موسوعة اللغة العربية

المطلَبُ الأوَّلُ: الشِّهابُ الخَفاجيُّ


هو: شِهابُ الدِّينِ أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ عُمَرَ، القاضي، الخفاجيُّ، نِسبةً إلى قبيلةِ خَفاجةَ بمِصرَ، وُلِد بمِصرَ سَنةَ 977هـ، ونشأ نشأةً عِلميَّةً، تعلَّم في صِباه القرآنَ وعُلومَ العربيَّةِ، والبلاغةَ والأدَبَ والمنطِقَ، وتفقَّه على مذهَبَي أبي حنيفةَ والشَّافِعيِّ، ونال علومَ الرِّياضيَّاتِ والطَّبيعةِ والطِّبِّ والمنطِقِ وغيرِ ذلك.
اتَّصل الشِّهابُ بالسُّلطانِ العُثمانيِّ مراد، وتولَّى قضاءَ سلانيك، ثمَّ عاد إلى مِصرَ وتولَّى القضاءَ بها، واستقَرَّ بمِصرَ إلى أن توفِّيَ سَنةَ 1069هـ.
ومِن تصانيفِه: (ريحانةُ الأَلِبَّا) و(شِفاءُ العليل فيما في كلامِ العَرَبِ مِن الدَّخيل) و(شَرحُ دُرَّةِ الغَوَّاصِ في أوهامِ الخواصِّ) و(حاشيةٌ على تفسيرِ البيضاويِّ) و(ديوانُ الأدَب في ذِكرِ شُعَراءِ العَرَب) و(نسيمُ الرِّياض في شَرحِ شِفاءِ القاضي عِياض) [293] يُنظَر: ((خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر)) للمحبي (1/ 331)، ((التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول)) لمحمد صديق خان (ص: 280)، ((الأعلام)) للزركلي (1/ 238). .
ومن بليغِ رَسائلِه ما كتَبَه إلى صديقٍ له: (مولاي يشتكي من الدَّهرِ وهو أبو العِبَر! وفي المثَلِ: «مَن سابَقَ الدَّهرَ عَثَر»، فانتَظِر عُقْبَ الزَّمانِ عليك، وكِلْ إلى اللهِ مَن أساء إليك؛ فإنَّ الدَّهرَ دُوَلٌ، وللهِ جنودٌ منها العَسَلُ، وكم أغنَتِ الوُحوش عن صَدَمات الجُيوش، وما سُمِّيَت الحالُ بالحال إلَّا لسُرعةِ التَّحَوُّلِ والانتِقال، فأيَّامُه يومٌ بيومٍ، وحَربُه سِجالٌ، فما عَبَس مَساءٌ بوَجهِ أفُقِه إلَّا وبَعدَه صَباحٌ يَضحَكُ عليه فمُ شَرْقِه.
فأوقِدْ مِصباحَ فِكْرِك إن أظلَمَ الدُّجى، واصبِرْ فإنَّ الصَّبرَ يفوحُ منه أرَجُ [294] الأرَجُ: نفحةُ الرِّيحِ الطَّيِّبةُ. يُنظَر: ((العين)) للخليل بن أحمد (6/174). الرَّجَا، وإن جَفَتْ قُرَيشٌ فلله أنصارُ، وإن نَبَتْ بك دارٌ فلِلَّه دِيارُ، وإذا كان انتظارُ الفَرَج عبادة، فأوقاتُ الضِّيقِ كُلُّها سعادة، وقُربُ الأشرار أعظَمُ مَصائِبِ الأحرار. وللهِ درُّ القائِلِ:
مرِضْتُ من الحَمقى فلم أُدرِكِ المُنى
تمنَّيتُ أن أُشفى برُؤيةِ عاقِلِ
وقد قُلتُ في الفُصولِ في القِصارِ: في التَّركِ غِنًى بلا مِنَن، والحِمْيَةُ دواءٌ بلا ثَمَن. والسَّلامُ) [295] يُنظَر: ((ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا)) (2/ 19، 20). .
وقال في مُقَدِّمةِ كِتابِه (ريحانةُ الأَلِبَّا): (فيا أدِلَّاءَ الهُدى إنِّي آنَسْتُ من جانِبِ الطُّورِ نارًا بها تَهْتدون، أو آتيكم بشِهابٍ قَبَسٍ لعلكم تَصْطَلون، فإنْ لم يترُكِ الأوَّلُ شيئًا للآخِر، فخيرٌ مِن الكثيرِ الغائِبِ القليلُ الحاضِر، ويا مَن هم في مُحَّيا الأيَّامِ حَسَنة، لقد كان لكم في رَسولِ اللهِ أُسْوةٌ حَسَنة، فلا يُزْرِ النَّورَ تأخُّرُه عن غِراسِ أغْصانِه، ولا يُكِلُّ مَضاءَ السِّنانِ كونُه في أطْرافِ مُرَّانِه، على أنَّه قد تتساوى الآصالُ والبُكُر، وتتشابَهُ طُرَرُ العَشيَّاتِ والسَّحَر، وليس إلَّا للحَسَدِ رغِبَتِ الطَّبائِع، عن محاسِنَ للعصرِ هي مِلءُ الأفواهِ والمسامِع.
وما شُكْرُهم للمَيْتِ إلَّا لأنَّه
بما حلَّ في أيديهِمُ غيرُ طامِعِ
وللهِ دَرُّ ابنِ رَشيقٍ في قَولِه:
أولِعَ النَّاسُ بامْتداحِ القديمِ
وبذمِّ الجديدِ غيرِ الذَّميمِ
ليس إلَّا لأنَّهمْ حسَدوا الحَيَّ
فرقُّوا على العِظامِ الرَّميمِ
والحُرُّ وإن حَلَّ تيهًا وبادية، فستغدو محاسنُه على رَغمِ الخُمولِ بادية، ولنا في ذِمَّةِ الدَّهرِ دُيونٌ بأوقاتِها مرهونَة، فإذا جاء إبَّانُها فكَّ الزَّمانُ رُهونَه.
على أنِّي أستغفِرُ اللهَ مِن دَهرٍ كلَّت فيه مُرهَفاتُ الطِّباع، ونفَضَت الآمالُ فيه يدَها من غُبارِ الأطماع، وافَيناه على الهرَم، وقد قَلَع ضِرْسَ النَّدَم، بعد ما أكَلَ باكورةَ الكُرَماء، وشابتْ بالصَّباحِ لياليه الدَّهْماء، ودَبَّ خَرِفًا على عَصا الجوْزاء) [296] يُنظَر: ((ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا)) (1/ 7). .
وقال في ترجمةِ (بدرِ الدِّينِ الغَزِّيِّ): (فريدُ الدَّهرِ وأوانِه، وابنُ عبَّاسٍ في زمانِه، وسَلْمانُ آلِ بيتِه، وحسَّانُ قصيدتِه وبيْتِه، صاحِبُ الفُنون، وغَيْثُ الإفادةِ الهَتون، جمالُ الكُتُبِ والسِّيَر، سيِّدُ أهلِ الحديثِ وعَيْنُ ذوي الأثَر، ممَّن حازتْ به أقطارُ غَزَّة شرَفًا باذِخًا وعِزَّة.
وابنُه شِبْلُ الأسَد، ذو الرَّأْيِ الصَّائبِ الأسَدّ، وفِرِنْدُ||hamish||297||/hamish|| نَصْلِه المصقولِ الحَدّ، وهما كَرُكْبَتَيِ البعيرِ في كُلِّ معنًى صارِم، أو كالحَلْقةِ المفرَغةِ أو كغِرارَي صارِم، وبَدرٍ طَلَع من أفْقِ الكمالِ مبتدِرًا، وكرَعَ مِن بحرِ والِدِه البَرِّ ماءَ الحياةِ قبل أن يبدوَ نَباتُ عارضِه خَضِرًا، وتُحيطُ بمَشارِقِ أنوارِه في إبَّانِ طُلوعِه هالَةُ عِذارِه، حتَّى أمدَّ شمسَ الفَضلِ بما يُحْيي النُّفوسَ، فهل سمِعْتَ ببدرٍ تسْتمِدُّ من أنوارِه الشُّموس، فتكلَّفَ البدرُ إذْ حَكاه، وضاهى سَناءَه وسَناه
ولا عَجَبًا للبدْرِ أن يتكلَّفا
وله منِ شِعرِ العُلَماءِ ما صدَحتْ من أقْفاصِ سُطورِه الحَمائِم، وتحمَّلتْ الصَّبا نَشْرَه فتلقَّتْه الزُّهورُ بثَغْرٍ باسِم. ولم يَزَلْ مُشرِقًا في منازِلِه البدْريَّة، حتَّى ألَمَّ بسَنا عُمُرِه سِرارُ المنيَّة، لا زال ثاويًا في قصورِ الجِنان، وضَريحُه مطافُ وُفودِ الرَّحمةِ والغُفْران) [298] يُنظَر: ((ريحانة الأَلِبَّا وزهرة الحياة الدنيا)) (1/ 138، 139). .

انظر أيضا: