موسوعة اللغة العربية

المطلَبُ الثَّاني: المُحِبِّيُّ


هو: محمَّد الأمين بنُ فَضلِ اللهِ بنِ محِبِّ اللهِ بنِ محمَّد محِبِّ الدِّينِ بنِ أبي بَكرٍ تَقِيِّ الدِّينِ، المُحِبِّيُّ، الحَمَويُّ الأصلِ، الدِّمَشقيُّ الدَّارِ والمولِدِ، الحَنَفيُّ.
وُلِد المحبِّيُّ سَنةَ 1061هـ، وأخَذ العلومَ والمعارِفَ مُنذُ صِغَرِه، فما مِن فَنٍّ من فنونِ العِلمِ إلّا وله منه نصيبٌ، إلَّا أنَّه اشتَهَر بالأدَبِ شِعرًا ونَثرًا، مع حُسنِ خَطٍّ وفصاحةِ أُسلوبٍ وَجودةِ بيانٍ، فكان حامِلًا لواءَ الأدَبِ في عَصرِه.
رحل صغيرًا في طلَبِ العِلمِ إلى بلادِ الرُّومِ، ثمَّ عاد إلى بلادِ الحِجازِ، وتوَلَّى القضاءَ بمكَّةَ، كما ناب فيه بمِصرَ، لكِنَّه آثَر العودةَ إلى دِمَشقَ، وهناك عكَف على الأبحاثِ وتأليفِ الكُتُبِ والتَّدريسِ في المدرسةِ الأمينيَّةِ إلى أن تُوفِّيَ هناك سنة 1111هـ.
من تصانيفِه: (الأمالي) و(جنى الجنَّتَين في تمييزِ المُثنَّيين) و(خلاصةُ الأَثَر في أعيانِ القَرنِ الحادي عَشَرَ) و(حِصَّة على ديوانِ المتنَبِّي) و(نفحةُ الرَّيحانة ورشحةُ طلاءِ الحانة) وهو ذيلٌ على (ريحانة الألِبَّا) للخفاجيِّ [299] يُنظَر: ((سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر)) للمرادي (4/ 86)، ((الأعلام)) للزركلي (6/ 41). .
ومن بليغِ نَثْرِه قولُه في مُقَدِّمةِ (نفحة الرَّيحانة): (وبعدُ: فإنِّي منذُ ألقَيتُ الألواح، وميَّزتُ بَيْنَ الصَّباح والمِصباح، جعلتُ الأدَبَ لناظريَّ مَلمَحًا، واتخَذْتُه لفِكري من بَيْنِ المعارِفِ مَطمَحًا، وكنتُ أعدُّه لصحائِفِ الشَّمائِلِ عُنوانًا، وأُرَتِّبُ لبيتِ قَصيدِه في بدائعِ المآثرِ ديوانًا، وأشيِمُ من آفاقِه بوارِقَ السِّحْر، وأشَمُّ من أردانِه روائِحَ الشِّحْرِ [300] الشِّحرُ: الشَّطُّ، وهو صقعٌ على ساحِلِ بحرِ الهندِ من ناحيةِ اليَمَنِ بَيْنَ عَدَنَ وعُمانَ، والمراد العنبر الشَّحري المنسوب لذلك المكان. يُنظَر: ((المحكم والمحيط الأعظم)) لابن سيده (3/107)، ((معجم البلدان)) لياقوت (3/ 327). ، فأرتَشِفُ منه ما هو أشَفُّ من الماءِ في زُجاجِه، وأشتَفُّ ما هو ألذُّ من الرَّحيقِ في مِزاجِه.
وأنا من الابتهاجِ به كما التَقى الغَديرُ بالزَّهْرة، ومن التَّملِّي به كما تقابَلَت الثُّريا بالزُّهَرة، فطالما وردْتُ منه ما صَفا من الأمواه، وبسَطْتُ حِجري لالتِقاطِ دُرَرِه من الأفواه، وعَكَف طَرْفي في محاريبِ دفاتِرِه، ورَشَف يَراعي ماءَ الحياةِ من ظُلُماتِ محابِرِه.
هذا، وغُصنُ شبابي غَضٌّ وريق، وتحايَا مُدامي عَضٌّ ورِيق. وأنا أَجري في طَلْقِ الصِّبا طَلْقَ الصَّبا، وأذهَبُ في نَيلِ البُغيةِ مَذهبًا مَذهبًا. فكم ليلةٍ نادَمْتُ فيها الأماني، ووفى لي في جُنحِها بالضَّمانِ زماني! فتناوَلْتُ أحاديثَ كالأرياق، نظَمْتُها كالعُقودِ تلوحُ من الأزياق، وذلك في مَسقِطِ راسي، ومشتَعَلِ ذُؤابةِ نِبراسي، خِطَّةِ السُّرورِ والفَرَح، وحُلَّةَ القِدْحِ [301] القِدحُ: اسمٌ للسَّهمِ قَبلَ أن يُرَكَّبَ نَصلُه. يُنظَر: ((الصحاح)) للجوهري (1/394). والقَدَح، ومُنى الأماني، ومغنى الأغاني، وقِبلةِ القَبول، وشَملةِ الشَّمول، البَلدةِ الفيحاءِ دِمَشْق، الطَّيِّبةِ العَرْفِ والنَّشْق.
لا زال خفَّاقُ النَّسيمِ يَلعَبُ بعَذَباتِ واديها، وهَطَّالُ السَّحابِ يراوِحُ دِمْنتَها ويُغاديها، وحيَّا اللهُ أعِزَّاها الذين بهم التَقَيت، ونجومَ أُفْقِها الذين بصُحبتِهم ارتَقَيت، أديبُهم يَهزُّ له الأدَبُ هِيفَ معاطِفِه، وأريبُهم يمُدُّ به النَّدى بِساطَ عواطِفِه...
فوسَقْتُ في بحارِهم السَّفائِن، واستخرجتُ من محاسِنِهم الدَّفائِن. واجتَنَيتُ من ثمَراتِ خواطِرِهم كُلَّ يانعٍ مُستَطاب، وحَشَوتُ صَدَفةَ أُذُني من تلك اللَّآلئِ الرِّطاب.
وملأتُ السَّمعَ منهم كَلِمًا
يحسُدُ القَلبُ عليه الأُذُنَا
لكِنِّي لم أقْضِ من رؤيتِهم مَطمَعًا، حتَّى غَرَبوا هم وشمسُ الفَضلِ معًا، فعاينتُ الوُجودَ دونَهم كالنَّهارِ بلا شَمْس، وعايَنتُ الأمرَ ولا هُم كالرَّاحةِ بلا خَمْس، وفقدتُ بهم الوَطَر الذي شايَعْتُه، والأَمَلَ الذي على الوَفاءِ والرَّعيِ للذِّمَمِ بايَعْتُه.
فلم ألبَثْ حتَّى كَرِهتُ الثَّوى، وتحرَّكَت عزيمتي لداعي النَّوى، فأنضَيتُ لجِهَةِ الرُّومِ العَزْم، وأدخَلْتُ على حَرفِ العِلَّةِ عامِلَ الجَزْم. «فِعْلَ امرئٍ جَدَّ جِدُّه، وما رأيُه إلَّا في مَفخَرٍ يَستَجِدُّه» [302] يُنظَر: ((دمية القصر وعصرة أهل العصر)) للباخرزي (1/ 18). ؛ فإنَّ في الانتقالِ تنويهًا لخامِلِ الأقدار، ولولاه لم يُكْسَ البَدرُ حُلَّةَ الأبدار) [303] يُنظَر: ((نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة)) (1/ 4 - 7). .
وقال في مَدحِ حَلَبٍ وأُدَبائِها: (وهي البلدةُ الطَّيِّبةُ الماءِ والهواء، التي توافَقَت على حُسنِ بنائِها ولُطفِ أبنائِها الأهواء. أحياها اللهُ تحيَّةً تنحَطُّ بالخِصْبِ سُيولُها، وتجرُّ باللُّطفِ على سَرحةِ الرِّياضِ ذُيولُها. فيها التَّرحيبُ مذخورٌ للمُقيمِ والظَّاعِن، ولا محَلَّ فيها يُلفَى للقادِحِ والطَّاعِن، ولها المرأى الذي يسافِرُ فيه الطَّرْفُ فيأخُذُ بحَظِّه، ويستولي عليه الفَرحُ حتَّى يخافَ على قَلبِه ولحْظِه. فبينا تحسَبُ الأرضَ نُضارًا تكتسي بُردَ الضُّحى فتَحسَبُها عَسْجدًا، وبينا ترى جنَّاتِها أنبتَت دُرًّا إذا هي أطلَعَت زَبَرْجَدًا. وهناك الحِصنُ الذي عانَق السِّماك، يكادُ أهلُه يقتَطِفون نَرجِسَ الكواكِبِ من فَلَكِ الأفلاك.
يَزُرُّ عليه الجوُّ جَيْبَ غَمامِه
ويُلْبِسُها مِن حَلْيهِ الأنْجُمَ الزُّهْرا
وقد أحاط به الخَندَقُ إحاطةَ الهالةِ بالقَمَر، والسِّوارِ بالمِعصَم، وحولَه الأبنيةُ الشَّامخةُ تَستنزِلُ بحُسنِ رَونَقِها النَّسْرَ المحَلِّقَ والغُرابَ الأعصَم.
ولأهلِها من عَهدِ بني حَمْدانَ أُمَراءِ الكلام، وأجَلِّ مَن استُعمِلَت في مدائِحِهم الدُّوِيُّ واستُخدِمَتِ الأقلام: اعتلاقٌ بالأدَبِ وارتِباط، وتَفَوُّقٌ فيه يدعو إلى حَسَدٍ واغتِباط. ولشِعِرْهم في القُلوبِ مكانة، كأنَّما شَيَّدوا بأهواءِ القُلوبِ أركانَه، فصَبُّوا على قوالِبِ النُّجوم، وغرائِبِ المنثورِ المنظوم. وباهَوا غُرَرَ الضُّحى والأصائِل، بعَجائِبِ الأشعارِ والرَّسائِل) [304] يُنظَر: ((نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة)) (2/431، 432). .



انظر أيضا: