trial

موسوعة الفرق

المطلب الثالث: وجه استدلال المعتزلة بدليل الأعراض وحدوث الأجسام على مذهبهم في الصفات


جميع المعتزلة متفقون على نفي صفات الباري جل وعلا.
وحقيقة قولهم جميعا: أن ليس لله تعالى علم، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر، وأنه لم يكن في الأزل كلام، ولا إرادة، ولم يكن له في الأول اسم، ولا صفة ((الفرق بين الفرق)) (114)، ((التبصير في الدين)) (63)، ((اعتقادات فرق المسلمين والمشركين)) للرازي (33)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (2/11). .
وهم متفقون على أن الله تعالى لا يرى، ولا يرى نفسه ((الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد)) للخياط المعتزلي (67)، ((شرح الأصول الخمسة)) (232)، ((مقالات الإسلاميين)) (1/238)، ((الفرق بين الفرق)) (114، 181)، ((التبصير في الدين)) (63). .
بل الذي يقول: إن الله يرى بالأبصار،  على أي وجه قاله: فهو مشبه لله بخلقه – عند أبي الحسين الخياط المعتزلي ((الفرق بين الفرق)) (179)، ((التبصير في الدين)) (84)، ((طبقات المعتزلة)) (85). . ((الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد)) للخياط (67). – ، والمشبه – عنده – كافر بالله، والشاك في كفره كافر كذلك، وكذا الشاك في الشاك لا إلى غاية ((الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد)) للخياط (67). .
 على أن هذا التكفير ليس محل إجماع من المعتزلة، فهذا القاضي عبد الجبار المعتزلي.
يصرح بأنه لا يكفر المخالف في هذه المسألة – أي من يثبت الرؤية معللا ذلك بقوله: "لما كان الجهل بأنه تعالى لا يرى لا يقتضي جهلا بذاته ولا بشيء من صفاته" ((شرح الأصول الخمسة)) (233). .
والمعتزلة متفقون – أيضا -  على نفي صفتي السمع والبصر عن الله تعالى؛ فلا الصفتان قديمتان – عندهم – ، ولا حادثتان ((أصول الدين)) للبغدادي (96)، ((الفرق بين الفرق)) (181) ((الاقتصاد في الاعتقاد)) للغزالي (71)، ((الملل والنحل)) للشهرستاني (45)، ((نهاية الإقدام)) (341). .
ويقولون – معللين زعمهم استحالة كون الله سميعا بصيرا - : "وجه استحالته أنه إن كان سمعه وبصره حادثين كان محلا للحوادث، وهو محال. وإن كانا قديمين فكيف يسمع صوتا معدوما، وكيف يرى العالم في الأزل، والعالم معدوم، والمعدوم لا يرى" ((الاقتصاد في الاعتقاد)) للغزالي (71). .
والمعتزلة متفقون – أيضا – على أن كلام الله تعالى مخلوق له، خلقه في جسم من الأجسام، فكان فيه متكلما، وأنه لم يكن متكلما قبل أن يخلق لنفسه كلاما ((الكشاف)) للزمخشري المعتزلي (2/88)، ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (7/84)، ((شرح الأصول الخمسة)) (528)، ((المحيط بالتكليف)) (32، 316، 331، 333)، ((متشابه القرآن)) (1/545)، ((الفرق بين الفرق)) (141)، ((التبصير في الدين)) (64)، ((اعتقادات فرق المسلمين والمشركين)) للرازي (33). .
والقرآن الكريم – عندهم – محدث، ومخلوق، وعلى هذا إجماع المعتزلة كلهم ((المحيط بالتكليف)) لعبد الجبار (331)، ((الكشاف)) للزمخشري المعتزلي (3/441)، ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (7/94). .
فحقيقة قولهم – إذا كما أسلفت – : تعطيل الباري جل وعلا عن صفاته العلا كلها، وجمهورهم يقولون: إن الله عالم، قادر، حي بذاته، لا بعلم، ولا قدرة، ولا حياة ((شرح الأصول الخمسة)) (151)، ((المحيط بالتكليف)) لعبد الجبار (107، 155)، ((المنية والأمل)) (6)، ((مقالات الإسلاميين)) (1/244)، ((الملل والنحل)) (44). .
واعتبر بعضهم تلك الصفات عين الذات، فادعى أنه – تعالى – عالم بعلم هو هو، وقادر بقدرة هي هو، وحي بحياة هي هو ((الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد)) للخياط المعتزلي (75)، ((شرح الأصول الخمسة)) (183)، ((الفصول المهمة في أصول الأئمة)) للحر العاملي (53)، ((مقالات الإسلاميين)) (1/245)، ((التبصير في الدين)) (70)، ((الملل والنحل)) (49). .
والفرق بين القولين: أن الأول ينفي الصفات كلها، والثاني يثبت الصفة على أنها بعينها ذات، ويثبت الذات على أنها بعينها صفة ((الملل والنحل)) (50). ، وهو نفي للصفة في الحقيقة، بل ونفي للذات أيضا.
وللمعتزلة حجتان بنوا عليهما نفي الصفات:
أولاهما: حجة التركيب: وملخصها عند المعتزلة : أن إثبات صفات أزلية قديمة لله تعالى، زائدة على ذاته، يجعل الصفة تشارك الذات في القدم الذي هو أخص أوصاف الذات – عندهم –. فيقتضي تعدد القدماء، وهو تركيب ينافي التوحيد – بزعمهم-.
وأول من عرف عنه الأخذ بهذه الحجة – من المعتزلة – : واصل بن عطاء ((الفرق بين الفرق)) (20)، ((الملل والنحل)) (46)، ((لسان الميزان)) لابن حجر (6/214)، ((المعتزلة وأصولهم الخمسة)) لعواد المعتق (52). ، فقد كان ينفي الصفات، زاعما أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء، ويدعي أن ذلك شرك خلاف التوحيد، وكان يقول: "من أثبت معنى، وصفة قديمة فقد أثبت إلهين" ((الملل والنحل)) (46). .
وثانيهما: حجة الأعراض: وعنها سيكون الحديث في هذا المطلب – بعون الله.
والمعتزلة يأخذون بكلتا الحجتين، ويبنون عليهما تعطيل الباري جل وعلا عن صفاته.
وقد جمع أبو الحسين الخياط المعتزلي بين هاتين الحجتين، فقال في تحليلهما: "إن الله لو كان عالما بعلم، فإما أن يكون ذلك العلم قديما، أو يكون محدثا.
ولا يمكن أن يكون قديما: لأن هذا يوجب وجود اثنين قديمين، وهو تعدد، وهو قول فاسد. ولا يمكن أن يكون علما محدثا: لأنه لو كان كذلك، يكون قد أحدثه الله؛ إما في نفسه، أو  في غيره، أو لا في محل.
فإن كان أحدثه في نفسه: أصبح محلا للحوادث، وما كان محلا للحوادث فهو حادث. وهذا محال.
وإذا أحدثه في غيره: كان ذلك الغير عالما بما حله منه دونه؛ كما أن من حله اللون فهو المتلون به دون غيره.
ولا يعقل أن يكون أحدثه لا في محل: لأن العلم عرض لا يقوم إلا في جسم. فلا يبقى إلا حال واحد، وهو أن الله عالم بذاته" ((الانتصار للخياط)) (111، 170). .
أما حجة الأعراض: فقد تقدم شرح الدليل عند المعتزلة آنفا، واتضح قولهم: بـ "حدوث الأجسام" لملازمتها للأعراض، أو بعضها؛ كالحركة والسكون، والاجتماع والافتراق.
والمعتزلة يعتبرون الصفات والكلام أعراضا وحوادث، لو قامت بالله تعالى، للزم قيام الأعراض والحوادث به، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، وما كان محلا للحوادث فهو حادث.
ولذلك أنكروا قيام الصفات بذاته تعالى ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (3/361)، ((نقض أساس التقديس)) – مخطوط  (القرآن 63/أ) ، ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/305). .
والله تعالى ليس بجسم – عند المعتزلة -، وقد نقل أبو الحسن الأشعري، وأحمد بن يحيى بن المرتضى المعتزلي إجماعهم على ذلك ((مقالات الإسلاميين)) (1/235)، ((طبقات المعتزلة)) (7)، ((منهاج الكرامة)) للحلي الرافضي المعتزلي (81). .
وقد أجمعوا على أن الله خالق الأجسام والأعراض ((الفرق بين الفرق)) (118). .
والصفات الخبرية – من الاستواء، والنزول، والمجيء، واليد، والعينين، والوجه، وغير ذلك – داخلة في عموم الصفات المنفية عن الله تعالى – عند المعتزلة -، وهم يدعون أيضا أن إثبات قيامها بذات الله تعالى: يوم التجسيم، والله تعالى ليس جسما ((شرح الأصول الخمسة)) (226)، ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (5/204). .
والمعتزلة يقولون أيضا: لو أن الله تعالى كان عالما بعلم، حيا بحياة، قادرا بقدرة، زائدة على ذاته، قائمة به سبحانه: لكان جسما؛ لأن العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة تحتاج إلى محل مخصوص، والمحل المخصوص لابد أن يكون جسما، والله سبحانه ليس بجسم، ولا يصح أن يكون جسما، وإلا لكان محدثا؛ لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث ((شرح الأصول الخمسة)) (162، 440)، ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (6/3). .
يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: "وجملة القول في ذلك: هو أنه تعالى لو كان حيا بحياة، والحياة لا يصح الإدراك بها إلا بعد استعمال محلها في الإدراك ضربا من الاستعمال، لوجب أن يكون القديم تعالى جسما، وذلك محال. وكذلك الكلام في القدرة؛ لأن القدرة لا يصح الفعل بها، إلا بعد استعمال محلها في الفعل، او في سببه ضربا من الاستعمال، فيجب أن يكون الله تعالى جسما محلا للأعراض، وذلك يجوز" ((شرح الأصول الخمسة)) (200). .
فالله – تعالى – عند عبد الجبار: حي لا بحياة، قادر لا بقدرة، عالم لا بعلم، مريد لا بإرادة، . . . وهكذا في سائر صفاته العلا – تعالى وتقدس.
يقول – عبد الجبار - في موضع آخر: "كل ما كان مما لا يجوز إلا على الأجسام: يجب نفيه عن الله تعالى، وإذا ورد في القرآن آيات تقتضي بظاهرها التشبيه، وجب تأويلها؛ لأن الألفاظ معرضة للاحتمال، ودليل العقل بعيد عن الاحتمال" ((المحيط بالتكليف)) (200). .
وهذا مراده وطائفته من تنزيه الله – بزعمهم – عن الأجسام، والجواهر، والأعراض، والمكان: تعطيله – جل وعلا – عن الاتصاف بصفاته العلا؛ من العلم، والقدرة، والحياة، والكلام، والاستواء، وغير ذلك من الصفات التي يسميها هؤلاء أعراضا، ويدعون أنها لا تقوم إلا بجسم ((در تعارض العقل والنقل)) (2/11)، الإرادة والأمر له - ضمن- ((مجموعة الرسائل الكبرى)) (1/383). .
وهذا التنزيه – بزعمهم – مجمع عليه عند المعتزلة.
وقد نقل أبو الحسن الأشعري إجماعهم على ذلك في كلام طويل أذكر منه: "ليس بجسم، ولا شبح، ولا صورة، . . ، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، . . ، ولا يتحرك، ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء، وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه المماسة، ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات، . . " ((مقالات الإسلاميين)) (1/235). .
والمعتزلة أيضا – يقولون بأن الله لا تحله الحوادث.
وحقيقة قولهم: أن ليس لله تعالى فعل اختياري يقوم به، "ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يقدر على استواء، أو نزول، أو إتيان، أو مجيء، وأن المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند خلقها فعل أصلا، بل عين المخلوقات هي الفعل، ليس هناك فعل ومفعول، وخلق ومخلوق، بل المخلوق عين الخلق، والمفعول عين الفعل، ونحو ذلك" ((در تعارض العقل والنقل)) (2/12)، الإرادة والأمر له - ضمن- ((مجموعة الرسائل الكبرى)) (1/383). .
والملاحظ أن حجتهم على نفي قيام الأفعال به – تعالى – من جنس حجتهم على نفي قيام الصفات كلها به – جلا وعلا؛ فهم – كالجهمية – يسوون في النفي بين هذا وهذا، وليس لهم حجة تختص بنفس قيام الحوادث ((شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية)) (70). .
ومن ينفي قيام الصفات بالله – جل وعلا – بحجة ما – ينفي قيام الفعل به – تعالى – بتلك الحجة من باب أولى.
وهذه الحجة هي دليل الأعراض وحدوث الأجسام – كما تقدم بيان ذلك - :
أ- إذ الصفات كلها أعراض وأفعال حادثة – عند المعتزلة.
ب- وهي لا تقوم إلا بجسم.
ج - والأجسام محدثة.
د – فلو قامت به – تعالى – الصفات لكان جسما.
هـ - ولو قامت به – وهي حوادث بزعمهم – لم يخل منها.
و- وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ((منهاج الكرامة)) للحلي الرافضي المعتزلي (81). .
لذلك قالوا: لا تقوم بالله الأعراض ولا الحوادث؛ لأنها لو قامت به، لوجب أن يكون – تعالى – جسما، والله ليس بجسم، فأظهروا في الإسلام نفي الصفات والأفعال، وسموا ذلك تقديسا لله عن الأعراض، وتنزيها له عن حلول الحوادث بذاته ((نقض أساس التقديس)) لابن تيمية -مخطوط - (القرآن 63/أ) ، ((شرح العقيدة الأصفهانية)) (88)، ((الصفدية)) (1/128)، ((تفسير سورة الإخلاص)) له (151)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (17/299)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (2/1196، 5/245)، ((منهاج السنة النبوية)) (2/97، 107)، ((الرسالة التدمرية)) (134)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (5/290، 6/35، 12/315)، ((الفتاوى المصرية)) (6/443). .
فلا يقوم بالله تعالى شيء من الصفات الفعلية ولا غيرها – عند المعتزلة -، بل كل ما يضاف إليه جل وعلا – عندهم – فإنما يعود معناه إلى أمر مخلوق منفصل عنه ((الفتاوى المصرية)) (6/438). .
إذ هم يجعلون مقتضى الصفة – التي أضافوها إلى الله – مفعولا منفصلا عن الله، لا يقوم بذاته جل وعلا.
ويتضح ذلك في صفة "الخلق": فقد فروا من إثبات قيامها بالله، لئلا يكون الله محلا للحوادث، أو جسما – بزعمهم، وقالوا: إن الخلق هو المخلوق ((الفصول المهمة في أصول الأئمة)) للحر العاملي (55)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (16/374). .
وقد خالفهم في ذلك من المعتزلة – والخلاف لفظي؛ إذ الكل ينفي قيام هذه الصفة بالله تعالى:
أ- معمر بن عباد السلمي ((الفرق بين الفرق)) (151)، ((الملل والنحل)) (65)، ((طبقات المعتزلة)) (54)، ((لسان الميزان)) لابن حجر (6/71)، ((المعتزلة وأصولهم الخمسة)) لعواد المعتق (63). ؛ الذي قال بأن الخلق غير المخلوق، وجعل الخلق معنى قائما بالمخلوق؛ أو معاني متسلسلة، ولم يجعله قائما بالخالق جل وعلا فرارا منه عن قيام الحوادث بالله تعالى ((الملل والنحل)) (68)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (16/374). – بزعمه.
ب- أبو الهذيل العلاف ((الفصل في الملل والنحل)) لابن حزم (5/58)، ((التبصير في الدين)) (70)، ((الملل والنحل)) (50)، ((اعتقادات فرق المسلمين والمشركين)) للرازي (33)، ((البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان)) للسكسكي (54)، ((المعتزلة وأصولهم الخمسة)) لعواد المعتق (54). ؛ الذي جعل الخلق لا في محل؛ فقال: إن قول الله تعالى: "كُنْ" لا في محل. وهذا فرار منه عن قيام الحوادث بالله ((فرق وطبقات المعتزلة)) (192)، ((التبصير في الدين)) (70)، ((الملل والنحل)) (51)، ((البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان)) للسكسكي (54)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (16/374). – بزعمه.
وعند التأمل يبدو أن الخلاف بين المعتزلة في هذه المسألة خلاف لفظي، إذ الكل ينفي قيام هذه الصفة بالله تعالى.
وقد تأثر ابن كلاب بجمهور المعتزلة، فقال مثلهم بأن الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول، وجعل مقتضى الصفة مفعولا منفصلا عن الله، لا يقوم بذاته جل وعلا.
أما في صفة "الكلام": فقد نفت المعتزلة قيام الكلام بالله تعالى مطلقا؛ قديم النوع منه، وحادث الآحاد، وقد بنوا ذلك على قولهم: (الرب لا تقوم به صفة)؛ لأن ذلك يستلزم التجسيم – بزعمهم -؛ إذ الصفة عرض، والعرض لا يقوم إلا بجسم، والجسم لا يخلو من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث رسالة في الصفات الاختيارية لابن تيمية – ضمن ((جامع الرسائل)) (2/7)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (12/315). .
والحوادث: هي جملة من الصفات التي يسمونها: الأعراض، فلو قام به – جل وعلا – كلام متعلق بمشيئته وقدرته، لقامت به الحوادث، التي هي جملة من الأعراض، فيكون جسما محلا للحوادث -  على حد زعمهم – ويبطل الدليل الذي استدلوا به على حدوث العالم ((درء تعارض العقل والنقل)) (7/275)، ((منهاج السنة النبوية)) (2/107)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (12/315)، ((تفسير سورة الإخلاص)) (152)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (17/299). .
لذلك فسروا تكليم الله – تبارك وتعالى- لموسى عليه السلام بأنه خلق كلاما في غيره، ليس هو صفة قائمة به ((الكشاف للزمخشري)) (2/88). ؛ فتكلم بدلا عنه، فقالوا بحدوث كلامه – تقدس عن قولهم وتعالى علوا كبيرا.
يقول عبد الجبار المعتزلي: "والذي يدل على حدوث كلامه الذي ثبت أنه كلام له: أن الكلام على ما قدمناه لا يكون إلا حروفا منظومة، وأصواتا مقطعة، وقد ثبت فيما هذه حاله أنه محدث؛ لجواز العدم عليه،  على ما بيناه في حدوث الأعراض" ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (7/84)، ((المحيط بالتكليف)) (309). .
ولما كان كلامه – جل وعلا – مخلوقا – عندهم – لزم أن يكون القرآن الكريم مخلوقا؛ لأنه من كلامه – تبارك وتقدس.
فلزمهم – إذا – أن يقولوا: "إن القرآن أو غيره من كلام الله مخلوق منفصل بائن عنه؛ فإنه لو كان له كلام قديم، أو كلام غير مخلوق، لزم قدم العالم على الأصل الذي أصلوه؛ لأن الكلام قد عرف العقلاء أنه إنما يكون بقدرة المتكلم ومشيئته" ((شرح حديث النزول)) لابن تيمية (169). .
الخلاصة:
ويتضح مما تقدم:
أن شبه المعتزلة في تعطيل الباري – جل وعلا – عن صفاته العلا – بالإستناد إلى دليل الأعراض وحدوث الأجسام – تنحصر في أمرين – كأسلافهم من الجهمية - :
أولهما: قولهم: إن الله – تعالى – ليس بجسم؛ لأن الأجسام متماثلة، وهي محدثة -  على حد زعمهم.
ثانيهما: قولهم: لا تقوم بالله – تعالى – الصفات ولا الأفعال؛ لأن المعقول من الصفات والأفعال أعراض حادثة قائمة بجسم، فلو قامت به الصفات لكان جسما – والله ليس بجسم كما قالوا 
ولو قامت به الصفات – وهي حوادث بزعمهم – لكان محلا لها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – 1/317


انظر أيضا: