الموسوعة الحديثية


-  ما غِرْتُ علَى أحَدٍ مِن نِسَاءِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ما غِرْتُ علَى خَدِيجَةَ، وما رَأَيْتُهَا، ولَكِنْ كانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، ورُبَّما ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّما قُلتُ له: كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إلَّا خَدِيجَةُ، فيَقولُ: إنَّهَا كَانَتْ، وكَانَتْ، وكانَ لي منها ولَدٌ.
الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم : 3818 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | التخريج : أخرجه البخاري (3818)، ومسلم (2435)
خَديجةُ بنتُ خُوَيلِدٍ أمُّ المؤمِنينَ رَضيَ اللهُ عنها، أوَّلُ مَن أسلَمَ مِن النِّساءِ، وأوَّلُ زَوْجاتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكانت أحَبَّ نِسائِه إليه، ولم يَتزوَّجْ غيرَها في حَياتِها حتَّى توُفِّيَت.
وفي هذا الحَديثِ تُخبِرُ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّها ما غارَتْ مِن أحَدٍ مِن زَوْجاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِثلَما غارَتْ مِن خَديجةَ؛ وذلك لكَثْرةِ ذِكرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إيَّاها، وكَثرةُ الذِّكرِ تدُلُّ على كَثرةِ المَحبَّةِ، وأصْلُ غَيْرةِ المَرأةِ مِن تَخيُّلِ مَحبَّةِ غَيرِها أكثَرَ منها.
ثمَّ أخبَرَتْ أنَّها لم تَرَ خَديجةَ، وقد ماتَتْ قبْلَ هِجْرةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى المَدينةِ بثَلاثِ سِنينَ، ولكنْ كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُكثِرُ مِن ذِكرِها، فكان السَّببُ في شدَّةِ غَيْرَتي منها هو أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يُكثِرُ الحَديثَ عنها رغمَ مَوتِها، وربَّما ذبَحَ الشَّاةَ، ثمَّ يُقطِّعُها أعْضاءً، ثمَّ يَبعَثُها في صَدائقِ خَديجةَ، أي: يُهْدي إلى كلِّ واحدةٍ مِن صَديقاتِها قِسمًا منها، فكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُكرِمُ صَديقاتِها، ويُهْدي إليهنَّ الهَدايا مِن أجْلِها؛ وَفاءً لخَديجةَ رَضيَ اللهُ عنها، وذلك مِن شدَّةِ مَحبَّتِه لها، ومُحافَظتِه على وُدِّها.
وربَّما قالت عائشةُ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «كأنْ لم يكُنْ في الدُّنيا امْرأةٌ إلَّا خَديجةُ»، أي: كأنَّ خَديجةَ أنسَتْكَ النِّساءَ جَميعًا، فأصبَحْتَ لا تَرى غَيرَها في هذه الدُّنيا، فيُجيبُها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّها كانتْ وكانتْ»، فيُعدِّدُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَضائلَها ومَحاسنَها، وبالإضافةِ إلى مَزاياها أنَّه قدْ رَزَقَه اللهُ منها الولدُ؛ فكان جَميعُ أولادِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن خَديجةَ إلَّا إبراهيمَ؛ فإنَّه كان مِن جاريتِه مارِيةَ.
وفي الحَديثِ: فَضلُ خَديجةَ رَضيَ اللهُ عنها، الَّذي يَتجَلَّى في شدَّةِ مَحبَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لها، وإكْرامِ صَديقاتِها.
وفيه: أنَّ الغَيْرةَ غَريزةٌ في النَّفْسِ، لا يُلامُ عليها الإنْسانُ إذا لم تَزِدْ عن حدِّها الطَّبيعيِّ، أو تُؤدِّي لفِعلٍ مُحرَّمٍ.
وفيه: دَلالةٌ على حُسنِ العَهدِ، وحِفظِ الوُدِّ، ورِعايةِ حُرْمةِ الصَّاحبِ والمُعاشِرِ؛ حيًّا وميِّتًا.
وفيه: إكْرامُ مَعارفِ ذَوي القُرْبى بعْدَ وَفاتِهم.