موسوعة الأخلاق والسلوك

سابِعًا: أسبابُ الوُقوعِ في الجَزَعِ


1- تذَكُّرُ المُصابِ حتى لا يتَناساه، وتَصَوُّرُه حتى لا يَعزُبَ عنه [2466] يَعزُبُ: يغيبُ. يُنظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (1/ 597). ، ولا يجِدُ مِن التَّذكارِ سَلوةً، ولا يخلِطُ مع التَّصَوُّرِ تعزيةً، وقد قال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه: لا تستَفِزُّوا الدُّموعَ بالتَّذَكُّرِ [2467] ذكره الجاحظ في ((البيان والتبيين)) (3/102)، والماوردي في ((أدب الدنيا والدين)) (ص: 297). والأثرُ رواه ابنُ أبي الدنيا كما في ((كنز العمال)) للمتقي الهندي (44201)، والدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (736) بلفظ: ((استَغزِروا الدُّموعَ بالتَّذكيرِ)). .
قال الشَّاعِرُ: ولا يبعَثُ الأحزانَ مِثلُ التَّذَكُّرِ [2468] ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (ص: 298). .
2- الأسَفُ وشِدَّةُ الحَسرةِ، فلا يرى مِن مُصابِه خَلَفًا، ولا يجِدُ لمَفقودِه بَدَلًا؛ فيزدادُ بالأسَفِ ولَهًا، وبالحَسرةِ هَلَعًا؛ ولذلك قال اللهُ تعالى: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: 23] .
وقال بَعضُ الشُّعَراءِ:
إذا بُلِيتَ فثِقْ باللهِ وارْضَ به
إنَّ الذي يكشِفُ البلوى هو اللهُ
إذا قضى اللهُ فاستسلِمْ لقُدرتِه
ما لامرئٍ حيلةٌ فيما قضى اللهُ
اليأسُ يقطَعُ أحيانًا بصاحِبِه
لا تيأسَنَّ فإنَّ الصَّانعَ اللهُ [2469] ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (ص: 298). .
3- كَثرةُ الشَّكوى؛ فقد قيل في قَولِه تعالى: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا [المعارج: 5] : إنَّه الصَّبرُ الذي لا شَكوى فيه ولا بَثَّ [2470] ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (ص: 298). .
4- اليأسُ مِن جَبرِ مُصابِه، فيقتَرِنُ بحُزنِ الحادِثةِ قُنوطُ الإياسِ، فلا يبقى معهما صَبرٌ، ولا يتَّسِعُ لهما صَدرٌ. وقد قيل: المُصيبةُ بالصَّبرِ أعظَمُ المُصيبَتَينِ. وقال الشَّاعِرُ:
اصبري أيَّتُها النَّفـ
ـسُ فإنَّ الصَّبرَ أحجى [2471] أحجى: أجدَرُ وأَولى وأحَقُّ. يُنظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (14/167).
ربَّما خاب رجاءٌ
وأتى ما ليس يُرجى [2472] يُنظَر: ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (ص: 298)، ((الدر الفريد وبيت القصيد)) للمستعصمي (1/ 340).
وأنشَدُ بَعضُ أهلِ العِلمِ:
أتحسَبُ أنَّ البُؤسَ للحُرِّ دائِمٌ
ولو دام شيءٌ عدَّه النَّاسُ في العَجَبْ
لقد عرَّفَتْك الحادثاتُ ببُؤسِها
وقد أُدِّبتَ إن كان ينفَعُك الأدَبْ
ولو طَلَب الإنسانُ مِن صَرفِ دَهرِه
دوامَ الذي يخشى لأعياه ما طَلَبْ [2473]  يُنظَر: ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (ص: 298). .
5- أن يغرى بمُلاحَظةِ مَن حيطَت سَلامَتُه، وحُرِسَت نِعمتُه، حتى التَحَفَ بالأمنِ والدَّعةِ [2474] الدَّعةُ: السُّكونُ والرَّاحةُ. يُنظَر: ((لسان العرب)) لابن منظور (14/167). ، واستَمتَعَ بالثَّروةِ والسَّعةِ، ويرى أنَّه قد خُصَّ مِن بَينِهم بالرَّزيَّةِ بَعدَ أن كان مُساويًا، وأُفرِدَ بالحادِثةِ بَعدَ أن كان مُكافيًا، فلا يستَطيعُ صَبرًا على بلوى، ولا يلزَمُ شُكرًا على نُعمى، ولو قابلَ بهذه النَّظرةِ مُلاحَظةَ مَن شارَكَه في الرَّزيَّةِ، وساواه في الحادِثةِ، لتَكافَأ الأمرانِ، فهانَ عليه الصَّبرُ، وحانَ منه الفَرَجُ [2475] ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (ص: 298). .
6- ضَعفُ الإيمانِ: قال القاسِميُّ: (الجَزَعُ واليأسُ مِن الفَرَجِ عندَ مَسِّ شَرٍّ قُضيَ عليه...مِمَّا يُنافي عَقدَ الإيمانِ) [2476] ((محاسن التأويل)) (6/499). .
قال ابنُ القَيِّمِ: (وإذا اطمَأنَّ إلى حُكمِه الكَونيِّ عَلِم أنَّه لن يُصيبَه إلَّا ما كَتَبَ اللهُ له، وأنَّه ما يشاءُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، فلا وَجهَ للجَزِعِ والقَلَقِ إلَّا ضَعفُ اليقينِ والإيمانِ؛ فإنَّ المَحذورَ والمَخوفَ إن لم يُقدَّرْ فلا سَبيلَ إلى وُقوعِه، وإن قُدِّرَ فلا سَبيلَ إلى صَرفِه بَعدَ أن أُبرِمَ تقديرُه، فلا جَزَعَ حينَئذٍ لا مِمَّا قُدِّرَ ولا مِمَّا لم يُقدَّرْ) [2477] ((مدارج السالكين)) (2/483). .
7- عَدَمُ الاستِعانةِ باللهِ في المُصيبةِ.
8- عدَمُ النَّظَرِ إلى مَن هم أشَدُّ منه مُصيبةً وغَمًّا وألمًا.
9– العَجزُ: قال ابنُ القَيِّمِ: (الجَزَعُ قَرينُ العَجزِ وشَقيقُه...فلَو سُئِلَ الجَزَعُ: مَن أبوك؟ لقال: العَجزُ [2478] ((عدة الصابرين)) (ص: 18). .
10- تركُ الرِّضا بما يوجِبُ القَضاءُ.
11- عَدَمُ توطينِ النَّفسِ على وُقوعِ المَكروهِ:
 قال ابنُ حِبَّانَ: (السَّبَبُ المُؤَدِّي إلى إظهارِ الجَزَعِ عندَ فِراقِ المُتواخينَ هو: تركُ الرِّضا بما يوجِبُ القَضاءُ، ثُمَّ وُرودُ الشَّيءِ على مُضمَرِ الحَشا [2479] المضمَرُ من الضَّميرِ: وهو السِّرُّ وداخِلُ الخاطِرِ. والمُضمَرُ: الموضِعُ والمفعولُ. يُنظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (4/492). الحشا: ما اضطمَّت عليه الضُّلوعُ. يُنظر: ((الصحاح)) للجوهري (4/492). بَعدَما انطَوى عليه قديمًا، فمَن وطَّن نفسَه في ابتِداءِ المُعاشَرةِ على وُرودِ ضِدِّ الجَميلِ عليها مِن صُحبَتِه، وتَأمَّل وُرودَ المَكروهِ منه على غَفلَتِه، لا يُظهِرُ الجَزَعَ عندَ الفِراقِ، ولا يشكو الأسَفَ والاحتِراقَ إلَّا بمِقدارِ ما يوجِبُ العِلمُ إظهارَه) [2480] ((روضة العقلاء)) (ص: 112). .
قال أحَدُهم لعُبَيدِ بنِ الأبرَصِ: ما أشَدَّ جَزَعَك على المَوتِ! فقال:
لا غَرْوَ [2481] لا غَرْوَ: لا عَجَبَ. يُنظر: ((القاموس المحيط)) للفيروزابادي (ص: 1317). من عيشةٍ نافِدَه
وهل غيرُ ما مِيتةٍ واحِدَه
فأبلِغْ بَنيَّ وأعمامَهم
بأنَّ المنايا هي الرَّاصِدَه
فلا تجزعوا لحِمامٍ [2482] الحِمامُ: قضاءُ الموتِ وقَدَرُه. يُنظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (12/ 151). دنا
فلِلموتِ ما تَلِدُ الوالِدَه [2483] ((زهر الأكم)) لليوسي (1/61).
12- حُبُّ الدُّنيا: عن عُمَرَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ أنَّه سَمِعَ وهبَ بنُ مُنَبِّهٍ يقولُ: (قال عيسى بنُ مَريمَ للحَواريِّينَ: بحَقٍّ أقولُ لكم -وكان عيسى كَثيرًا ما يقولُ: بحَقٍّ أقولُ لكم-: إنَّ أشَدَّكم حُبًّا للدُّنيا أشَدُّكم جَزَعًا على المُصيبةِ) [2484] ((الزهد)) لأحمد بن حنبل (338)، ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (4/ 67). .

انظر أيضا: