الموسوعة الحديثية


- أنَّ يَزيدَ بنَ عَميرةَ -وكان من أصحابِ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ- أخبَرَه، قال: كان لا يجلس مجلسًا للذكر حين يجلس إلا قال : اللهُ حكمٌ قسطٌ هلك المرتابون . فقال معاذُ بنُ جبلٍ يومًا إنَّ من ورائكم فتنًا يكثر فيها المالُ، ويفتح فيها القرآنُ حتى يأخذه المؤمنُ والمنافقُ والرجل والمرأةُ والصغيرُ والكبيرُ والعبدُ والحرُّ، فيوشك قائلٌ أن يقول : ما للناس لا يتبعوني وقد قرأتُ القرآن ؟ ما هم بمتَّبعي حتى أبتدعَ لهم غيرَه، فإياكم وما ابتدعَ، فإنَّ ما ابتدع ضلالةٌ، وأحذركم زيغةَ الحكيمِ ؛ فإنِّ الشيطانَ قد يقول كلمة الضلالةِ على لسانِ الحكيمِ، وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحقِّ . قال : قلت لمعاذٍ : ما يدريني – رحمك اللهُ – أن الحكيمَ قد يقول كلمةَ الضلالةِ، وأن المنافقَ قد يقول كلمةَ الحقِّ ؟ قال : بلى ! اجتنبْ من كلام الحكيمِ المشتهراتِ، التي يقال : ما هذه ؟ ! ولا يثنينك ذلك عنه ؛ فإنه لعله أن يراجع، وتلقَّ الحقَّ إذا سمعتَه، فإنَّ على الحق نورًا
الراوي : يزيد بن عميرة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح أبي داود | الصفحة أو الرقم : 4611 | خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح موقوفا
كان الصَّحابةُ رضِيَ اللهُ عنهم يَدْعون النَّاسَ إلى الخَيرِ ويحَذِّرونهم منَ الشَّرِّ، ويأْمرونَهم بالمعْروفِ وينهَوْنَهم عنِ المُنكَرِ.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ يَزيدُ بنُ عمَيْرَةَ- وكان مِن أصحابِ مُعاذِ بنِ جَبلٍ رضِيَ اللهُ عنه-: "كان لا يَجلِسُ مجلِسًا"، أي: معاذُ بنُ جبَلٍ رضِيَ اللهُ عنه، "للذِّكْرِ حينَ يجلِسُ"، أي: للتَّذكيرِ والوَعْظِ، "إلَّا قال" هذه العِبارَةَ، ويكرِّرُها في مجالِسِه: "اللهُ حَكَمٌ قِسْطٌ"، أي: الحَكَمُ العادِلُ في حُكْمِهِ، "هلَك المُرتابونَ"، أي: الَّذين يَشكُّون، فقال معاذُ بنُ جبَلٍ يومًا: "إنَّ من ورائِكم"، أي: قُدَّامِكم وأمامِكم، "فِتَنًا"، أي: ابتِلاءاتٍ واختِباراتٍ، "يَكثُرُ فيها المالُ"، أي: يَفيضُ فيها المالُ، "ويُفتَحُ فيها القُرآنُ"، أي: تكْثُرُ تِلاوتُه وقِراءتُه، "حتَّى يَأْخذَه المؤمِنُ والمنافِقُ، والرَّجُلُ والمرأَةُ، والصَّغيرُ والكَبيرُ، والعبْدُ والحُرُّ"، أي: كلُّهم يَقرأُ القُرْآنَ، "فيوشِكُ قائلٌ أن يَقولَ"، أي: في نفسِهِ، "ما للنَّاسِ لا يتَّبعونِي وقد قرأْتُ القُرْآنَ؟"، أي: إنَّه يَدعوهم إلى القُرآنِ وإلى ما فيهِ فلا يَستجيبون لَه، "ما هم بمُتَّبعِيَّ حتَّى أبتدِعَ لهم غيْرَه"، أي: آتِيَ لهم بشيءٍ آخَرَ غيرِ القرآنِ حتَّى يتَّبعونِي؛ وذلك لعلِمِه أنَّهم يتَّبعون البِدَعَ ويتْركونَ القُرآنَ.
ثمَّ قال مُعاذٌ رضِيَ اللهُ عنه: "فإيَّاكم وما ابتُدِعَ"، أي: احْذروا واجْتنِبوا ما ابتَدَعَه المبْتدِعُ ودَعاكم إليهِ؛ "فإنَّ ما ابتُدِعَ ضلَالُةٌ"؛ لأنَّ كلَّ بدْعَةٍ ضلالَةٌ يضِلُّ بها صاحِبُها، "وأُحذِّرُكم"، أي: أُخوِّفُكم، "زَيْغَةَ الحَكيمِ"، أي: العالِمِ؛ وذلك بانْحرافِهِ عنِ الحَقِّ؛ "فإنَّ الشَّيطانَ قدْ يقولُ"، أي: يُجْري، "كلِمَةَ الضَّلالَةِ على لِسانِ الحَكيمِ، وقد يَقولُ المنافِقُ كلِمةَ الحقِّ"، أي: يَجْري على لِسانِه الحقُّ.
قال يزيدُ بنُ عُمَيرَةَ لِمعاذٍ بنِ جبَل: "ما يُدْريني"، أي: ما يُعلِمُني، "رحِمَكَ اللهُ"، وهو دُعاءٌ له بالرَّحمَةِ، "أنَّ الحَكيمَ قد يَقولُ كلِمةَ الضَّلالَةِ وأنَّ المنافِقَ قد يَقولُ كلِمةَ الحَقِّ؟"، أي: كيف أعرِفُ ذلك، "قال"؛ مُعاذٌ، "بلى، اجتنِبْ منْ كلامِ الحَكيمِ المشتَهِرَاتِ"، أي: احذَرْ من كلامِ الحَكيمِ المشْهورَ بالباطِلِ أو الشُّبهَةِ، "الَّتي يُقالُ: ما هذِه؟!"، أي: الَّتي تَجعلُ النَّاسَ يَقولونَ في شأْنِها إنْكارًا لها هذه الكلِمَةَ، "ولا يُثْنيَنَّك ذلك عنه"، أي: لا يَصدَّنَّكَ زَيغةُ الحَكيمِ هذا عنِ الحَكيمِ، فلا تَجعَلْ خَطأَه هذا سببًا في تَرْكِك إيَّاه وابتعادِك عنه؛ "فإنَّه لعلَّه أن يُراجِعَ"، أي: يرْجِعَ إلى الحقِّ ويتْرُكَ المشتَهِراتِ والشُّبُهاتِ، "وتلَقَّ الحقَّ إذا سمِعْتَه"، أي: خُذِ الحقَّ مِن أيِّ أحدٍ تَسمَعُه منه حتَّى لو كانَ الذي قاله مُنافِقًا؛ فإذا كان كلامًا حسنًا وصحيحًا، فهو مقبولٌ، والحقُّ ضالَّةُ المؤمِنِ يَأخُذُه حيثُ وجَدَه؛ "فإنَّ على الحقِّ نورًا"، أي: إنَّ الحقَّ لا يَخْفى ولا يَلتَبِسُ؛ لأنَّ عليهِ نورًا وضِياءً بما يَتوافَقُ فيهِ مع كتابِ اللهِ وصَحيحِ سنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وما كان عليهِ الصَّحابةُ رِضوانُ اللهِ عليهم.