِ أو خارجًا عن محلِّها لا يعودُ إلى نفسِ تأثيرِ القُدرةِ فيه، وهو مبنيٌّ على أصلينِ: أنَّ اللهَ لا يقدِرُ على فِعلٍ يقومُ بنَفسِه، وأنَّ خَلْقَه للعالَمِ هو نَفسُ العالَمِ، وأكثَرُ العُقلاءِ من المُسلِمينَ وغَيرِهم على خِلافِ ذلك. والثَّاني: أنَّ قُدرةَ العبدِ لا يكونُ مَقدورُها إلَّا في محَلِّ وُجودِها، ولا يكونُ شيءٌ من مقدورِها خارجًا عن محلِّها، وفي ذلك نزاعٌ طويلٌ. وأيضًا فإذا فُسِّر التأثيرُ بمجَرَّدِ الاقترانِ فلا فَرقَ بَينَ أن يكونَ الفارِقُ في المحَلِّ أو خارجًا عن المحَلِّ. وأيضًا قال لهم المنازِعون: من المستَقِرِّ في فِطَرِ النَّاسِ أنَّ مَن فَعَل العَدلَ فهو عادِلٌ، ومَن فَعَل الظُّلمَ فهو ظالمٌ، ومَن فَعَل الكَذِبَ فهو كاذِبٌ، فإذا لم يكُنِ العبدُ فاعِلًا لكَذِبِه وظُلمِه وعَدلِه، بل اللهُ فاعِلُ ذلك، لَزِم أن يكونَ هو المتَّصِفَ بالكَذِبِ والظُّلمِ! قالوا: وهذا كما قُلتُم أنتم وسائِرُ الصِّفاتيَّةِ: من المُستقِرِّ في فِطَرِ النَّاسِ أنَّ من قام به العِلمُ فهو عالمٌ، ومن قامت به القُدرةُ فهو قادِرٌ، ومن قامت به الحركةُ فهو مُتحَرِّكٌ، ومن قام به التكَلَّمُ فهو متكَلِّمٌ، ومن قامت به الإرادةُ فهو مريدٌ، وقُلتُم: إذا كان الكلامُ مخلوقًا كان كلامًا للمَحَلِّ الذي خلَقَه فيه كسائِرِ الصِّفاتِ، فهذه القاعِدةُ المطَّرِدةُ فيمن قامت به الصِّفاتُ نظيرُها أيضًا مِن فِعْلِ الأفعالِ. وقالوا أيضًا: القرآنُ مملوءٌ بذِكرِ إضافةِ هذه الأفعالِ إلى العِباد، كقَولِه تعالى: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17] ، وقَولِه: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: 40] ، وقَولِه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ [التوبة: 105] ، وقَولِه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة: 277] ، وأمثالِ ذلك. وقالوا أيضًا: إنَّ الشَّرعَ والعَقلَ متَّفِقانِ على أنَّ العبدَ يُحمَدُ ويُذَمُّ على فِعلِه، ويكونُ حَسَنةً له أو سَيِّئةً، فلو لم يكُنْ إلَّا فِعلُ غَيرِه، لكان ذلك الغَيرُ هو المحمودَ المذمومَ عليها) [921] ((مجموع الفتاوى)) (8/ 118 - 120). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (الأشعريُّ وإن أثبَت للمخلوقِ قُدرةً، لكِنْ يُثبِتُ قُدرةً لا تُؤثِّرُ في المقدورِ) [922] ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) (3/ 294). .
وقال أيضًا: (الأشعَريُّ ومن وافَقه اتَّبَعوا جَهْمًا على قَولِه في القَدَرِ، وإن كانوا يُثبِتون قُدرةً وكَسبًا، لكِنْ ما أثبتوه لا حقيقةَ له في المعنى، بل قَولُهم هو قَولُ جَهْمٍ، وإن نازعوه في إثباتِ القُدرةِ والكَسبِ) [923] ((الصفدية)) (2/ 331) باختصارٍ وتصرُّفٍ. .
وقال أيضًا: (الأشعريَّةُ يقولونَ: هذه الحوادِثُ فِعلُ اللهِ تعالى، ليس للعَبدِ منها فِعلٌ أصلًا، وهم وإن كانوا لا يُثبِتون لقُدرةِ العَبدِ أثَرًا في حُصولِ المقدورِ، فإنَّهم يُفرِّقون بَينَ ما كان في محَلِّ القُدرةِ فيَجعَلونَه مَقدورًا للعَبدِ، وما كان خارِجًا عن محَلِّ القُدرةِ فلا يجعَلونَه مَقدورًا للعبدِ، وأكثَرُ مَن نازعهم يقولُ: إنَّ هذا كلامٌ لا يُعقَلُ، فإنَّه إذا لم يَثبُتْ للقُدرةِ أثَرٌ لم يكُنِ الفَرقُ بَينَ ما كان في محَلِّ القُدرةِ وبَينَ ما كان في غَيرِ محلِّ القُدرةِ إلَّا فَرقًا في محلِّ الحادِثِ من غيرِ أن يكونَ للقُدرةِ في ذلك تأثيرٌ، وتسميةُ هذا مقدورًا دونَ هذا تحكُّمٌ محضٌ، وتفريقٌ بَينَ المتماثِلَينِ؛ ولهذا قال بَعضُ النَّاسِ: عجائِبُ الكلامِ التي لا حقيقةَ لها ثلاثةٌ: طَفرةُ النَّظَّامِ، وأحوالُ أبي هاشِمٍ، وكَسبُ الأشعريِّ، وإذا قيل لهؤلاء: الكَسبُ الذي أثبتُّموه لا تُعقَلُ حقيقتُه، فإذا قالوا: الكَسبُ ما وُجِد في محَلِّ القُدرةِ المُحدِثةِ مُقارِنًا لها من غيِر أن يكونَ للقُدرةِ تأثيرٌ فيه، قيل لهم: فلا فَرقَ بَينَ هذا الكَسبِ وبَينَ سائرِ ما يحدُثُ في غيرِ محَلِّها، وغيرَ مقارِنٍ لها؛ إذ اشتراكُ الشَّيئينِ في زمانِهما ومَحلِّهما لا يُوجِبُ كَونَ أحدِهما له قُدرةٌ على الآخَرِ كاشتراكِ العَرَضَينِ الحادِثَينِ في محَلٍّ واحِدٍ في زمانٍ واحدٍ، بل قد يُقالُ: ليس جَعلُ الكَسبِ قُدرةً والقُدرةُ كَسْبًا بأَولى من العَكسِ، إذا لم يكُنْ إلَّا مجرَّدُ المقارَنةِ في الزَّمانِ والمحَلِّ، ولهذا قال أهلُ السُّنَّةِ وأهلُ الإثباتِ من سائِرِ الطَّوائِفِ: إنَّ العبدَ فاعِلٌ لفِعلِه حقيقةً، بخِلافِ جُمهورِ الأشعريَّةِ ومن وافقَهم؛ فإنَّهم يقولونَ: إنَّه فاعِلٌ مجازًا وليس حقيقةً، ويقولونَ: إنَّ فِعلَ العَبدِ فِعلٌ لله لا للعَبدِ؛ لأنَّهم مع سائِرِ أهلِ السُّنَّةِ المُثبِتينَ للقدَرِ يقولونَ: إنَّ اللهَ تعالى خالِقُ أفعالِ العِبادِ، وهم يقولونَ: إنَّ فِعلَ اللهِ هو مفعولُه، والخَلقَ هو المخلوقُ) [924] ((الصفدية)) (1/ 150 - 152) بتصرُّفٍ. .

انظر أيضا: