الموسوعة الحديثية


- لَأَنا أعْلَمُ بما مع الدَّجَّالِ منه؛ معهُ نَهْرانِ يَجْرِيانِ، أحَدُهُما -رَأْيَ العَيْنِ- ماءٌ أبْيَضُ، والآخَرُ -رَأْيَ العَيْنِ- نارٌ تَأَجَّجُ، فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أحَدٌ، فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذي يَراهُ نارًا ولْيُغَمِّضْ، ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبَ منه؛ فإنَّه ماءٌ بارِدٌ، وإنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ العَيْنِ، عليها ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، مَكْتُوبٌ بيْنَ عَيْنَيْهِ: كافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ؛ كاتِبٍ وغَيْرِ كاتِبٍ.
الراوي : حذيفة بن اليمان | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم : 2934 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحذِّرُ أُمَّتَه فِتْنَةَ الدَّجالِ، وقدْ أَعْلَمَه اللهُ تعالَى بأُمورِ الدَّجَّالِ، وما يقَعُ معه مِن أحداثٍ، فأخبَرَنا بها وعلَّمَنا كَيفيَّةَ النَّجاةِ منها.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه يَعْلَم بما يكونُ مَع الدَّجالِ مِن فِتَنٍ وآياتٍ أَكْثَرَ مِن الدَّجالِ نَفْسِه، فيَخرُجُ ومعه «نَهرانِ يَجْريانِ، أحدهما -رَأيَ العَيْنِ- ماءٌ أبيضُ»، أيْ: نَهْرٌ تَراهُ العَينُ أنَّه ماءٌ أبيضُ فيما يَظْهَرُ لها، «والآخَرُ -رَأْيَ العَينِ- نَارٌ تأجَّجُ»، أيْ: نارٌ تَتلهَّبُ وتَشتَعِلُ، وهذا فيما يَظْهَرُ للنَّاسِ أيضًا، وليْس كلُّ ذلك على حقيقتِه، وإنَّما كلُّ شَيءٍ على عَكسِه؛ فنارُه جنَّةٌ، وجَنَّتُه نارٌ، ويَستعمِلُهما الدَّجَّالُ ليُخوِّفَ بهما العِبادَ.
وأرشَدَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ مَن أَدْرَكَ هذا الزَّمانَ فلْيَذْهبْ إلى النَّهرِ الَّذي يَراهُ نارًا، «وليُغمضْ» عَيْنَيهِ؛ وهذا حتَّى لا تَخْدَعُه العينُ فيَرْجِع، وفي إغماضِها تَثبيتٌ للقلبِ، ثُم يُخفِض رأسَه حتَّى لا يَلحَقَه خَوفٌ مِن الْتهابِ النَّارِ، «فيَشْرَبَ منه؛ فإنَّه ماءٌ باردٌ» على عَكْسِ ما يَراهُ بعَيْنِه.
ثمَّ ذكَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صِفةَ النَّقصِ الَّتي في الدَّجَّالِ، فقال: «وإنَّ الدَّجَّالَ ممسوحُ العَينِ»، فهو أَعورُ العَينِ، أَعْمى بإحْدى عيْنَيهِ، «عليها ظَفَرَةٌ غَليظةٌ»، أيْ: على عَيْنِه جِلْدةٌ سَمِيكةٌ، وقيل: لَحْمَةٌ تَنْبُتُ بداخِلِ العَيْنِ، «مَكتوبٌ بين عيْنَيْهِ: كافِرٌ، يَقْرؤه كلُّ مؤمِنٍ؛ كاتبٍ وغيرِ كاتبٍ»، أيْ: يُمكِّنُ اللهُ كلَّ إنْسانٍ مؤمنٍ مِن قراءةِ هذه الكَلِمةِ الَّتي على وَجْهه، سواءٌ كان يَعرِفُ القراءةَ أو لا يَعْرِفُ، أو فيَخْلُقُ اللهُ للمؤمِنِ الإدراكَ دونَ تَعْلُّمٍ؛ فيَعْلَم معنى المكتوبِ بين عيْنَيِ الدَّجالِ، وهذا مِن التَّثبيتِ للمُؤمنين، أمَّا الكُفَّارُ فلا يَرونَ ذلك ولا يَقرؤونَه.
والدَّجَّالُ مِن الدَّجلِ، وهو التَّغطيةُ، سُمِّي به؛ لأنَّه يُغطِّي الحَقَّ بباطِلِه، وهو شَخصٌ مِن بني آدَمَ، يَدَّعي الأُلوهيَّةَ، وظُهورُه مِن العلاماتِ الكُبرى ليَومِ القِيامةِ، يَبتَلي اللهُ به عِبادَه، وأَقْدَره على أشياءَ مِن مَقدوراتِ اللهِ تعالى: مِن إحياءِ الميِّتِ الَّذي يَقتُلُه، واتِّباعِ كُنوزِ الأرضِ له، وأمْرِه السَّماءَ أنْ تُمطِرَ فتُمطِرَ، والأرضَ أنْ تُنبِتَ فتُنبِتَ؛ فيَقَعُ كلُّ ذلك بقُدرةِ الله تعالَى ومَشيئتِه.
وكلُّ ما يُظهِرُه اللهُ تعالَى على يَدَي الدَّجَّالِ الكذَّابِ مِن الخوارقِ للعادةِ، هي مِحَنٌ وفِتنٌ يَمتحِنُ اللهُ بها عِبادَه، وابتلاءٌ يَبتلِيهم به ليَتميَّزَ أهلُ التَّنزيهِ والتَّوحيدِ.
وفي الحديثِ: عَلامةٌ مِن عَلاماتِ النُّبوَّةِ.
وفيه: بَيانُ عِظَمِ فِتنةِ الدجَّال، نجَّانا اللهُ تعالَى منها بفضلِه ومَنِّهِ وكَرمِه.
وفيه: أنَّ مِن السَّلامةِ الأخذَ بالأسبابِ.