الموسوعة الفقهية

المَطْلَبُ السَّادسُ: مَوانعُ الرَّدِّ بالعَيبِ


الفَرعُ الأوَّلُ: الرِّضا بالعَيبِ
المسألةُ الأُولى: استخدامُ المَبيعِ للحاجةِ كأنْ يَشترِيَ السَّيَّارةَ ويَجِدَ بها عيبًا، فيَركَبَها ليَرُدَّها على بائعِها. هل يَمنَعُ الرَّدَّ؟
إذا استَخدَمَ المُشْتري المَبيعَ للحاجةِ فإنَّه لا يَمنَعُ الرَّدَّ إذا وُجِدَ فيه عَيبٌ، وهو مَذهَبُ المالكيَّةِ المعتمَدُ عندَ المالكيَّةِ: رُكوبُ الدَّابَّةِ في السَّفرِ لا يَمنَعُ الرَّدَّ ولو لم يُضطَرَّ، واستَثنَوا لُبْسَ الثَّوبِ ووَطْءَ الأَمةِ؛ فإنَّه يدُلُّ على الرِّضا اتِّفاقًا، سواءٌ كان في الحضَرِ أو السَّفرِ. ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (3/121، 122)، ((منح الجليل)) لعُلَيش (5/171). ، ودلَّ عليه كَلامُ الشَّافعيَّةِ عندَ الشَّافعيَّةِ: إذا استدامَ في رُكوبِ الدَّابَّةِ، ليْس له الرَّدُّ إلَّا إذا كانتِ الدَّابَّةَ جَموحًا يَعسُرُ سَوقُها وقَودُها، فله الرَّدُّ، وأيضًا إذا وَجَد في الثَّوبِ عَيبًا وهو في الطَّريقِ، فتَوجَّهَ للرَّدِّ، ولم يَنزِعْه؛ فله الرَّدُّ. ((فتح العزيز)) للرافعي (8/350)، ((مغني المحتاج)) للشِّربيني (2/58)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (4/55). ، وقَولُ بعضِ الحنَفيَّةِ ((الهداية)) للمَرْغِيناني (3/41)، ((تبيين الحقائق)) للزَّيلَعي (4/42)، ((حاشية ابن عابدين)) (5/35، 36). ، ورِوايةٌ مُخرَّجةٌ عن أحمدَ تخريجًا على رِوايةِ بُطلانِ خِيارِ الشَّرطِ بالاستعمالِ.((المبدع)) لبرهان الدين ابن مُفلِح (3/435)، ((الإنصاف)) للمرداوي (4/307، 308). ، واختارهُ ابنُ حَزمٍ نصَّ ابنُ حَزمٍ على أنَّ الاستخدامَ -حتَّى لو لم يكُنْ للحاجةِ- لا يَمنَعُ الرَّدَّ؛ قال ابنُ حَزمٍ: (مَن اطَّلَعَ فيما اشتَرى على عَيبٍ يَجِبُ به الرَّدُّ، فله أنْ يَرُدَّ ساعةَ يَجِدُ العَيبَ، وله أنْ يُمسِكَ ثمَّ يَرُدَّه متى شاءَ، طال ذلك الأمدُ أم قرُبَ، ولا يُسقِطُ ما وجَبَ له مِن الرَّدِّ تَصرُّفُه بعْدَ عِلمِه بالعَيبِ بالوطْءِ، والاستخدامُ والرُّكوبُ، واللِّباسُ، والسُّكنى، ولا مُعاناتُه إزالةَ العَيبِ، ولا عَرْضُه إيَّاه على أهلِ العِلمِ بذلك العَيبِ، ولا تَعريضُه ذلك الشَّيءَ للبيعِ) ((المحلى)) (7/584، 585).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: قياسًا على ما إذا حَمَلَ على الدَّابَّةِ عَلَفَها لأنَّ رُكوبَ الدَّابَّةِ مِن أجْلِ العَلفِ إنَّما هو لحقِّ البائعِ؛ إذ فيه حياتُها. يُنظر: ((حاشية ابن عابدين)) (5/36).
ثانيًا: لأنَّ استعمالَهُ له مع حاجتِه إليه لا يدُلُّ على الرِّضا بالعَيبِ يُنظر: ((منح الجليل)) لعُلَيْش (5/171).
المسألةُ الثَّانيةُ: تَجرِبةُ المَبيعِ بعْدَ العلمِ بالعَيبِ هل يُسقِطُ حقَّ الرَّدِّ؟
إذا جرَّب المُشْتري المَبيعَ بعْدَ العلمِ بالعَيبِ لا يَسقُطُ حَقُّه في الرَّدِّ، وهو مَذهَبُ الحنابِلة ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (3/223)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (3/119).
وذلك للآتي:
أولًا: أنَّ تَجرِبةَ المَبيعِ بعْدَ العلمِ بالعَيبِ لا يُعَدُّ رِضًا به يُنظر: ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (3/223)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (3/119).
ثانيًا: لأنَّه قدْ يَحتاجُ أنْ يَعلَمَ قدْرَ المَبيعِ وصِفتَه، ونحْوَ ذلك؛ لِيَختارَ هل يُمسِكُه أو يَرُدُّه يُنظر: ((الإنصاف)) للمرداوي (4/ 388).
الفَرعُ الثَّاني: تغيُّرُ المَبيعِ عندَ المُشْتري
المسألةُ الأُولى: تغيُّرُ المَبيعِ بتَحوُّلِه إلى عَينٍ أُخرى لا يَجوزُ تَملُّكُها
إذا تغيَّرَ المَبيعُ بتَحوُّلِه إلى عَينٍ أُخرى لا يَجوزُ تَملُّكُها، فليْس للمُشتري حقُّ الرَّدِّ كأنْ يَشترِيَ عَصيرًا حُلْوًا، فيَجِدَ به عَيبًا بعْدَ ما تَخمَّرَ؛ فليْس له أنْ يَرُدَّه على البائعِ؛ لأنَّه صار خمْرًا. ، لكنْ له الأرْشُ الأرْشُ: هو المبْلغُ المسْترَدُّ مِن ثمَنِ السِّلعةِ إذا ظهَرَ فيها عَيبٌ. يُنظر: ((الإنصاف)) للمَرْداوي (4/297)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (12/277). ، نصَّ على ذلك الحنَفيَّةُ ((الفتاوى الهندية)) (3/85)، ويُنظر: ((المحيط البرهاني)) لابن مازة (6/570). والشَّافعيَّةُ ((العزيز شرح الوجيز)) للرَّافعي (8/393)، ((روضة الطالبين)) للنَّوَوي (3/499). ؛ وذلك لأنَّ رَدَّ المَبيعِ بعْدَ عدَمِ جَوازِ تَملُّكِه يكونُ عقْدَ مُعاوَضةٍ على ما لا يَجوزُ تَملُّكُه، وهو غيرُ جائزٍ يُنظر: ((تكملة المجموع)) للسبكي (12/248)، ((المحيط البرهاني)) لابن مازة (6/570).
المسألةُ الثَّانيةُ: تغيُّرُ المَبيعِ بالزِّيادةِ
أوَّلًا: تغيُّرُ المَبيعِ بالزِّيادةِ المتَّصِلةِ الزِّيادةُ المتَّصلةُ: كالسِّمَنِ في البدَنِ، وكِبَرِ الشَّجرةِ، والتَّعليمِ.
الزِّيادةُ المتَّصلةُ في المَبيعِ لا تَمنَعُ الرَّدَّ بالعَيبِ وتُرَدُّ مع الأصلِ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: المالكيَّةِ -في الجُملةِ- عندَ المالكيَّةِ: أنَّ الزِّيادةَ المتولِّدةَ مِن الأصلِ يُخيَّرُ فيها المشْتري بيْن أنْ يَرُدَّ الدَّابَّةَ بحالِها، أو يُمسِكَ ولا شَيءَ له، وأمَّا الزِّيادةُ الَّتي يُحدِثُها المشْتري في المَبيعِ مِن صِبْغٍ وخِياطةٍ؛ فيُوجِبُ له الخيارَ بيْن أنْ يُمسِكَ، ويَرجِعَ بقِيمةِ العَيبِ، أو يَرُدَّ ويكونَ شَريكًا بما زاد بما أحْدَثَه. ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (3/127)، ((مواهب الجليل)) للحطَّاب (6/366)، ((منح الجليل)) لعُلَيش (5/184). ، والشَّافعيَّةِ ((مغني المحتاج)) للشِّربيني (2/61، 62)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (4/ 65، 66). ، والحنابِلةِ ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مُفلِح (3/427)، ((الإنصاف)) للمَرْداوي (4/297: 299). ؛ وذلك لعدَمِ إمكانِ إفرادِها، ولأنَّ المِلْكَ قدْ تَجدَّدَ بالفسْخِ، فكانت الزِّيادةُ المتَّصلةُ فيه تابعةً للأصلِ كالعقْدِ يُنظر: ((مغني المحتاج)) للشِّربيني (2/61، 62)، ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مُفلِح (3/427).
ثانيًا: تغيُّرُ المَبيعِ بالزِّيادةِ المنْفصِلةِ
1- الزِّيادةُ إذا كانت مِن غيْرِ عَينِ المَبيعِ
الزِّيادةُ المنْفصِلةُ غيرُ المتولِّدةِ مِن المَبيعِ لا تَمنَعُ الرَّدَّ بالعَيبِ، كالغَلَّةِ والكسْبِ، وهي للمُشتري، وذلك باتِّفاقِ المذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحنَفيَّةِ ((حاشية ابن عابدين)) (5/100)، ((البحر الرائق)) لابن نُجَيم (6/57)، ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (13/89)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/285). ، والمالكيَّةِ ((المدونة)) لسحنون (3/360)، ((الاستذكار)) لابن عبد البر (6/289). ، والشَّافعيَّةِ ((فتح العزيز)) للرافعي (8/378 - 380)، ((روضة الطالبين)) للنَّوَوي (3/493). ، والحنابِلةِ ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مُفلِح (3/427)، ((الإنصاف)) للمَرْداوي (4/297: 299). ، وحُكِي الإجماعُ على ذلك قال السَّمَرْقَنْديُّ: (أجْمَعوا أنَّ الكسْبَ أو الغلَّةَ الَّتي تَحدُثُ بعْدَ القَبضِ لا تَمنَعُ فسْخَ العقدِ) ((تحفة الفقهاء)) (2/100). وقال ابنُ قُدامةَ: (أنْ تكونَ الزِّيادةُ مِن غيرِ عَينِ المَبيعِ، كالكسْبِ، وهو معنى قولِه: «أو استَغلَّها». يعني أخَذَ غَلَّتَها، وهي مَنافعُها الحاصلةُ مِن جِهتِها، كالخِدمةِ، والأُجرةِ، والكسْبِ، وكذلك ما يُوهَبُ أو يُوصَى له به؛ فكلُّ ذلك للمُشْتري في مُقابَلةِ ضَمانِه... ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا) ((المغني)) (4/110). وقال ابنُ رجَبٍ: (لو اشْتَرى شيئًا فاستَغلَّه ونَما عِنده، ثمَّ ردَّه بعَيبٍ؛ فإنْ كان نَماؤه كسْبًا لم يَرُدَّه معه، قال كَثيرٌ مِن الأصحابِ: بغيرِ خِلافٍ) ((القواعد)) (ص 27). ؛ وذلك لأنَّه فسْخٌ، والفسخُ لا تَمنَعُ منه الزِّيادةُ المنْفصِلةُ، كالرَّدِّ بالعَيبِ يُنظر: ((الكافي)) لابن قُدامةَ (2/102).
2- الزِّيادةُ المنْفصِلةُ إذا كانت مِن عَينِ المَبيعِ كأنْ تَلِدَ الدَّابَّةُ بعْدَ شِرائِها أو تُثمِرَ الشَّجرةُ.
الزِّيادةُ المنْفصِلةُ إذا كانت مِن عَينِ المَبيعِ لا تَمنَعُ الرَّدَّ بالعَيبِ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ عندَ المالكيَّةِ: أنَّ الزِّيادةَ في الثِّمارِ ونحوِها للمُشْتري، وأمَّا الولدُ فيُرَدُّ مع أُمِّه. وعندَ الشَّافعيَّةِ والحنابلةِ: الزِّيادةُ تكونُ للمُشْتري. : المالكيَّةِ ((الاستذكار)) لابن عبد البر (6/289) ((الذخيرة)) للقرافي (5/75). ، والشَّافعيَّةِ ((مغني المحتاج)) للشِّربيني (2/62)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (4/67). ، والحنابِلةِ ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مُفلِح (3/427)، ((الإنصاف)) للمَرْداوي (4/297)، ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (3/220).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّ مُقتضى العَيبِ جَوازُ الرَّدِّ يُنظر: ((مغني المحتاج)) للشِّربيني (2/62).
ثانيًا: لأنَّ الفسْخَ لا يَتناوَلُ إلَّا ما تَناوَلَه العقدُ، ولم يَتناوَلِ العقدُ الزَّوائدَ، بلِ استَفادها المُشْتري بمِلْكٍ، فلا يَتناوَلُها حُكمُ الفسْخِ كما لا يَتناوَلُها حُكمُ البيعِ إذا حَدَثَت عندَ البائعِ هذا دليلُ المالكيَّة. يُنظر: ((الذخيرة)) للقرافي (5/75).
ثالثًا: تغيُّرُ المَبيعِ بالنَّقصِ
1- حلْبُ المُصرَّاةِ التَّصْريةُ: جمْعُ اللَّبَنِ في الضَّرعِ يومًا أو يَومينِ؛ حتَّى يَعظُمَ ثَدْيُها؛ ليُوهِمَ مُشترِيَها أنَّها تُحلَبُ مِثلَ ذلك. يُنظر: ((مواهب الجليل)) للحطَّاب (6/350). ليْس مانعًا لرَدِّها
إذا اشْتَرى بَهيمةَ الأنعامِ، فحلَبَها، فتَبيَّن أنَّها مُصرَّاةٌ، فلا يُعتَبرُ حلْبُها مانعًا مِن رَدِّها، وهذا مَذهَبُ الجُمهورِ: المالكيَّةِ ((مواهب الجليل)) للحطَّاب (6/350، 351)، ((منح الجليل)) لعُلَيش (5/161، 162). ، والشَّافعيَّةِ ((مغني المحتاج)) للشِّربيني (2/63). ، والحنابِلةِ ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مُفلِح (3/420)، ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (3/214). ، وقَولُ أبي يُوسُفَ وزُفَرَ مِن الحنَفيَّةِ ((شرح مختصر الطحاوي)) للجَصَّاص (3/62)، ((حاشية ابن عابدين)) (5/44). ، وهو قَولُ طائفةٍ مِن السَّلفِ وجُمهورِ أهلِ الحديثِ قال ابنُ المنذِرِ: (واختَلَفوا فيما يَرُدُّه مُشْتري المُصرَّاةِ مَكانَ اللَّبَنِ؛ فقال أكثرُ أهلِ العلمِ: هو بالخيارِ بعْدَ أنْ يَحلُبَها: إنْ شاء أمسَكَها، وإنْ شاء رَدَّها وصاعًا مِن تمْرٍ. كذلك قال مالِكٌ ومَن قال بقولِه مِن أهلِ المدينةِ، وبه قال اللَّيثُ بنُ سَعدٍ، والشَّافعيُّ، وأحمَدُ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَورٍ، وثبَتَ ذلك عن أبي هُرَيرةَ) ((الأوسط)) (10/97). وقال النَّوويُّ: (فإذا استَمرَّ كذلك ثَلاثةَ أيَّامٍ عَلِم أنَّها مُصرَّاةٌ، ثمَّ إذا اختار ردَّ المُصرَّاةِ بعْدَ أنْ حَلَبَها، ردَّها وصاعًا مِن تمْرٍ، سواءٌ كان اللَّبَنُ قَليلًا أو كثيرًا، سواءٌ كانت ناقةً أو شاةً أو بَقرةً، هذا مَذهَبُنا، وبه قال مالكٌ، واللَّيثُ، وابنُ أبي لَيْلى، وأبو يُوسُفَ، وأبو ثَورٍ، وفُقهاءُ المُحدِّثين) ((شرح مسلم)) (10/167)، ويُنظر: ((المجموع شرح المهذب)) تكملة السبكي (12/20).
الدَّليلُ مِن السُّنَّةِ:
عن أبي هُرَيرةَ رَضِي اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ولا تُصَرُّوا الإبلَ والغنَمَ، فمَن ابتاعَها بعْدَ ذلك فهو بخَيرِ النَّظرينِ بعْدَ أنْ يَحلُبَها؛ فإنْ رَضِيَها أمْسَكَها، وإنْ سَخِطَها ردَّها وصاعًا مِن تمْرٍ )) أخرجه البخاري (2150)، ومسلم (1515) واللفظ له.
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خيَّرَه بيْن الرَّدِّ والإمساكِ يُنظر: ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (3/214).
2- العُيوبُ الَّتي تكونُ في جَوفِ المَبيعِ
إذا نقَصَ المَبيعُ بكَسرِ ما مأْكولُه في جَوفِه -كالبِطِّيخِ والبَيضِ والجَوزِ ونحْوِ ذلك كأنْ يَشترِيَ مَأكولًا في جَوفِه -كالبِطِّيخِ والجَوزِ، والرُّمَّانِ والبيضِ، ونحْوِها- فكَسَره فوَجَده فاسدًا؛ فالنَّقصُ النَّاتجُ عن الكسرِ لا يُؤثِّرُ في رَدِّ المَبيعِ. - فإنَّ للمُشتري أنْ يَرجِعَ على البائعِ بالثَّمنِ كلِّه إذا وَجَده فاسدًا كلَّه، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: الحنَفيَّةِ   عندَ الحنَفيَّةِ: إنْ كان ممَّا يُمكِنُ الانتفاعُ به في الجُملةِ، فليْس له أنْ يَرُدَّه. ((تبيين الحقائق)) للزَّيلَعي (4/37)، ((العناية)) للبابرتي (6/372)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/284). ، والشَّافعيَّةِ ((روضة الطالبين)) للنَّوَوي (3/486)، ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (4/380). ، والحنابِلةِ عندَ الحنابلةِ: إنْ كان الفاسدُ في بعضِه -أي: بعضِ المَبيعِ- دونَ كلِّه رَجَع بقِسطِه -أي: قِسطِ الفاسدِ مِن الثَّمنِ- فإنْ كان الفاسدُ النِّصفَ، رجَعَ بنِصفِ الثَّمنِ، وإنْ كان الرُّبعَ، رجَعَ برُبعِه، وهكذا، وإنْ كان لمكسْورِه -أي: مَكسورِ الفاسدِ- قِيمةٌ، كبَيضِ نَعامٍ وجَوزِ هِندٍ، وبِطِّيخٍ فيه نَفعٌ؛ خُيِّر المشْتري بيْن الرَّدِّ والإمساكِ مع الأرْشِ. ((الإقناع)) للحجاوي (2/99)، ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (3/224). ؛ لأنَّ العقدَ فاسدٌ مِن أصلِه؛ لكونِه وَقَع على ما لا نفْعَ فيه يُنظر: ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (3/224).
3- أنْ يكونَ نقْصُ المَبيعِ بسَببِ استخدامِ المُشْتري
ليْس للمُشتري حقُّ الرَّدِّ بالعَيبِ إذا نقَصَ المَبيعُ بسَببِ استخدامِه، فإنْ كان في المَبيعِ عَيبٌ قَديمٌ لا يَعلَمُه، فله أرْشُ الأرْشُ: هو المبلَغُ المسترَدُّ مِن ثَمنِ السِّلعةِ إذا ظَهَر فيها عَيبٌ. يُنظر: ((الإنصاف)) للمَرْداوي (4/297)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (12/277). العَيبِ القديمِ، وهو مَذهَبُ الحنَفيَّةِ ((تبيين الحقائق)) للزَّيلَعي (4/34)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/283). والشَّافعيَّةِ ((فتح العزيز)) للرَّافعي (8/344)، ((روضة الطالبين)) للنَّوَوي (3/476)، ((مغني المحتاج)) للشِّربيني (2/58). ، ورِوايةٌ عندَ الحنابِلةِ ((الإنصاف)) للمرداوي (4/299). ، واختارَه ابنُ تَيميَّةَ يُنظر: ((الإنصاف)) للمرداوي (4/299).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّ بالرَّدِّ إضرارًا بالبائعِ؛ لأنَّه خرَجَ عن مِلكِه سالمًا عن العَيبِ الثَّاني، ولا بُدَّ مِن دفْعِ الضَّررِ عنْهما، فتَعيَّن الرُّجوعُ بالنُّقصانِ، إلَّا أنْ يَرْضى البائعُ بأخْذِه يُنظر: ((تبيين الحقائق)) للزَّيلَعي (4/34).
ثانيًا: لأنَّه أخَذَه بعَيبٍ، فلا يَرُدُّه بعَيْبينِ، والضَّررُ لا يُزالُ بالضَّررِ يُنظر: ((مغني المحتاج)) للشِّربيني (2/58).
الفَرعُ الثَّالثُ: تَلَفُ المعقودِ عليه عندَ المُشْتري كأنْ يَشترِيَ السِّلعةَ، ثمَّ يَجِدَ فيها العيبَ، وقبْلَ أنْ يَرُدَّها على البائعِ، تَتلَفُ عندَه بالموتِ إذا كانت دابَّةً، أو كأنْ يَتصرَّفَ فيها بالهِبةِ.
ليْس للمُشتري حقُّ الرَّدِّ بالعَيبِ إذا تَلِفَت السِّلعةُ المَعيبةُ قبْلَ ردِّها على البائعِ، وله الأرْشُ الأرْشُ: هو المبلَغُ المسترَدُّ مِن ثَمنِ السِّلعةِ إذا ظَهَر فيها عَيبٌ. يُنظر: ((الإنصاف)) للمَرْداوي (4/297)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (12/277). ، وذلك باتِّفاقِ المذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحنَفيَّةِ ((البحر الرائق)) لابن نُجَيم (6/58)، ويُنظر: ((بدائع الصناع)) للكاساني (5/283). ، والمالكيَّةِ ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (3/133، 134)، ويُنظر: ((الذخيرة)) للقرافي (5/98). ، والشَّافعيَّةِ ((روضة الطالبين)) للنَّوَوي (3/474)، ((مغني المحتاج)) للشِّربيني (2/54). ، والحنابِلةِ ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مُفلِح (6/479)، ((الإنصاف)) للمرداوي (4/301، 302). ؛ وذلك لأنَّه بتَلَفِ المَبيعِ يَفُوتُ مَحلُّ الرَّدِّ يُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/283)، ((الذخيرة)) للقرافي (5/98).
الفَرعُ الرَّابعُ: زَوالُ العَيبِ عندَ المُشْتري
يَمنَعُ مِن الرَّدِّ زَوالُ العَيبِ قبْلَ المطالَبةِ بالفسْخِ، وذلك باتِّفاقِ المذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحنَفيَّةِ ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (13/96)، ((الفتاوى الهندية)) (3/69). ، والمالكيَّةِ ((التاج والإكليل)) للموَّاق (4/440)، ((مواهب الجليل)) للحطَّاب (6/354). ، والشَّافعيَّةِ ((المجموع)) للنَّوَوي (5/470)، ((روضة الطالبين)) للنَّوَوي (2/228)، ويُنظر: ((المهذب)) للشيرازي (2/50)، ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (2/73). ، والحنابِلةِ ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (3/215) و(5/112)، ويُنظر: ((المحرر)) لابن تَيميَّةَ (1/328). ؛ وذلك لأنَّ الموجِبَ للخيارِ قدْ زال، والعقدُ قائمٌ، فيَزولُ الخِيارُ يُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (4/196).

انظر أيضا: