موسوعة التفسير

سورةُ الكَهفِ
الآيتان (19-20)

ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ

غريب الكلمات:

بِوَرِقِكُمْ: الوَرِقُ: الفِضَّةُ المَضروبةُ، وهي الدَّراهِمُ، وأصلُ (ورق): يدُلُّ على خَيرٍ ومالٍ [292] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/101)، ((المفردات)) للراغب (ص: 866)، ((تفسير ابن كثير)) (5/145)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 950). .
أَزْكَى: أي:  أطْيبُ، وأحلُّ، وأطهرُ، والزَّكوُ: الزِّيادةُ في الخيرِ والنَّفعِ، وأصلُ الزكاءِ: النَّماءُ والزِّيادةُ [293] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 265)، ((تفسير ابن جرير)) (15/213)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/17)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 211)، ((تفسير ابن كثير)) (5/145)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/285)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/227). .
بِرِزْقٍ: أي: بطعامٍ تأكلونَه، وقوتٍ تقتاتونَه، والرِّزقُ يُطلَقُ على ما يصِلُ إلى الجوفِ ويُتغَذَّى به؛ فيُطلَقُ على الطَّعامِ والثِّمارِ وعلى ما هو أعمُّ مِن ذلك مما يُنتفَعُ به، وأصلُ (رزق): يَدُلُّ على عطاءٍ لوَقْتٍ [294] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/214)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/388)، ((المفردات)) للراغب (ص: 351)، ((تفسير ابن عاشور)) (3/215). .
وَلْيَتَلَطَّفْ: أي: ولْيُدقِّقِ النَّظرَ، ولْيَحتَلْ حتى لا يطَّلِعَ عليه أحَدٌ، ويُعبَّرُ باللَّطافةِ واللُّطفِ عن الحَرَكةِ الخفيفةِ، وعن تعاطي الأُمورِ الدَّقيقةِ، وأصلُ (لطف): يدُلُّ على رِفقٍ [295] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/250)، ((البسيط)) للواحدي (13/568)، ((المفردات)) للراغب (ص: 740)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 211). .
يَظْهَرُوا: أي: يَطَّلِعوا ويُشرِفوا على مكانِكم أو على أنفُسِكم، والظُّهورُ أصلُه: البروزُ دونَ ساترٍ، ويُطلَقُ على الظَّفَرِ بالشَّيءِ، وعلى الغَلَبةِ على الغَيرِ، وهو المرادُ هنا [296] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/471)، ((البسيط)) للواحدي (13/569)، ((المفردات)) للراغب (ص: 540)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/286). .
يَرْجُمُوكُمْ: أي: يَقْتُلوكم بالرَّجْمِ، والرَّجْمُ: الرَّميُ بالرِّجامِ، وهي الحجارةُ، وأصلُ (رجم): الرَّميُ بالحجارةِ [297] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 265)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/493)، ((المفردات)) للراغب (ص: 345)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 212). .

المعنى الإجمالي:

حكى الله سبحانه حالَ هؤلاء الفتيةِ بعدَ استيقاظِهم مِن هذا النومِ الطويلِ، فقال: وكما أنَمْناهم وحَفِظْناهم هذه المُدَّةَ الطَّويلةَ أيقَظْناهم مِن نَومِهم على هَيئَتِهم دونَ تغيُّرٍ؛ ليسألَ بَعضُهم بعضًا: كم مِن الوَقتِ مَكَثْنا نائمينَ هنا؟ فقال بعضُهم: مَكَثْنا يومًا أو بعضَ يومٍ، ففَوَّضوا عِلْمَ ذلك إلى اللهِ لَمَّا أعياهم التحَقُّقُ، وقالوا: ربُّكم أعلَمُ بمدَّةِ نَومِكم، فأرسِلوا أحَدَكم بدراهمِكم الفِضِّيَّةِ هذه إلى مَدينتِنا، فلْيَنظُرْ: أيُّ أهلِ المدينةِ أطيَبُ وأحَلُّ طَعامًا؟ فلْيَأتِكم بقُوتٍ منه، ولْيَترفَّقْ في دخولِه المدينةَ، وشِرائِه، وخُروجِه منها، ومجيئِه إلى الكَهفِ، ولا يُعْلِمَنَّ بكم أحدًا مِن النَّاسِ؛ إنَّ قَومَكم إنْ يَعْلموا بمكانِكم، ويَظْفروا بكم؛ يَرجُموكم بالحِجارةِ، فيَقتُلوكم، أو يَرجِعوكم إلى دينِهم، فتَصِيروا كُفَّارًا مِثلَهم، ولن تَفوزوا بالخيرِ في الدُّنيا ولا في الآخرةِ -إنْ فَعلْتُم ذلك- أبدًا.

تفسير الآيتين:

وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19).
وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ.
أي: وكما أنَمْنا هؤلاء الفِتيةَ فحَفِظناهم في الكَهفِ، كذلك أيقَظْناهم مِن نَومِهم الطَّويلِ بذاتِ الحالةِ التي كانوا عليها، دونَ أن يتغيَّرَ مِن أحوالِهم وهَيئاتِهم شَيءٌ؛ ليَسألَ بَعضُهم بعضًا عن مُدَّةِ نَومِهم، فإذا تبيَّنوا طولَ الزَّمانِ عليهم، وهم بنَفسِ هَيئتِهم التي رَقَدوا بها، ازدادوا مَعرفةً بعَظيمِ سُلطانِ اللهِ وعجائِبِ قُدرتِه، وبحُسنِ دِفاعِ اللهِ عن أوليائِه، وازدادوا بصيرةً في أمْرِهم الذي هم عليه مِن التبَرُّؤِ مِن عبادةِ الآلهةِ، وإخلاصِ العبادةِ لله وَحْدَه لا شريكَ له [298] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/195، 196، 215)، ((تفسير ابن كثير)) (5/145)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/227). ظاهرُ عباراتِ كثيرٍ مِن المفسِّرينَ أنَّ اللامَ في قولِه تعالى: لِيَتَسَاءَلُوا للتعليل. ومنهم: ابنُ جرير، وابنُ الجوزي، وابنُ كثير، والشنقيطي، وصرَّح بذلك السعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/195-196)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/72)، ((تفسير ابن كثير)) (5/145)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/227)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473). قال ابن الجوزي: (أي: ليكونَ بينهم تساؤلٌ وتنازعٌ واختلافٌ في مُدَّةِ لُبثِهم، فيُفيد تساؤلُهم اعتبارَ المُعتَبِرين بحالِهم). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/72). وقيل: اللامُ هنا للعاقبةِ والصَّيرورةِ. وممَّن نَصَّ على ذلك: القرطبي، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/374)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 37). .
قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ.
أي: قال قائِلٌ مِن الفِتيةِ لأصحابِه: كم كانت مُدَّةُ نَومِكم [299] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/196)، ((تفسير البغوي)) (3/184)، ((تفسير ابن كثير)) (5/145). ؟!
قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.
أي: فأجابه الآخَرونَ بما يَظُنُّونَ: لَبِثْنا في نَومِنا يومًا كاملًا أو بعضًا منه [300] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/196)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 37). قال ابنُ كثير: (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ كان دخولُهم إلى الكهفِ في أوَّلِ نهارٍ، واستيقاظُهم كان في آخِرِ نهار؛ ولهذا استدرَكوا فقالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ...). ((تفسير ابن كثير)) (5/145). .
قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ.
أي: قالوا مُفَوِّضينَ العِلمَ لله: ربُّكم أعلَمُ منكم بمدَّةِ نَومِكم [301] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/196)، ((تفسير الشوكاني)) (3/327)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473). قال ابنُ عاشور: (القائلونَ: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ يجوز أن يكونَ جميعهم، وهو الظاهرُ. ويجوزُ أن يكونَ قَولَ بعضِهم، فأُسنِدَ إليهم؛ لأنهم رأوه صوابًا). ((تفسير ابن عاشور)) (15/284). وقال السعدي: (ولعلَّ اللهَ تعالى -بعد ذلك- أطلعَهم على مُدَّة لُبثِهم؛ لأنَّه بعَثَهم ليتساءلوا بينهم، وأخبر أنَّهم تساءلوا، وتكَلَّموا بمبلغِ ما عندهم، وصار آخِرَ أمرِهم الاشتباهُ، فلا بدَّ أن يكون قد أخبرهم يقينًا، عَلِمْنا ذلك من حكمتِه في بَعثِهم، وأنه لا يفعَلُ ذلك عبثًا، ومِن رحمتِه بمن طلب عِلمَ الحقيقة في الأمور المطلوبِ عِلمُها، وسعى لذلك ما أمكَنَه؛ فإن الله يوضِّحُ له ذلك، وبما ذُكِرَ فيما بعدَه مِن قَولِه: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا [الكهف: 21] ، فلولا أنَّه حصل العِلمُ بحالهم، لم يكونوا دليلًا على ما ذُكِر). ((تفسير السعدي)) (ص: 473). .
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
أي: قال الفِتيةُ: فأرسلوا واحِدًا مِنَّا بهذه الدَّراهِمِ الفِضِّيةِ التي بحَوزَتِنا، إلى مَدينَتِنا التي فرَرْنا منها [302] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/196)، ((تفسير ابن كثير)) (5/145)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/32)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/284). قال ابن جزي: (إن قيل: كيفَ اتَّصل بعثُ أحدِهم بتذكرِ مدةِ لبثِهم؟ فالجوابُ: أنَّهم كانوا قالوا: ربُّكم أعلمُ بما لبثتُم، ولا سبيلَ لكم إلى العلمِ بذلك، فخُذوا فيما هو أهمُّ مِن هذا وأنفعُ لكم). ((تفسير ابن جزي)) (1/461). .
فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ.
أي: فلْيَنظُرْ مَن ستُرسِلونَه: أيُّ أهلِ المدينةِ [303] قال الشوكاني: (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا أي: يَنظُر أيُّ أهلِها أطيبُ طعامًا، وأحلُّ مكسبًا، أو أرخصُ سعرًا. وقيل: يجوزُ أن يعودَ الضميرُ إلى الأطعمةِ المدلولِ عليها في المقامِ). ((تفسير الشوكاني)) (3/327). وقال ابنُ عاشور: (أي: فليَنظُرْ أيُّ مكانٍ منها هو أزكَى طعامًا، أي: أزكَى طعامُه مِن طعامِ غيرِه). ((تفسير ابن عاشور)) (15/285). أطيَبُ وأحَلُّ وأطهَرُ طعامًا مِن غَيرِه [304] قيل: معنى أَزْكَى طَعَامًا: أي: أَحَلُّ ذبيحة، قاله ابنُ عباسٍ، وعطاءٌ.وقيل: أَحَلُّ طعامًا، قاله سعيدُ بنُ جبيرٍ. وقيل: أجودُ، قاله قتادةُ. وقيل: أكثرُ، قاله عكرمةُ. وقيل غيرُ ذلك. يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (3/294)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/73). قال الشنقيطي: (في قولِه في هذه الآيةِ: أَزْكَى قولانِ للعلماءِ: أحدهما: أنَّ المرادَ بكونِه أَزْكَى: أطيبُ؛ لكونِه حلالًا ليسَ ممَّا فيه حرامٌ ولا شبهةٌ. والثَّاني: أنَّ المرادَ بكونِه أزكَى: أنَّه أكثرُ... والقولُ الأوَّلُ هو الَّذي يدلُّ له القرآنُ؛ لأنَّ أكلَ الحلالِ والعملَ الصَّالحَ أمَر اللَّهُ به المؤمنينَ كما أمَر المرسلينَ، قال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا الآيةَ [المؤمنون: 51] ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة: 172]، ويكثرُ في القرآنِ إطلاقُ مادَّةِ الزَّكاةِ على الطَّهارةِ... فاللَّائقُ بحالِ هؤلاءِ الفتيةِ الأخيارِ المتَّقينَ أنْ يكونَ مطلبُهم في مأكلِهم الحليةَ والطَّهارةَ، لا الكثرةَ). ((أضواء البيان)) (3/227). ، فلْيَشتَرِ لكم قُوتًا منه، ولْيُحضِرْه إليكم لِتَأكلوه [305] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/213، 214)، ((تفسير ابن كثير)) (5/145)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/285)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/227). .
وَلْيَتَلَطَّفْ.
أي: ولْيَترفَّقِ الذي ستُرسِلونَه لشِراءِ الطَّعامِ، فيتخَفَّ ويتحَيَّلْ في دخولِه المدينةَ، وشِرائِه، وخُروجِه منها، ومجيئِه إلى الكَهفِ [306] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/214)، ((تفسير ابن عطية)) (3/506)، ((تفسير ابن كثير)) (5/145). .
وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا.
أي: ولا يُعلِمَنَّ أحدًا من النَّاسِ بمَكانِكم الذي تختَبِئونَ فيه، فلا يقولَنَّ أو يفعَلَنَّ ما يُؤدِّي مِن غيرِ قَصدٍ منه إلى الشُّعورِ بكم [307] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/579)، ((تفسير ابن جرير)) (15/214)، ((تفسير الرازي)) (21/446)، ((تفسير القرطبي)) (10/375)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/32)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/286). .
إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا نَهَوا رسولَهم عن الإشعارِ بهم، عَلَّلوا ذلك، فقالوا [308] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/38). :
إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ.
أي: وذلك لأنَّ قَومَكم الكُفَّارَ إن يَعلَموا بمكانِكم في الكَهفِ ويَظفَروا بكم، يَقتُلوكم رَجمًا بالحِجارةِ إن ثَبَتُّم على ما أنتم عليه مِن الحَقِّ [309] يُنظر: ((المفردات)) للأصفهاني (ص: 540)، ((تفسير ابن عطية)) (3/506)، ((تفسير ابن كثير)) (5/145)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/32)، ((تفسير أبي السعود)) (5/214)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/286)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/250). وقيل: المعنى: يرجموكم شتمًا بالقولِ. وممن قال بذلك: ابنُ جريرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/214). .
أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ.
أي: أو يَرجِعوكم لِتَدخُلوا قَهرًا في دِينِهم، فتُصبِحوا كُفَّارًا مِثلَهم [310] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/215)، ((تفسير ابن كثير)) (5/145)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/32)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/287). قال الشوكاني: (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ أي: يَرُدُّوكم إلى مِلَّتِهم الَّتي كنتُم عليها قبلَ أنْ يهدِيَكم اللَّهُ، أو المرادُ بالعودِ هنا: الصَّيْرورَةُ، على تقديرِ أَنَّهم لم يَكونوا على مِلَّتِهم). ((تفسير الشوكاني)) (3/327). قال الزمخشري: (والعَودُ في معنى الصَّيرورةِ أكثَرُ شَيءٍ في كلامِهم؛ يقولون: ما عُدتُ أفعلُ كذا، يريدون ابتداءَ الفعلِ). ((تفسير الزمخشري)) (2/711). ويُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/214). .
كما قال تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [الأعراف: 88- 89].
وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا.
أي: ولن تَفوزوا بالخَيرِ أبدًا في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ إن عُدتُم في ملَّتِهم [311] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/215)، ((البسيط)) للواحدي (13/570)، ((تفسير ابن كثير)) (5/146)، ((تفسير أبي السعود)) (5/214)، ((تفسير الكهف)) لابن عثيمين (ص: 40). قال البقاعي: (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أي: إذا عُدتُم فيها مُطمئنِّينَ بها؛ لأنَّكم وإن أُكرِهتُم ربما استدرجَكم الشيطانُ بذلك إلى الإجابةِ حَقيقةً). ((نظم الدرر)) (12/39). .

الفوائد التربوية:

1- قَولُ الله تعالى: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ دَلَّ على الحَثِّ على العِلمِ، وعلى المُباحثةِ فيه؛ لِكَونِ اللهِ بعَثَهم لأجلِ ذلك [312] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:472). .
2- قَولُ الله تعالى: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فيه الأدَبُ فيمن اشتَبَه عليه العِلمُ؛ أن يَرُدَّه إلى عالِمِه، وأن يَقِفَ عند حَدِّه [313] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:472). .
3- قَولُ الله تعالى: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ السَّعيَ في إمساكِ الزَّادِ أمرٌ مُهِمٌّ مَشروعٌ، وأنَّه لا يُبطِلُ التوكُّلَ على اللهِ تعالى؛ إذ حَقيقةُ التوكُّلِ على اللهِ تعالى: تهيئةُ الأسبابِ، واعتِقادُ أنْ لا مُسَبِّبَ للأسبابِ إلَّا اللهُ تعالى [314] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/357). ، فتزوُّدُهم ما كان معهم مِن الوَرِقِ عندَ فِرارِهم دَليلٌ على أنَّ حَملَ النَّفَقةِ وما يُصلِحُ المسافِرَ، هو رأيُ المتوكِّلينَ على اللهِ دونَ المُتَّكِلينَ على الاتِّفاقاتِ، وعلى ما في أوعيةِ القَومِ مِن النَّفَقاتِ [315] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/710). .
4- قَولُ الله تعالى: وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا فيه الحَثُّ على التحَرُّزِ، والاستخفاءِ، والبُعدِ عن مواقِعِ الفِتَنِ في الدِّينِ، واستِعمالِ الكِتمانِ في ذلك على الإنسانِ وعلى إخوانِه في الدِّينِ [316] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 472). . وفيه أيضًا دَليلٌ على أخْذِ الحَذَرِ مِن الأعداءِ بكُلِّ وسيلةٍ، إلَّا الوسائلَ المُحَرَّمةَ؛ فإنَّها مُحرَّمةٌ لا يجوزُ أنْ يقعَ الإنسانُ فيها [317] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 40). .
5- قَولُ الله تعالى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا دَلَّ على ذِكرِ ما اشتملَ عليه الشرُّ مِن المضارِّ والمفاسِدِ الدَّاعيةِ لبُغضِه وتَرْكِه، وأنَّ هذه الطريقةَ هي طريقةُ المؤمنينَ المتقَدِّمينَ والمتأخِّرينَ؛ لِقَولِهم: وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [318] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 472). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- قال الله تعالى حكايةً عن أصحابِ الكهفِ: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا لم يعثُرْ عليهم أحَدٌ مع قُربِهم من المدينةِ جِدًّا، والدَّليلُ على قُربِهم أنَّهم لَمَّا استيقظوا أرسلوا أحَدَهم يشتري لهم طعامًا من المدينةِ، وبَقُوا في انتظارِه؛ فدَلَّ ذلك على شِدَّةِ قُربِهم منها [319] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 472). .
2- قَولُه تعالى: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ أصلٌ في الوَكالةِ والنِّيابةِ [320] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 170). ، وفيه دليلٌ على صحةِ الوكالةِ في البيعِ والشراءِ [321] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 473). ، والوَكالةُ عَقدُ نيابةٍ أذِنَ الله فيه للحاجةِ إليه، وقيامِ المَصلحةِ به؛ إذ يَعجِزُ كُلُّ أحدٍ عن تناوُلِ أمورِه إلَّا بمعونةٍ مِن غَيرِه، أو يترَفَّهُ فيستنيبُ من يُريحُه، حتى جاز ذلك في العباداتِ؛ لُطفًا منه سبحانَه، ورِفقًا بضَعَفةِ الخليقةِ؛ ذكَرَها الله كما تَرَون، وبيَّنَها رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم كما تسمَعونَ، وهو أقوَى آيةٍ في الغَرَضِ [322] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/220). .
3- قَولُ الله تعالى: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ يدُلُّ على جوازِ خَلطِ دراهِمِ الجماعةِ، والشِّراءِ بها، والأكلِ مِن الطَّعامِ الذي بينهم بالشَّرِكةِ، وإن كان فيهم مَن يأكُلُ أكثَرَ ومَن يأكُلُ أقَلَّ؛ وذلك أنَّه قال: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ  إِلَى الْمَدِينَةِ فأضاف الوَرِقَ إلى الجَميعِ [323] يُنظر: ((أحكام القرآن)) للكيا الهراسي (4/265). .
4- إنْ قيل: أليس أنَّهم لو أُكرِهوا على الكفرِ حتى أظهَروا الكفرَ لم يكنْ عليهم مضرَّةٌ، فكيفَ قالوا: وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا؟
وأُجِيب: أنَّهم خافوا أنَّهم لو بَقُوا على الكفرِ مُظهرينَ له، فقد يميلُ بهم ذلك إلى الكفرِ الحقيقيِّ، فكان خوفُهم بسببِ هذا الاحتمالِ [324] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/358). .
وقيل: إنَّ العُذرَ بالإكراهِ مِن خَصائِصِ هذه الأمَّةِ؛ لأنَّ قَولَه عن أصحابِ الكَهفِ: إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ظاهِرٌ في إكراهِهم على ذلك، وعدَمِ طواعِيتِهم، ومع هذا قال عنهم: وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا؛ فدَلَّ ذلك على أنَّ ذلك الإكراهَ ليس بعُذرٍ [325] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/251). .

بلاغة الآيتين:

1- قوله تعالى: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا
     - قولُه: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ الكافُ للتَّشبيهِ، والإشارةُ بـ (ذلك) إلى المذكورِ من إنامتِهم وكيفيَّتِها، أي: كما أنَمْناهم قُرونًا بعَثْناهم [326] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/155). ، ووجْهُ الشَّبهِ: أنَّ في الإفاقةِ آيةً على عظيمِ قُدرةِ اللهِ تعالى مثْلَ آيةِ الإنامةِ. ويجوزُ أنْ يكونَ تَشبيهُ البَعثِ المذكورِ بنفْسِه؛ للمُبالغةِ في التَّعجيبِ [327] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/284). .
     - قولُه: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ فيه الاقتصارُ على ذِكْرِ التَّساؤُلِ بينهم؛ لاستتباعِه لسائرِ آثارِه، والتَّقديرُ: ليَسألَ بعضُهم بعضًا، فيترتَّبُ عليه ما فُصِّلِ من الحِكَمِ البالغةِ. وجعْلُه غايةً للبعثِ المُعلَّلِ فيما سبَقَ بالاختبارِ، مِن حيثُ إنَّه من أحكامِه المُترتِّبةِ عليه [328] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/213). .
     - وجُملةُ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ بَيانٌ لجُملةِ لِيَتَسَاءَلُوا، وسُمِّيَت هذه المُحاورةُ تَساؤُلًا؛ لأنَّها تحاوُرٌ عن تطلُّبِ كلٍّ رأيَ الآخرِ؛ للوُصولِ إلى تَحقيقِ المُدَّةِ. والَّذين قالوا: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ هم مَن عدا الَّذي قال: كَمْ لَبِثْتُمْ، وأسنَدَ الجوابَ إلى ضَميرِ جماعتِهم؛ إمَّا لأنَّهم تَواطؤوا عليه، وإمَّا على إرادةِ التَّوزيعِ، أي: منهم مَن قال: لبِثْنا يومًا، ومنهم قال: لبِثْنا بعضَ يومٍ، وعلى هذا يَجوزُ أنْ تكونَ (أو) للتَّقسيمِ في القولِ؛ بدَليلِ قولِه بعْدُ: قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ، أي: لمَّا اخْتَلفوا رجَعوا، فعَدلوا عن القولِ بالظَّنِّ إلى تَفويضِ العلْمِ إلى اللهِ تعالى، وذلك من كَمالِ إيمانِهم [329] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/284). .
     - وتَفريعُ قولِهم: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ على قولِهم: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ؛ لأنَّه في معنى: فدَعوا الخوضَ في مُدَّةِ اللُّبثِ؛ فلا يعلَمُها إلَّا اللهُ، وخُذوا في شَيءٍ آخرَ ممَّا يهُمُّكم [330] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/710). ، وهو قريبٌ من الأُسلوبِ الحكيمِ، وهو تلقِّي السَّائلِ بغيرِ ما يتطلَّبُ؛ تَنبيهًا على أنَّ غيرَه أولَى بحالِه، ولولا قولُهم: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ، لكانَ قولُهم: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ عيْنَ الأُسلوبِ الحكيمِ [331] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/284). .
     - قولُه: وَلْيَتَلَطَّفْ، أي: ولْيتكلَّفِ اللُّطفَ في الاستخفاءِ؛ لئلَّا يُعْرَفَ، وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا مِن أهْلِ المدينةِ؛ فإنَّه يَستدْعي شُيوعَ أخبارِكم، أي: لا يفعلَنَّ ما يُؤدِّي إلى ذلك؛ فالنَّهيُ على ذلك تأكيدٌ للأمْرِ بالتَّلطُّفِ [332] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/214). .
     - قولُه: وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا سُمِّيَ ذلك إشعارًا منه بهم؛ لأنَّه سبَبٌ فيه؛ فالتَّقديرُ: ولا يفعلَنَّ ما يُؤدِّي من غيرِ قصْدٍ منه إلى الشُّعورِ بنا [333] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/711)، ((تفسير أبي حيان)) (7/156-157). .
وقيل: ولا يُخبِرَنَّ بوُجودِكم أحدًا؛ فهنا مُضافٌ مَحذوفٌ دَلَّت عليه دَلالةُ الاقتضاءِ [334] دلالةُ الاقتضاءِ: هي دلالةُ اللفظِ على مقصودٍ محذوفٍ لا بدَّ مِن تقديرِه؛ لتوقُّفِ الصدقِ أو الصحةِ عليه. يُنظر: ((إجابة السائل شرح بغية الآمل)) لابن الأمير (ص: 355)، ((مذكرة في أصول الفقه)) للشنقيطي (ص: 283). ، فيشمَلُ جميعَ أحوالِهم؛ من عدَدِهم ومكانِهم وغيرِ ذلك [335] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/286). .
     - والنُّونُ في وَلَا يُشْعِرَنَّ لتَوكيدِ النَّهيِ؛ تَحذيرًا من عَواقبِه المُضمَّنةِ في جُملةِ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ [336] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/286). .
2- قولُه تعالى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا عِلَّةٌ للأمْرِ بالتَّلطُّفِ، والنَّهيِ عن إشعارِ أحدٍ بهم [337] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/214)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/286). ، وبَيانٌ لوجْهِ تَوكيدِ النَّهيِ بالنُّونِ في وَلَا يُشْعِرَنَّ؛ فهي واقعةٌ موقعَ العلَّةِ والبَيانِ، وكِلاهما يَقْتضي فصْلَها عمَّا قبْلَها [338] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/286). .
     - وفي قولِه: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ تَقديمُ احتمالِ الرَّجمِ على احتمالِ الإعادةِ؛ لأنَّ الظَّاهرَ من حالِهم هو الثَّباتُ على الدِّينِ المُؤدِّي إليه [339] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/214). .
     - قولُه: أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ فيه إيثارُ كلمةِ (في) على كلمةِ (إلى)؛ للدَّلالةِ على الاستقرارِ الَّذي هو أشَدُّ شَيءٍ عندهم كراهةً [340] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/214). .
     - قولُه: وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا فيه تأكيدُ التَّحذيرِ من الإرجاعِ إلى مِلَّتِهم بأنَّها يترتَّبُ عليها انتفاءُ فَلاحِهم في المُستقبَلِ؛ لِما دلَّتْ عليه (إذن) مِن الجَزائيَّةِ. وأَبَدًا ظرفٌ للمُستقبَلِ كلِّه، وهو تأكيدٌ لِما دَلَّ عليه النَّفيُ بـ (لن) من التَّأبيدِ أو ما يُقارِبُه [341] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/287). ، وفيه من التَّشديدِ في التَّحذيرِ ما لا يَخْفى [342] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/214). .
     - وضَميرُ الخِطابِ في المواضعِ الأربعةِ (عَلَيْكُمْ - يَرْجُمُوكُمْ - يُعِيدُوكُمْ - وَلَنْ تُفْلِحُوا)؛ للمُبالَغةِ في حملِ المبعوثِ على الاستخفاءِ، وحَثِّ الباقينَ على الاهتمامِ بالتَّوصيةِ؛ فإنَّ تَمحيضَ النُّصحِ أدخَلُ في القَبولِ، واهتمامُ الإنسانِ بشأْنِ نفْسِه أكثَرُ وأوفَرُ [343] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/214). .