الموسوعة الفقهية

المَبحَثُ الثَّاني: مشروعيَّةُ الوَكالةِ على الخُصومةِ


تَصِحُّ الوَكالةُ على الخُصومةِ، باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحَنَفيَّةِ [172] (( المبسوط)) للسَّرَخْسي (19/9)، ((الهداية)) للمَرْغيناني (3/ 136)، ((الفتاوى الهندية)) (3/ 615). ، والمالِكيَّةِ [173] ((الشرح الكبير)) للدردير (3/ 378)، ((مختصر خليل)) (ص: 181).            ، والشَّافِعيَّةِ [174] ((الغرر البهية)) لزكريا الأنصاري (3/ 176)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (3/238).          ، والحَنابِلةِ [175] ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مُفلِح (4/345)، ((كشاف القناع)) للبُهوتي (3/ 463). ، وحُكيَ الإجماعُ على صِحَّتِها للمريضِ العاجِزِ عن الخروجِ إلى مجلِسِ الحُكمِ، والغائِبِ عن المِصْرِ [176] قال ابنُ المُنذِرِ: (أجمعَ كُلُّ مَن نحفَظُ عنه مِن أهلِ العِلمِ أنَّ للمَريضِ العاجِزِ عن الخُروجِ إلى مجلِسِ الحُكمِ، والغائِبِ عن المِصرِ، يُوَكِّلُ واحِدٌ منهما وكيلًا يطالِبُ له حَقَّه، ويتكَلَّمُ عنه). ((الإجماع)) (ص: 133). وقال ابنُ عرفةَ: (الوَكالةُ على الخِصامِ لمرَضِ الموكِّلِ أو سَفَرِه، أو كونِه امرأةً لا يخرُجُ مِثلُها: جائزةٌ اتِّفاقًا). ((مواهب الجليل)) (7/168). .
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: من الكِتابِ
1- قَولُه تعالى: وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [النساء: 105] .
وَجهُ الدَّلالةِ:
في الآيةِ دليلٌ على تحريمِ الخُصومةِ في باطِلٍ، والنِّيابةِ عن المُبطِلِ في الخُصوماتِ الدِّينيَّةِ والحُقوقِ الدُّنيويَّةِ، ويدُلُّ مفهومُ الآيةِ على جوازِ الدُّخولِ في نيابةِ الخُصومةِ لِمَن لم يُعرَفْ منه ظُلمٌ [177] يُنظَر: ((تيسير الكريم الرحمن)) للسعدي (ص: 200).                    .
2- قَولُه تعالى: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ [الكهف: 19] .
3- قَولُه تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [التوبة: 60] .
وَجهُ الدَّلالةِ:
عمومُ الآياتِ يدُلُّ على جوازِ الوَكالةِ، فيَدخُلُ فيها الوَكالةُ على الخُصومةِ؛ فالآيةُ الأولى لمَّا أضاف الوَرِقَ إلى جميعِهم وجَعَل استنابةَ أحَدِهم، دلَّ على جوازِ الوَكالةِ [178] يُنظَر: ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (19/2)، ((الحاوي الكبير)) للماوَرْدي (6/ 1099).          ، وفي الآيةِ الثَّانيةِ دليلٌ على أنَّه يجوزُ العَمَلُ على الصَّدَقاتِ، وذلك بحُكمِ النِّيابةِ عن المُستَحِقِّين [179] يُنظَر: ((المغني)) لابن قُدامةَ (5/ 63). .
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن فاطِمةَ بنتِ قيسٍ رضِي اللهُ عنها: ((أنَّ أبا عَمرِو بنَ حَفصٍ طلَّقها البتَّةَ وهو غائِبٌ، فأرسَل إليها وَكيلَه بشَعيرٍ فسخِطَتْه، فقال: واللهِ ما لكِ علينا مِن شيءٍ، فجاءت رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فذكرَت ذلك له، فقال لها: ليس لكِ عليه نَفقةٌ)) [180] أخرجه مسلم (1480). .
وَجهُ الدَّلالةِ:
الحديثُ يدُلُّ على مشروعيَّةِ الوَكالةِ على الخُصومةِ؛ لأنَّها قد رفَعَت أمرَ وَكيلِ مُطَلِّقِها إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم يُنكِرْ عليها، وفي هذا إقرارٌ منه للوَكالةِ على الخُصومةِ [181] يُنظَر: ((شرح أدب القاضي)) للخصاف (3/402). .
ثالثًا: لأنَّه حَقٌّ يجوزُ النِّيابةُ فيه، كبقيَّةِ الحقوقِ [182] يُنظَر: ((المغني)) لابن قُدامةَ (5/65).                .
رابعًا: لأنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ إليه؛ فإنَّه قد يَعجِزُ عن المباشَرةِ بنَفسِه فيحتاجُ إلى أن يُوكِّلَ غيرَه [183] يُنظَر: ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (19/4)، ((الهداية)) للمَرْغيناني (3/136)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (5/15). .
خامسًا: جَرَيانُ العَمَلِ عليه من غيرِ نَكيرٍ [184] يُنظَر: ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (19/4).   .

انظر أيضا: