موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيات (7-10)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ

غريب الكلمات:


سَدِيدًا: أي: قاصدًا إلى الحَقِّ، مِن السَّداد، وهو: الصَّوابُ والقصدُ في القول، وأصله: الاستقامة [161] ينظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (1/121)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/259)، ((المفردات)) للراغب (1/403)، ((التبيان)) لابن الهائم (1/136)، ((الكليات)) للكفوي (1/519). .
سَعِيرًا: أي: نارًا تَتسعَّر، أي: تشتعِل وتتَّقِد وترتِفع، والسَّعير اسمٌ من أسماءِ جهنَّمَ [162] ينظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/259)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/75)، ((المفردات)) للراغب (1/411)، ((التبيان)) لابن الهائم (1/136)، ((الكليات)) للكفوي (1/521). .

المَعنَى الإجمالي:


يُخبر اللهُ تعالى أنَّ للرِّجالِ والنِّساءِ نصيبًا من التَّرِكة التي يُخلِّفها المورِّثُ، من الوالدين أو الأقربينَ، سواء كان الإرثُ قليلًا أو كثيرًا، نَصيبًا واجبًا معيَّنَ المقدار.
ثم يُرشد تعالى إلى أنه إنْ حضَرَ وقتَ تقسيمِ التركةِ الأقاربُ غيرُ الوارثينَ، والأيتامُ وذوو الحاجة، فلْيُعْطَوا منها، ولْيُحسَنْ إليهم بالقول الحسَن؛ تطييبًا لنفوسِهم.
ثم يأمُر اللهُ تعالى الأوصياءَ أن يخشَوْه ويتَّقُوه في أمْر اليتامى، فيفعلوا بهم مِثل ما يحبُّون أن يُفعَل بذريَّتهم الضِّعافِ بعدَ وفاتهم، وقِيل غير ذلك.
ثم يُخبر الله تعالى متوعِّدًا الذين يأكلونَ أموالَ الأيتام بغير حقٍّ، أنَّهم إنما يأكلونَ في بطونهم نارًا يوم القيامة، وسيكون مصيرُهم نارًا مشتعلةً شديدة الحرِّ.

تفسير الآيات:


لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ
أي: إنَّ الذكورَ والإناث يستوونَ في أصْل الوراثةِ في حُكم الله تعالى؛ فكلٌّ ينالُ من الإرث قِسطًا وحِصَّةً، مما خلَّفَه الميِّت، وإن تفاوتوا بحَسَب ما فرَض الله تعالى لكلٍّ منهم، بما يُدلي به إلى الميِّت من قرابةٍ، أو زوجيَّةٍ، أو وَلاء يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/429)، ((تفسير ابن كثير)) (2/219)، ((تفسير السعدي)) (ص: 165). .
مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
لَمَّا بيَّن أنَّ للرِّجال وللنساءِ نصيبًا من التَّرِكة، ووربما يُتوهَّم أنَّ النساءَ والولدانَ ليس لهم نصيبٌ إلَّا من المالِ الكثير، أزالَ ذلك بقولِه يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 165). :
مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ
أي: للذُّكورِ والإناث نصيبٌ من الإرث، سواء كان قليلًا أو كثيرًا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/429)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/50-51). .
نَصِيبًا مَفْرُوضًا
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ الله تعالى أنَّ لكلٍّ من الذكور والإناث نصيبًا، في قليلِ الإرثِ وكثيره، بيَّن هنا أنَّ ذلك النَّصيب ليس راجعًا إلى العُرْف والعادة، وليس لهم أن يَتصرَّفوا فيه كما يَشاؤونَ يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 165). ؛ لذا قال:
نَصِيبًا مَفْرُوضًا
أي: ذلك النَّصيب لكلٍّ منهم، حصَّةٌ واجبةٌ، معيَّنةُ المقدار يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/429)، ((تفسير السعدي)) (ص: 165)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/250). .
وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
أنَّه تعالى لَمَّا ذكَر في الآيةِ الأولى أنَّ النساءَ كالرِّجال في أنَّ لهن حظًّا من الميراث، وعَلِم تعالى أنَّ في الأقاربِ مَن يرث ومَن لا يرث، وأنَّ الذين لا يرِثون إذا حضروا وقتَ القِسمة، فإنْ تُرِكوا مَحرومينَ بالكليَّة ثقُل ذلك عليهم؛ فلا جرمَ أمَر الله تعالى- على سبيل النَّدبِ- أنْ يُدفَعَ إليهم شيءٌ عند القِسمة؛ حتى يحصُل الأدبُ الجميل، وحُسن العِشرة يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/503). ، فقال تعالى:
وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ
أي: إذا حضَر توزيعَ الميراثِ الأقاربُ غيرُ الوارثين، والأيتامُ، والمحتاجون يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/221)، ((تفسير السعدي)) (ص: 165)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/53). .
فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ
أي: فأعطوهم شيئًا ممَّا تيسَّر من هذه التَّركة؛ برًّا بهم، وإحسانًا إليهم، وجبرًا لخواطرهم بما لا يضُرُّكم؛ فإنَّ نفوسَهم متشوِّفةٌ إليه يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/221)، ((تفسير السعدي)) (ص: 165)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/54). .
وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أمَر الله تعالى بالإحسانِ إليهم بالفِعل، أمَرَ بعد ذلك بالإحسانِ إليهم بالقول يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/54). ، فقال سبحانه:
وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا
أي: فلْتقولوا لهم قولًا حسنًا جميلًا، تَطِيبُ به نفوسُهم يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (5/50)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/252)، ((تفسير السعدي)) (ص: 165)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/54). قال القرطبيُّ: (قوله تعالى: وَقُولُوا لَهُمْ قَولًا مَعْرُوفًا قال سعيد بن جُبير: يقال لهم خُذوا، بورِك لكم. وقيل: قولوا مع الرِّزق: وددتُ أنْ لو كان أكثرَ من هذا. وقيل: لا حاجةَ مع الرِّزق إلى عُذر، نعمْ إنْ لم يصرف إليهم شيءٌ، فلا أقلَّ مِن قولٍ جميل، ونوع اعتذارٍ) ((تفسير القرطبي)) (5/50). .
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أعادَ الله تعالى الوصيةَ باليتامى مرةً بعدَ أخرى، وختَم بالأمرِ بإِلَانةِ القول، وكان للتصويرِ في التأثيرِ في النَّفس ما ليس لغيرِه؛ أعادَ الوصيةَ بهم؛ لضعْفِهم، مصوِّرًا لحالِهم يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/201). ، فقال:
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)
قيل المعنى: مَن سمِع مُحتضَرًا، قد ظلَم في وصيَّته أو أضرَّ بسببها بوَرَثَته، فعليه أن يتَّقيَ اللهَ تعالى، ويأمرَه بالعدلِ فيها، ويُسدِّدَه للصَّوابِ، كما يحبُّ أن يُصنَعَ بورثتِه إذا خَشِي عليهم الضَّيْعةَ يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (5/50)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/252)، ((تفسير السعدي)) (ص: 165)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/54). وممَّن قال من السَّلف بهذا القول: ابن عبَّاس، وقتادة، والسُّدِّي، وسعيد بن جُبَير، والضَّحَّاك، ومجاهد. انظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/446). و((تفسير ابن أبي حاتم)) (3/877). .
وقيل المراد: أنَّ على أولياء اليتامى معاملتَهم في مصالحهم الدِّينيَّة والدنيويَّة، بما يحبُّون أن يُعامَل به ذُريَّتُهم الضِّعافُ من بعدِهم، فلْيتَّقُوا الله تعالى في وِلايتِهم لهم، فكما تحبُّ أن تُعامَل ذرِّيتُك من بعدك، فعامِل الناسَ في ذرِّياتِهم إذا وَلِيتَهُم يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/222)، ((تفسير السعدي)) (ص: 165)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/252). وممَّن قال بهذا القول من السَّلف: ابن عبَّاس- في رواية عنه. انظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/451). .
عن سعد بن أبي وقَّاصٍ رضِي اللهُ عنه، قال: ((تشكَّيتُ بمكةَ شكوى شديدةً، فجاءني النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يعودني، فقلتُ: يا نبيَّ اللهِ، إني أترُك مالًا، وإني لم أترُكْ إلَّا ابنةً واحدةً، فأُوصِي بثُلثَي مالي وأتركُ الثُلثَ؟ فقال: لا، قلتُ: فأُوصِي بالنِّصفِ وأترك النصفَ؟ قال: لا، قلتُ: فأُوصِي بالثُّلثِ وأترُك لها الثُّلثينِ؟ قال: الثُّلث، والثلثُ كثيرٌ )) رواه البخاري (5659) واللفظ له، ومسلم (1628). .
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا طالَ التحذيرُ والزَّجرُ والتهويلُ في شأنِ اليتامى، وكان ذلك ربَّما أوجب النفرةَ من مخالطتهم رأسًا، فتضيع مصالحُهم؛ وصَل بذلك ما بَيَّن أنَّ ذلك خاصٌّ بالظَّالم في سياقٍ موجبٍ لزِيادة التحذيرِ، متوعِّدًا على ذلك بـأشدِّ العذابِ يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/202)، ((تفسير السعدي)) (ص: 165-166). ، فقال:
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا
أي: إنَّ الذين يأكلون أموالَ اليتامى في الدُّنيا بغير حقٍّ، سيُعاقَبون على ذلك بأنْ تَتأجَّجَ في بطونهم نارٌ يومَ القيامةِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/454)، ((تفسير ابن كثير)) (2/222)، ((تفسير السعدي)) (ص: 165-166)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/62). .
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَر الله تعالى عِقابَهم بالنارِ في أجوافِهم، ذكَر بعدَها عِقابَهم بالنارِ في ظاهرِ أجسادِهم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/63). ، فقال:
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
أي: وسيُحرَقون بنارٍ مشتعلة، متوقِّدة، شديدٍ حرُّها يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/455-456)، ((تفسير السعدي)) (ص: 166). .
وعن أبي هُريرةَ رضِي اللهُ عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((اجتَنِبوا السبعَ الموبقاتِ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما هنَّ؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسحرُ، وقتلُ النَّفْسِ التي حرَّم اللهُ إلَّا بالحقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليتيمِ، والتولِّي يومَ الزحفِ، وقذفُ المحصناتِ المؤمناتِ الغافلاتِ )) رواه البخاري (6857) واللفظ له، مسلم (89). .

الفوائد التربوية:


1- تقديمُ الرِّجالِ على النِّساءِ حتَّى في الأمْر الذي يَشترِكون في الاستحقاقِ فيه، ووجهُ الدَّلالة: قوله: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ، وهذا هو المشروعُ والمعقولُ والفِطري، وقد عَكَس ذلك مَن عكَس اللهُ قلوبَهم مِن الكفرةِ والمبهورين بهم؛ حيث قدَّموا النِّساءَ على الرِّجال، وهذا خطأٌ عظيم؛ لأنَّ الرِّجالَ مُقدَّمون على النِّساء، وهم قوَّامونَ عليهنَّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/51). .
2- ما جاءَ به الإسلامُ من الآداب العالية، والأخلاق الفاضلة؛ حيث أمَرنا بأن نُعطيَ هؤلاء الذين حضَروا القِسمة؛ لأنَّ قلوبهم تتعلَّق بالمال، وتتشوَّفُ للنَّوال؛ فلهذا أمَرَ الشرعُ بإعطائهم؛ قال تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/55). .
3- أنَّه يَنبغي لمن أعطى أحدًا شيئًا أن يقول له قولًا معروفًا يُطَيِّب قلْبَه، ويُبعِدُه من المنِّ بالعطاء؛ لأنَّ المنَّ بالصَّدقة من كبائر الذنوب، وهو مُبطِلٌ للأجْر؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/56). [البقرة: 264].
4- قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا أمرٌ للأوصياء بأنْ يَخشَوُا اللهَ تعالى ويتَّقوه في أمْر اليتامى، فيفعلوا بهم ما يُحبُّون أن يُفعَل بذَراريِّهم الضِّعافِ بعدَ وفاتهم يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/147). ، وفي ترتيب الأمْرِ على هذا: إشارةٌ إلى أنَّ المقصودَ منه، والعِلَّة فيه: أنْ يُحبَّ لأولادِ غيرِه ما يحبُّ لأولاده، وتهديدٌ للمُخالِف بحال أولاده يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/62). ، فيجبُ على المرء أن يُعامِلَ الناس بما يحبُّ أن يعاملوه به؛ لأنَّه إذا كان يَكره لنفْسه أن يَعتديَ أحدٌ على أولاده بعد موته، فكذلك لا يَعتدي هو على أولادِ النَّاسِ، فإذا أراد أنْ يَجنيَ على غيرِه فليتذكَّرْ نفْسَه، فمثلًا إن كان يَهُمُّ بأنْ يَزنيَ بامرأة، فليتذكَّر هلْ يَرضَى أنْ يَزنيَ أحدٌ بإحْدى محارمِه؟! فإذا كان لا يَرضَى؛ فلماذا يرَضَى أنْ يَزنيَ بمحارمِ الناس؟! يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/60- 61). .
5- في قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ما يبعثُ الناسَ كلَّهم على أنْ يَغضَبوا للحقِّ مِن الظُّلم، وأنْ يأخُذوا على أَيدي أَولياءِ السُّوءِ، وأنْ يَحرُسوا أموالَ اليَتامى ويُبَلِّغوا حقوقَ الضُّعفاءِ إليهم؛ لأنَّهم إنْ أضاعوا ذلك يُوشِكْ أنْ يَلحَقَ أبناءَهم وأموالَهم مِثلُ ذلك، وأنْ يأكُلَ قويُّهم ضعيفَهم؛ فإنَّ اعتيادَ السُّوءِ يُنسي الناسَ شَناعتَه، ويَكسِبُ النُّفوسَ ضراوةً على عَملِه يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/253). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائف:


1- أنَّ الأوامرَ قد تكون مُوكَلةً إلى المأمور غيرَ مقدَّرة؛ لقوله: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ، ولم يقل: الثُّلث، ولا الرُّبع، ولا العشر، بل جَعَل هذا مطلقًا؛ فهو يرجع إلى كرَم المعطي من وجهٍ، وإلى كثرة المال من وجهٍ آخَرَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/55). .
2- في قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ قدَّمَ أُولي القُربى على اليتامى والمساكين؛ لـأنَّ الإحسانَ إلى القَرابةِ أفضلُ من الإحسانِ إلى اليتيمِ والمسكينِ؛ ولهذا لَمَّا أخبرتْ ميمونةُ بنتُ الحارثِ رضِي اللهُ عنها رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّها أعتقتْ جاريةً لها، قال لها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((لو أَعطيتِها أخوالَكِ، كان أَعظمَ لأجْرِكِ )) رواه البخاري (2592)، ومسلم (999) واللفظ له. ؛ فدلَّ هذا على أنَّ إعطاء ذَوِي الأرحامِ أفضلُ من إعطاءِ البَعيدِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/56). .
3- أنَّ الجزاء مِن جِنس العمل؛ لأنَّه قابَل أكْلهم بالنار التي يُعذَّبون بها، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/63). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ
- قوله: وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ: فيه إيرادُ حُكمِ النساءِ على الاستقلال دون أن يُقال: (للرِّجال والنِّساء... إلخ)؛ للاعتناء بأمرهنَّ، والإيذان بأصالتهنَّ في استحقاق الإرث، والإشارة من أوَّل الأمْر إلى تفاوت ما بين نصِيبَي الفريقينِ، والمبالغة في إبطال حُكم الجاهليَّة؛ فإنَّهم لم يكونوا يورِّثون النساء والأطفال يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/146). .
- قوله: وَالْأَقْرَبُونَ: فيه إطلاقُ الكلِّ على البعض؛ إذ المراد بـالْأَقْرَبُونَ أربابُ الفرائض، وليس كلَّ الأقارب ((تفسير أبي حيان)) (3/532). .
- قوله: مَفْرُوضًا: فيه إيجاز بالحذْف، فالفارض هو الله، لكن حُذِف وبُني الوصفُ للمفعول للعِلم به، فهو كقوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: 28]، والذي خلَقَه هو اللهُ عزَّ وجلَّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/52). .
2- في قوله تعالى: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ: قال: مِنْهُ ولم يقل: (فيه)؛ لأنَّ هؤلاء يُعطون من رأس المال، ومِن أصله، وأمَّا أموال اليتامى فقال الله تعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا، فقال: فِيهَا ولم يقُل: (منها)؛ لأنَّهم يُرزقون بعدَ الاتِّجار بها، فيُعطَون من الرِّبح، وهو إشارةٌ إلى أنه ينبغي لِوليِّ اليتيم أن يتَّجِرَ في ماله حتى يحصُلَ على ما يَرزقُه فيه، أمَّا هنا فقال: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي: من هذا المال الذي يُقسَم أمامَهم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/54). .
3- قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا:
- فيه إيجازٌ بالحَذْف؛ حيثُ حُذِفَ مفعولُ وَلْيَخْشَ؛ لتذهبَ نفْسُ السَّامعِ في تقديرِه كلَّ مذهبٍ مُحتمَل؛ فينظر كلُّ سامعٍ بحسَبِ الأهمِّ عنده ممَّا يَخشاهُ أنْ يُصيبَ ذرِّيَّتَه يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/252). .
- وفيه أيضًا حذْفُ مفعول خَافُوا؛ لِتذهبَ النَّفسُ في تقديره كلَّ مذهب، ولِتَفْتَنَّ في تصوير الخوف من المصير المحتوم الذي يَؤُول إليه أمرُ الضِّعاف في هذه الحياة. ويُمكن تقديرُه بمثل الضياع والتشرُّد في مسارب الحياةِ ومسالِكِها المتشعِّبة، من دون كافلٍ يَكفُلهم، أو مُدبِّرٍ يُدبِّر شؤونَهم ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/165). .
- وقوله: فَليتَّقُوا اللهَ وليَقُولُوا قَولًا سَدِيدًا: أمَرَهم بالتقوى التي هي غايةُ الخشيةِ بعدَما أمرهم بها؛ مراعاةً للمبدأِ والمنتهى؛ إذ لا يَنفع الأوَّلُ دون الثاني، ثم أمَرَهم أن يقولوا لليتامى مثلَ ما يقولون لأولادهم بالشَّفَقَة وحُسْن الأدب يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/62). .
- قوله: وَلْيَخْشَ، وَخَافُوا فيه تَكرارٌ من جِهةِ المعنى- على قولِ مَن جعَلَهما مُترادِفَينِ ((تفسير أبي حيان)) (3/532). .
4- قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا: استئنافٌ جِيءَ به لتقريرِ مضمونِ ما فُصِّل من الأوامِر والنواهي يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/148). .
- وقوله: يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا فيه من أنواع البلاغة ما يلي:
- التَّعريض؛ حيث عرَّض بذِكر البُطون لخِسَّتهم وسُقوطِ هِمَمِهم، والعربُ تذمُّ بذلك ((تفسير أبي حيان)) (3/532)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/168). .
- تأكيدُ الحقيقةِ بما يَرفع احتمالَ المجازِ ((تفسير أبي حيان)) (3/532). .
- الاختِصاص؛ حيثُ خصَّ البُطونَ بالذِّكْر دون غيرِها؛ لأنَّها محلٌّ للمأكولاتِ ((تفسير أبي حيان)) (3/532). ، وذِكْر البُطون- مع أنَّه معلوم أنَّ الأكْلَ لا يكونُ إلَّا في البُطون-؛ للتأكيدِ والمبالغةِ، ولتَجسيدِ بشَاعةِ الجُرم المقترَفِ بأكْل مالِ اليتيمِ؛ حتى يَتأكَّدَ عِند الَّسامِع بشاعةُ هذا الجُرمِ بمزيدِ تصويرٍ  يُنظر: ((تفسير الزمخشري- حاشية ابن المنير)) (1/479)، ((تفسير الرازي))، (9/506)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/168). .
- تأكيدُ هذا التشنيعِ على الظالمِ لليَتيمِ في مالِه بتَخصيصِ ذِكْر الأكْلِ؛ لأنَّه أبشعُ الأحوالِ التي يُتناوَلُ مالُ اليتيمِ فيها  يُنظر: ((تفسير الزمخشري- حاشية ابن المنير)) (1/479)، ((تفسير الرازي))، (9/506)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/168).  .