trial

موسوعة الفرق

المبحث السادس: عوامل ظهور المعتزلة وانتشار أفكارهم


لقد أدى ظهور المعتزلة وانتشار أفكارهم عوامل عدة، منها ما يلي:
1- حل مشاكل الخلاف بين المسلمين:
 على أثر ركود حركة الفتح واستقرار المسلمين في الأمصار نشأت بينهم مشاكل اجتماعية كثيرة، كان حتما عليهم أن يدرسوها ويجدوا لها حلولا شافية يقبلها الدين الإسلامي، ومن المشاكل التي أثيرت أكثر مما سواها مشكلة مجرمي الأمة أو ما يدعون مرتكبي الكبائر التي ما دون الشرك؛ وذلك أنه كثر إقدام الناس على ارتكاب الكبائر بسبب اختلاف القادة على الخلافة، وما قبله من الفتن التي أدت إلى مصرع عثمان – رضي الله عنه – ونشوء الحرب بين علي وأصحاب الجمل، ثم بين علي ومعاوية، فتفرق المسلمون أحزابا ووقعوا في صراع دموي ذهب بالطيبين من أعلام الصحابة، وراح المسلمون يكفر بعضهم بعضا، وانشغلوا عن أعمال الفتوح بتبادل السباب، يضاف إلى هذا أن المسلمين انتقلوا بعد الفتح من محيط الصحراء الضيق إلى محيط واسع فيه كثير من ضروب اللهو والترف وأسباب الفساد، فحز ذلك في نفوس القوم، ولا سيما أهل العلم والأخبار، وساءهم أن يروا إخوانهم المسلمين يجترئون على المعاصي، ويقتل بعضهم بعضا بلا سبب، فعكفوا على هذه المشكلة يدرسونها، ويصدرون أحكامهم فيها مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كل على حسب اجتهاده، فكثرت بسبب ذلك المناظرات، واشتهرت المجادلات واختلاف الرأي ((المعتزلة)) (14). .
وكان أهل السنة والجماعة يرون أن مرتكب الكبيرة التي ما دون الشرك أنه مؤمن، فكبيرته لا تخرجه من الإيمان، ولا تدخله في الكفر، لبقاء التصديق الذي هو حقيقة الإيمان، ولكنه يعاقب عليها ((العقائد النسفية)) (117). .
ويستدلون بأمور، منها:
الأول: النصوص الناطقة بإطلاق المؤمن على المعاصي، كقوله تعالى:   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى . .  الآية [ البقرة : 178]. وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا . .   الآية [ التحريم: 8].
الثاني: إجماع الأمة من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى وقتهم على الصلاة على من مات من المسلمين من غير توبة، والدعاء له ودفنه في مقابرهم مع علمهم بحاله ((العقائد النسفية)) (117). .
وقد رفض الخوارج حكم أهل السنة في مرتكب الكبيرة، ووضعوا فيه حكما مخالفا، فقالوا – ما عدا النجدات منهم - : إن مرتكب الذنوب كبيرة كانت أو صغيرة كافر مخلد في النار ذلك لأنهم كانوا لا يعتبرون الإيمان تاما بدون العمل ((العقائد النسفية)) (116)، ((الفرق بين الفرق)) (73). .
وكما رد الخوارج حكم أهل السنة، فإن المرجئة اعترضوا  على حكم الخوارج، وكونوا في مرتكب الكبيرة رأيا يعتبر بمثابة الرد على الخوارج، فقالوا: نظرا لأن الإيمان هو عمود الدين، وليس العمل داخلا في الإيمان، وأنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فقد قرروا أن مرتكب الكبيرة مؤمن وأرجأوا أمر معصيته إلى الله تعالى يوم القيامة ليحكم فيه ما يشاء ((التبصير في أمور الدين)) (90)، ((الملل والنحل)) (1/145)، بتصرف. .
ثم تعاظم الخلاف بين الفرق الإسلامية، واحتدم الجدل، وصارت تعقد في مساجد البصرة وغيرها حلقات المناظرة التي كان أهمها وأشهرها حلقة الحسن البصري.  في ذلك الجو ظهر المعتزلة، وقد كانت الحلول المعروضة لمرتكب الكبيرة غير مرضية للجميع؛ وبذلك كان المجال مفتوحا لظهور حلول أخرى، وقد ظن واصل بن عطاء – تلميذ الحسن البصري – أن في مقدوره أن يجيء بحكم خير من الأحكام السابقة، ثم أن واصلا لما كان يعتقد أن العمل جزء من الإيمان ((العقائد النسفية)) (116). ؛ ويرى أن أحكام المؤمنين والكافرين والمنافقين في الكتاب والسنة زائلة عن مرتكب الكبيرة، فإنه قرر أن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر؛ بل في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر ((الانتصار)) (167). .
وقد عرفنا – فيما سبق – عند الكلام على نشأة المعتزلة، قصة السائل الذي أتى إلى الحسن البصري في حلقته يسأله عن حكم مرتكب الكبيرة؛ معللا ذلك بوجود الآراء المتضاربة، آراء الخوارج والمرجئة، وقبل أن يجيب الحسن سبقه واصل بن عطاء وقال رأيه في مرتكب الكبيرة، وهو أنه لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل في ناحية من المسجد، وانضم إليه عمرو بن عبيد وأصحابه، فقال الحسن: اعتزلنا واصل؛ وبذلك سمي واصل وأصحابه المعتزلة ((الملل والنحل)) (1/55). .
ومما يلفت الانتباه أن واصلا – رغم مخالفته للخوارج – وقوله: إن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، فإنه وافقهم على تخليده في النار، وفي هذا يقول البغدادي: تناقض بين، إلا أن واصلا استدرك فقال: يخفف عنه العذاب، وتكون دركته فوق دركة الكفار؛  وذلك إذا خرج صاحب الكبيرة من الدنيا عن غير توبة ((الفرق بين الفرق)) (119)، ((الملل والنحل)) (1/56)، بتصرف. .
وقد طبق واصل بن عطاء هذا المبدأ على المتنازعين على الخلافة، فقد كان أهل العصر مختلفين في هذه المسألة أيضا، فشيعة علي – رضي الله عنه – يكفرون الذين خرجوا عليه وحاربوه، وحرموه من حقه في الخلافة، وجماعة معاوية يلعنون عليا في المساجد، والخوارج يقولون: إن أصحاب الجمل كفروا بقتالهم عليا، وأن عليا كان على الحق في قتال أصحاب الجمل، وقتال أصحاب صفين إلى وقت التحكيم، ثم كفر بالتحكيم، وأهل السنة يعتقدون صحة إسلام الفريقين في حرب الجمل وصفين، ويرون أن الذين قاتلوا عليا فيهما كانوا عصاة مخطئين، ولكن خطأهم لم يكن كفرا.
وأما المرجئة؛ فكانوا يؤمنون بحسن إسلام الفريقين ويرجئون الحكم عليهما إلى يوم القيامة، فلما قام واصل خالف جميع هذه الأقوال، وأدلى بحكمه الخاص في ذلك النزاع، فقال في عثمان وقاتليه وخاذليه: إن أحد الفريقين لا محالة فاسق مخطئ؛ غير أنه لا يستطيع أن يعين أيهما المخطئ؛ فلا يمكنه لذلك أن يقبل شهادتهما، كذلك قال في أصحاب الجمل وصفين: أن أحدهما مخطئ فاسق، وقد يكون الفسقة من الفريقين، ولما كان يشك فيهما كليهما ولا يعرف أيهما الفاسق، رفض شهادتهما، وقد ذهب صاحبه عمرو بن عبيد إلى أبعد من ذلك، فحكم بفسق الفريقين من أصحاب الجمل وصفين، ولم يقبل شهادتهم جميعا ((الملل والنحل)) (1/52)، ((المعتزلة)) (18) بتصرف. .
ولم يكتف واصل بالحكم على المتحاربين على الخلافة فحسب؛ بل تعرض لحل ذلك النزاع السياسي من أساسه، فقد كانت آراء الفرق الإسلامية في الخلافة متضاربة، فأهل السنة يقولون: إن الخليفة يجب أن يكون عربيا من قريش، وأن يصل إلى الخلافة بمبايعة الأمة وموافقتها. والشيعة يرون: أن الإمامة محصورة في أولاد علي بن أبي طالب من زوجته فاطمة بنت الرسول – صلى الله عليه وسلم – والخوارج يصرون على أن تكون الخلافة بانتخاب الأمة إذا دعت الضرورة إلى ذلك، وكل مسلم يحق له أن ينتخب لإشغال ذلك المنصب. فحاول واصل أن يوحد هذه الآراء ويكون منهاجا يرضي الجميع، ويجيء وسطا بين تطرف الشيعة والخوارج، فقال: الإمامة باختيار الأمة، وحجته في ذلك: أن الله سبحانه وتعالى لم ينص على رجل بعينه، ولا الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي هذا وافق أهل السنة والخوارج. وقال أيضا : إذا كان مسلما سواء من قريش أو من غيرها، ومن أهل العدالة والإيمان، يجوز أن يقع عليه اختيار الأمة، وكان ذلك منه ترضية ثانية للخوارج وزاد على ما تقدم أن اختيار الإمام واجب على أهل كل عصر، فاقترب بهذا القول من الشيعة الذين يعتقدون بوجوده في كل وقت إن حاضرا أو غائبا.
ويتضح مما تقدم أن المسلمين في الوقت الذي ظهرت فيه هذه الفرقة كانت عندهم بعض المشاكل، وأن المعتزلة قاموا ليحلوا تلك المشاكل ويضعوا فيها أحكاما حسبوا أنها ترضي الجميع، وتحوز قبولهم، وتصلح ذات بينهم ((مروج الذهب)) (1/71، 6/24)، ((مقدمة الانتصار)) (51)، ((المعتزلة)) (19)، ((ظهر الإسلام)) (26)، ((أهم الفرق الإسلامية)) (41) بتصرف. ؛ إلا أن المسألة بالعكس؛ إذ أنهم زادوا المشاكل مشاكل، فأحدثوا من البدع والأقوال المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما جعل المسلمين ينشغلون عن حل مشاكلهم بالقضاء على هذه البدع والأقوال المخالفة، والرد عليها؛ لكن على كل حال فإن وجود بعض المشاكل بين المسلمين مما هيأ لظهور هذه الفرقة؛ ومن ثم ساعدها على الاشتهار والانتشار عندما أثبتت آراءها كأي فرقة أخرى من فرق الضلال.
2- أثر الديانات الأخرى:
لقد شهدت جزيرة العرب شروق شمس الإسلام؛ غير أنه لم يبق محصورا في هذه الجزيرة إذ ما لبث المسلمون أن خرجوا منها غازين فأخضعوا لسلطانهم معظم أقطار الشرق الأدنى، وقد وجدوا في البلاد التي فتحوها أقواما يدينون بديانات شتى.
ففي الشام ومصر عمت المسيحية واليهودية، وفي العراق وفارس غلبت المجوسية بفرقها المتعددة كالثنوية والزرادشتية والمانوية والمزدكية. . فكان لزاما على المسلمين أن يعيشوا بين أرباب تلك الأديان، وكان لابد لهم من الاتصال المستمر بهم، فتأثروا بآرائهم وأفكارهم، وتسرب إلى الإسلام من عقائدهم نتيجة ذلك الاحتكاك والتأثر المتواصلين ما كان أئمة السلف لا يقرونه، ولا يرضون به. وقد تم ذلك التأثر بطرق مختلفة، منها: ترجمة بعض الكتب القديمة مما أثر على الفرس والهنود واليونان والرومان، وكان في هذه الكتب من العلوم والفلسفات ما أثر على عقائد المسلمين، وجرهم إلى مناظرات كان للمعتزلة النصيب الأكبر منها؛ إذ أن لهم مدخل في علم الكلام. ومنها: دخول أهل الملل الأخرى في الإسلام؛ حيث جاءوا بمعارف مختلفة أثرت على عقائد المسلمين، وقد انقسم هؤلاء الداخلون في الإسلام أقساما، منهم: من دخل في الإسلام وترك معتقداته القديمة، لكنه نقل بعض تلك المعتقدات عن غير عمد، ونشرها بين أهله، فكان لها دورها في التأثير على عقائد المسلمين. ومنهم: من اعتنق الإسلام لا عن إيمان به، وإنما لغايات في نفوسهم، فعل بعضهم ذلك طمعا في مال يجنيه أو جاه يناله، وأقدم البعض الآخر عليه بدافع الحقد على المسلمين الذين هزموا دينهم وهدموا ملكهم، فأظهروا الإسلام وأبطنوا عداوته، فدئبوا على محاربته والكيد له، فكانوا خطرا عليه كبيرا لأنهم ما انفكوا ينفثون فيه ما في صدورهم من الغل والغيظ، ويروجون بين أبنائه من الأفكار ما لا تقره العقيدة الإسلامية حبا في تشويه تلك العقيدة، ورغبة في إفسادها، كما أن هناك من تمسكوا بأديانهم الأصلية، لأن الإسلام منحهم حرية العبادة، ولم يتدخل في شئونهم الخاصة ما داموا يدفعون الجزية.
ولما توطدت أركان الدولة الإسلامية وتوسعت أعمالها في عهد بني أمية، ولما لم يكن للعرب قدرة كافية في أمور الإدارة، فإنهم اضطروا إلى أن يعتمدوا في تصريف شئون البلاد على أهل الأمصار المتعلمين الذين اقتبسوا من مدنية الفرس وحضارة البيزنطيين، فأسندوا إليهم أعمال الدواوين، وهكذا كانوا يحيون بين ظهراني المسلمين، ويحتكون دوما بهم، والاحتكاك يؤدي إلى تبادل الرأي، والآراء سريعة الانتقال.
بعد هذه المقدمة نبين أثر الديانات الأخرى في ظهور الاعتزال.
معلوم أن أرباب تلك الديانات أثاروا بين المسلمين مسائل إلهية هامة لم تكن لتخطر لهم، غير أن السلف تخوفوا منها وتجنبوها، وحظروا على الناس الخوض فيها؛ لأنهم كانوا يرون في الكتاب والسنة ما يكفيهم في حياتهم، فلا ضرورة لأن ينصرفوا إلى أبحاث دينية أخرى خارجة عنهما؛ إلا أن ترك البحث في تلك المسائل الإلهية لم يدم طويلا، فسرعان ما قام من بين المسلمين رجال كان عندهم شيء من الجرأة، وحب الاستطلاع، فأقبلوا عليها يدرسونها ويقابلونها بتعاليمهم الإسلامية أولئك الرجال هم المعتزلة وأسلافهم القدرية أو الجهمية.
قد كان لليهود بلا شك بعض الأثر في ظهور المعتزلة، فهم الذين نشروا المقالة في خلق القرآن، يروي ابن الأثير ((تذكرة الحفاظ)) (4/185)، ((الكامل في التاريخ)) (1/9). أن أول من نشرها منهم هو لبيد بن الأعصم – عدو النبي صلى الله عليه وسلم – الذي كان يقول بخلق التوراة؛ ثم أخذ ابن أخته طالوت هذه المقالة عنه، وصنف في خلق القرآن، فكان أول من فعل ذلك في الإسلام، وكان طالوت هذا زنديقا فأفشى الزندقة ((الكامل في التاريخ)) (7/49)، ((المعتزلة)) (21). .
 وذكر الخطيب البغدادي ((تذكرة الحفاظ)) (3/312)، ((معجم الأدباء)) (4/13). : أن بشرا المريسي ((لسان الميزان)) (2/29)، ورد الإمام الدارمي على بشر المريسي (المقدمة). المرجئ المعتزلي أحد كبار الدعاة إلى خلق القرآن، كان أبوه يهوديا، صباغا في الكوفة ((تاريخ بغداد)) (7/61). . لكن الديانة التي كان لها أثرها في ظهور الاعتزال أكبر من غيرها هي المسيحية. والأدلة على تأثر المعتزلة بالمسائل الإلهية التي أثارها المسيحيون كثيرة منها:
1- أن الأمويين قربوهم إليهم، واستعانوا بهم، وأسندوا إليهم بعض المناصب العالية، فقد جعل معاوية بن أبي سفيان سرجون بن منصور الرومي المسيحي كاتبه وصاحب أمره ((الطبري)) (6/183)، ((الكامل)) (4/7)، ((المعتزلة)) (23). .
وبعد أن قضى معاوية بقيت لسرجون مكانته، فكان يزيد يستشيره في الملمات ويسأله الرأي ((تاريخ الأمم والملوك للطبري)) (6/194، 199). ثم ورث تلك المكانة ولده يحيى الدمشقي ((المعتزلة)) (23) الحاشية. الذي خدم الأمويين ثم اعتزل العمل سنة (112هـ) والتحق بأحد الأديرة القريبة من القدس حيث قضى بقية حياته يشتغل في الأبحاث الدينية، ويصنف الكتب ((المعتزلة)) (23). .
إن احتكاك المسلمين بأولئك المسيحيين لا يمكن أن يكون قد مضى دون أن يترك فيهم أثرا، فكيف إذا تجاوز الأمر حد التجاوز، واشترك المسلمون والمسيحيون في مناظرات دينية، وطال بينهم الجدل، هؤلاء يؤيدون دينهم، وأولئك يبرهنون على صحة معتقدهم؛ أقول ذلك، لأننا نستدل من كتابات يحيى الدمشقي وأمثاله من المسيحيين، فقد ورد منها نماذج محاورات جرت بين المسلمين والمسيحيين، واشترك فيها يحيى الدمشقي، وكان يبدأوها على هذا النحو: إذا قال لك العربي كذا وكذا فأجبه بكذا . .  وأشار المستشرق سكيفورت إلى تلك النماذج، فقال: إن من جملة الكتب التي صنفها يحيى الدمشقي كتاب في الدفاع عن النصرانية وضعه في شكل محاورة بين عربي ومسيحي، والذي يظهر من كل هذا أن الأمويين الأوليين كانوا متسامحين في الدين، فلم يمانعوا في قيام مناقشات من هذا النوع، وقد توقفت تلك المناقشات مدة طويلة، ثم استؤنفت في زمن المأمون الذي كان أكثر من الأمويين تسامحا، بل إنه ليشجعها ((المعتزلة)) (25). فقد جاء في نفح الطيب أنه حدثت مناظرة بين العتابي ((الأعلام)) (6/89)، ((معجم الأدباء)) (6/212). وبين أبي قرة أمام المأمون في المسيح عليه السلام، كذلك جرت لأبي قرة محاورة في حضرة المأمون بينه وبين بعض العلماء من العراق والشام دونها في كتاب خاص ((نفح الطيب)) (3/53). .
2- ورد في كتب المؤرخين نصوص تشير إلى أن المسلمين أخذوا عن المسيحيين بعض أقوالهم ((المعتزلة)) (25) نقلا عن ((مجلة الشرق)) (1/633). ، فقد ذكر المقريزي أن أول من تكلم بالقدر في الإسلام هو معبد الجهني ((ميزان الاعتدال)) (3/183)، ((الأعلام)) (8/177). أخذ ذلك عن نصراني من الأساورة يقال له أبو يونس، ويعرف بالأسواري ((الخطط)) (4/181), ((الفرق بين الفرق)) (17)، ((فرق وطبقات المعتزلة)) (38). .
وروى ابن قتيبة أن غيلان ((الفرق بين الفرق)) (17)، ((فرق وطبقات المعتزلة)) (38), ((كتاب المعارف لابن قتيبة)) (166، 207). الدمشقي أكبر داعية إلى القدر بعد الجهني، كان قبطيا، ولذا يدعون غيلان القبطي ((كتاب المعارف لابن قتيبة)) (166، 207). . وفي ذلك إشارة إلى أصله المسيحي.
3- ومن الأدلة أيضا على تأثر المعتزلة بالمسيحيين ما نراه من الشبه بين كثير من عقائدهم وبين أقوال يحيى الدمشقي والمسائل الدينية التي كان يعالجها. . . فلا يعقل أن يكون ذلك الشبه وليد الصدفة أو من قبل توارد الأفكار والخواطر، لأنها لا تقتصر على قول واحد أو فكرة واحدة، بل تظهر جليا في مسائل متعددة منها:
1- القول بخير الله تعالى: كان يحيى الدمشقي يقول: إن الله خير، ومصدر كل خير، وأن الفضيلة هبة منه تعالى، بها أصبح الإنسان قادرا على فعل الخير، فلولا المعونة الإلهية لما استطاع أحد أن يأتي شيئا من الخير أبدا، والمعتزلة كانوا يذهبون إلى مثل هذا القول في خير الله تعالى، ويرون أن الله لا يفعل الشر، ولا يوصف بالقدرة على فعله.
2- القول بالأصلح: ثم إن يحيى الدمشقي كان يرى أن الله تعالى يهيئ لكل شيء في الوجود ما هو أصلح له، وهذا شبيه بعقيدة الأصلح التي لعبت دورا مهما في تاريخ المعتزلة، وخلاصتها: أن الله تعالى لا يفعل بعباده إلا ما فيه صلاحهم.
3- نفي الصفات: لقد كان يحيى ينفي الصفات الأزلية، وحجته في ذلك أننا لا نستطيع أن نحدد الله تعالى أو ندرك طبيعته؛ لأن الطبيعة مستحيل عليها أن تفهم ما فوق الطبيعة، ولأنه تعالى لم يمنحنا القدرة على تعرفه وإداركه، والذين يطلقون على الله تعالى بعض الصفات، كالقدم والحياة والسمع والبصر، يخطئون كثيرا، لأن هذه الصفات تقتضي التركيب فيكون تعالى مركبا من عناصر مختلفة؛ وذلك ما لا يجوز في حقه تبارك وتعالى؛ لأنه عنصر واحد غير مركب، ولو أطلقنا عليه تعالى مثل هذه الصفات، فإن علينا أن نفهم تماما أنها مجرد صفات سلبية، فإذا قلنا أنه تعالى لا أول له، فالمعنى أنه غير مخلوق أو غير قابل للفناء، وإذا قلنا: أنه خير فالمعنى أنه لا يفعل الشر، وهكذا. وإلى هذا القول في تعطيل الصفات ذهب المعتزلة حيث جعلوه أحد أصولهم الخمسة.
4- المجاز والتأويل: كذلك تعرض يحيى الدمشقي لمسألة التجسيم والتشبيه، فقال: إنه وردت في الكتاب المقدس كلمات كثيرة تحمل معنى التجسيم والتشبيه، وإن الناس في حديثهم عن الله تعالى يستعملون عبارات تؤدي إليهما، فحيثما وجدنا مثل هذه العبارات التي تتضمن معنى التجسيم والتي تشبه الله بخلقه؛ سواء في الكتاب المقدس أو غيره، وجب أن نعتبرها مجازا أو رموزا, وننظر إليها كأداة تعين الناس على معرفة الله، ويجب أن نعمد لذلك إلى تأويلها، فمثلا: سمعه تعالى: لا يعني إلا استعداده لقبول الدعاء، وعينه تعالى: ليست سوى قدرته على معرفة كل شيء، ومراقبة كل شيء، وهكذا، وقد سار المعتزلة  على هذه الخطوة فنفوا الأحاديث وأولوا الآيات التي تتضمن الاستواء والمجيء والنزول إلى الدنيا والسمع والبصر والكلام وغير ذلك ((المعتزلة)) (27) بتصرف.
من هذا العرض اتضح لنا أن للديانات الأخرى أثر في نشأة المعتزلة وخصوصا اليهودية والمسيحية، وأن أثر المسيحيين أكثر من غيره.
ومن الضروري أن نذكر في هذا الصدد أن المعتزلة لم يتأثروا في بادئ الأمر بأرباب الديانات الأخرى مباشرة، فقد سبقهم جماعة اطلعوا على عقائد المسيحية واليهودية وأخذوا يدرسونها ويتحدثون عنها، وهم فرقتان: فرقة قالت بخلق القرآن ونفي الأزلية، وأخرى قالت بنفي القدر. وأول رجال الفرقة الأولى: هو الجعد بن درهم ((الأعلام)) (2/144). الذي أظهر مقالته في زمن هشام بن عبد الملك.
وعن الجعد أخذ الجهم بن صفوان أكثر أقواله، وكان الجهم جبريا لا يثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل أصلا، وكان فوق ذلك ينفي الصفات، ويقول بخلق القرآن وفناء الجنة والنار، وفناء حركات أهلهما، وإنكار الرؤية السعيدة، وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع، فانتشرت مقالته بـ (ترمذ) من أعمال خراسان ((الملل والنحل)) (1/79)، ((سرح العيون)) (159)، ((شذرات الذهب)) (1/169) ، ((المعتزلة)) (24)، بتصرف. .
أما الطائفة الثانية: فهي القدرية التي كانت تثبت للإنسان قدرة على أفعاله، وحرية في اختيارها، وأول رجالها عمر المقصوص المتوفى سنة (80هـ) الذي ظهر بدمشق، وكان أستاذا للخليفة معاوية بن يزيد بن معاوية، فقتله الأمويون بتهمة إفساد الخليفة ((تأويل مختلف الحديث)) (98)، ((مختصر الدول لابن العبري)) (191). . ويأتي بعده معبد الجهني الذي تكلم بالقدر في البصرة، وكان يجالس الحسن البصري فاقتدى به جماعة من المسلمين، منهم عمرو بن عبيد المعتزلي، وقد سلك أهل البصرة مسلكه في نفي القدر حينما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، ولما عظمت الفتنة به عذبه الحجاج وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان ((الخطط)) (4/181)، ((المعتزلة)) (34)، بتصرف. .
ومن رجال القدرية غير المقصوص والجهني غيلان الدمشقي الذي أخذ القول بنفي القدر عن معبد الجهني وتمادى فيه فأحضره عمر بن عبد العزيز – الخليفة الأموي العادل تولى الخلافة سنة (99هـ)، وتوفي سنة (101هـ) – ووبخه وبلغه بعد ذلك أن غيلان أسرف في القدر، فاستدعاه إليه، وامتحنه، وكان يود أن يذبحه لو لم يتراجع غيلان ويعلن توبته، فأمر عمر بن عبد العزيز بالكتابة إلى سائر الأعمال بخلاف ذلك، فأمسك غيلان عن الكلام إلى أن مات الخليفة عمر، فسأل في القدر، فجاء به هشام بن عبد الملك، وكان شديدا على القدرية فامتحنه فأقر بنفي القدر، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، فمات وصلب على باب دمشق، ويقال: أن هشاما صلبه حيا ((كتاب المعارف)) (166)، ((سرح العيون)) (157)، ((المعتزلة)) (35)، بتصرف. .
وهكذا فبينما الجعد ومن تبعه يقولون بخلق القرآن ونفي الصفات في الشام والعراق، والجهمية في خراسان، تقول أيضا: بقولهما، والقدرية في البصرة تنفي القدر وتدافع عن حرية الإنسان في اختيار أفعاله، ظهرت المعتزلة في البصرة التي كانت كما وصفها الحافظ الذهبي ((شذرات الذهب)) (6/153، 157)، ((معجم المؤلفين)) (8/289، 290). (عشر القدر) ((ميزان الاعتدال)) (2/207)، ((المعتزلة)) (35)، بتصرف. . تحت تأثير التيارات الفكرية المختلفة التي وجدوها، وكانت تعاليمهم خليطا من أقوال القدرية والجهمية، فإنهم وافقوا القدرية في نفي القدر، ووافقوا الجهمية في جميع أقوالها ما عدا الجبر، فإنهم خالفوها فيه، وتحاملوا عليه، ولا شك في أن المعتزلة كانوا متأثرين بتلك العقائد التي انتهت إليهم تأثرا قويا، مؤمنين بها إيمانا شديدا، وإلا لما كانوا تمسكوا بها، وهم يرون الأمويين يبطشون بأصحابها ويتتبعونهم بالتعذيب والقتل.
لقد ذهبت الجهمية وانقرضت القدرية، ولكن تعاليمهما بقيت محفوظة في فرقة المعتزلة التي أخذت تلك التعاليم وشرحتها وتوسعت فيها؛ ولهذا يمكننا أن نعتبر المعتزلة ورثة الجهمية والقدرية، وعلى الأخص القدرية، لأن الجهمية كانت مخالفة للمعتزلة في مسألة القدر، ولأنها انحصرت في (نهاوند) وعمرت مدة طويلة بعد قيام المعتزلة، أما القدرية فلم يكن بينها وبين المعتزلة شيء من الخلاف، وقد اندمجت بهم حال ظهورهم، فأصبح القدرية والمعتزلة فرقة واحدة ((الفرق بين الفرق)) (212)، ((المعتزلة)) (35)، بتصرف. .
وبهذا يتضح أن المعتزلة قد تأثروا بالديانات الأخرى وخصوصا اليهودية والمسيحية لكن بطريق غير مباشر. والله أعلم.
3- مناصرة بني العباس لهم:
لقد ظهرت المعتزلة في العصر الأموي، وكانوا قد أدركوا نقطة الضعف في الفرق التي خرجت قبلهم كالقدرية الذين تعرضوا لنقمة الخلفاء الأمويين، وتتبعوا بالقتل والتشريد؛ لذا علموا أنه لا بقاء لهم ما لم يوجدوا قوة كبيرة تساندهم وتشد أزرهم فخطر لهم أن يستعينوا بالسلطة الحاكمة، ويستميلوها إلى جانبهم؛ فبذلك يمكن أن يعيشوا آمنين، ويظهروا آراءهم بلا خوف ولا وجل، فتم لهم ما أرادوا، ولكن بعد جهاد طويل دام ما يقارب قرنا من الزمان؛ لذا راحوا يلقون على الخلفاء شباكهم، فنراهم يلتفون حول اليزيد بن الوليد بن عبد الملك.
قال الطبري: إن اليزيد كان قدريا ((تاريخ الأمم والملوك)) (9/46). . وروى الحافظ الذهبي: أن اليزيد حين ولي الخلافة دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه ((دول الإسلام)) (1/95). . وجاء في مروج الذهب أن اليزيد كان يذهب إلى قول المعتزلة  في الأصول الخمسة ((مروج الذهب)) (6/20). . كذلك التفوا حول مروان بن محمد – آخر خلفاء بني أمية –؛ يقول ابن الأثير: إن مروان كان يلقب بالجعدي، لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في خلق القرآن، ونفي القدر ((الكامل لابن الأثير)) (6/171). ، فكان الناس يذمونه بنسبته إلى الجعد. وذكر ابن القيم أن كلام الجعد نفق عند الناس، لأنه كان معلم مروان وشيخه؛ ومع ذلك فإن المعتزلة بقوا كما قال ابن القيم قليلين مذمومين ((الصواعق المرسلة)) (1/230). .
ولما مضى الأمويون، وابتدأ حكم العباسيين أخذ المعتزلة يرفعون رؤوسهم في حكم أبي جعفر المنصور – ثاني خلفاء بني العباس – ذلك أن عمرو بن عبيد كان صديقا لأبي جعفر المنصور قبل أن يتولى الخلافة، دخل عمرو على المنصور يوما فوعظه فأبكاه، فقال المنصور: فأصنع ماذا؟ ادع لي أصحابك أولهم!،فأجاب عمرو: ادعهم أنت بعمل صالح تحدثه. وهذا يدل على أن لعمرو مكانة عند المنصور. ثم خفت صوت المعتزلة في زمن المهدي ابن المنصور لأنه كان شديدا على الزنادقة والمخالفين، فقد جد سنة (167هـ) في طلبهم، والبحث عنهم، وعين لذلك موظفا خاصا وقتل منهم جماعة . . ولما بدأ عصر الرشيد بدأوا يرفعون رؤوسهم ثانية، فإنا نجد الرشيد يقرب بعض رجالاتهم، فإنه حين قدم ثمامة بن أشرس ((التبصير في الدين)) (74)، ((الفرق بين الفرق)) (172). بغداد، اتصل بالرشيد، واتصل به أيضا يحيى بن المبارك ((وفيات العيان)) (2/230)، ((تاريخ بغداد)) (14/146). اليزيدي، وكان مؤدبا لولده المأمون. يقول ياقوت الحموي ((سير النبلاء)) (13/197). : إن يحيى بن المبارك كان يتهم بالاعتزال. وروى أن محمد بن مناذر ((بغية الوعاظ)) (107). – أحد النساك – هجا المعتزلة في زمن الرشيد، فنفوه من البصرة إلى الحجاز، فإن صحت هذه الرواية، فإنها تدل على أن للمعتزلة في زمن الرشيد سلطة مكنتهم من القيام بمثل هذه الأعمال، والانتقام من أعدائهم.
ورغم كل هذا: فإن المعتزلة لم يجسروا على نشر مقالاتهم، والجهر بآرائهم، لأن الرشيد كان شديدا في أمور الدين؛ ومع هذا فإن الدور الذي لعبه المعتزلة في زمن الرشيد كان عظيم الأهمية بالنسبة إلى مستقبلهم، فإنه مهد لهم السبيل إلى قصر الخليفة، وجعل من بعضهم أصدقاء ووعاظا ومؤدبين لأولاده؛ وبذلك شاع ذكرهم، وتوسع نفوذهم.
وفي خلافة الأمين؛ انكمش نفوذهم لأنه كان أشد من أبيه في مسائل الدين. يقول ابن القيم: إن الأمين أقصى الجهمية وتتبعهم بالحبس والقتل، فاستمروا مضطهدين إلى أن قتل الأمين وخلفه أخوه المأمون، فابتسم لهم الدهر، وانتهى إليهم الأمر، وبدأ دور عزهم وقوتهم، فقد كان يعتبر نفسه من علماء المعتزلة فشايعهم وقربهم، وجعل منهم حجابه ووزراءه، وكان يعقد المناظرات بينهم وبين الفقهاء لينتهوا إلى رأي متفق، واستمر على ذلك حتى إذا كانت سنة (218هـ) وهي السنة التي توفي فيها, انتقل من المناظرات العلمية إلى التهديد بالأذى الشديد، بل إنزاله بالفعل؛ وذلك برأي وتدبير وزيره وكاتبه أحمد بن أبي داود ((وفيات الأعيان)) (1/63). المعتزلي، فقد كانت فيه المحاولة بالقوة لحمل الفقهاء والمحدثين على رأي المعتزلة، وما كانت قوة الحكم لنصر الآراء، وحمل الناس على غير ما يعتقدون. وإذا كان من المحرم الإكراه في الدين، فكيف يحل حمل الناس على عقيدة ليس في مخالفتها انحراف عن الدين؟! بل العكس في متابعتها الانحراف. لقد حاول أن يحمل الفقهاء على القول بأن القرآن مخلوق، فأجابه بعضهم إلى رغبته تقية ورهبة لا عن إيمان واعتقاد واقتناع بما حملوا عليه، وتحمل آخرون العنت والإرهاق والسجن الطويل، ولم يقولوا غير ما يعتقدون، استمرت تلك الفتنة طوال مدة المعتصم والواثق؛ وذلك لوصية المأمون بذلك وزاد الواثق الإكراه على نفي الرؤية، كرأي المعتزلة، ولما جاء المتوكل رفع المحنة وترك الأمور تأخذ سيرها، والآراء تجري مجراها؛ بل إنه اضطهد المعتزلة ولم ينظر إليهم نظرة راضية.
وهذا العامل بلا شك أهم العوامل التي ساعدت على بروز المعتزلة وانتشارهم، بل وجعل لهم المكانة في المجتمع، وأصبح مذهبهم معترفا به عند الناس، ونمى آراءهم وشعبها، فبعد أن كانت محصورة في مبادئ قليلة؛ كثرت وتشعبت، وأضيفت إليها زيادات لم تكن موجودة قبل ذلك ((المذاهب الإسلامية)) (219)، ((تاريخ الجهمية والمعتزلة)) (48)، ((تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون)) (288)، ((المعتزلة)) (158). .
4- الدفاع عن الدين الإسلامي:
معلوم أنه دخل في الإسلام طوائف من المجوس واليهود والنصارى وغيرهم, ورؤوسهم ممتلئة بكل ما في هذه الأديان من تعاليم جرت في نفوسهم مجرى الدم؛ ومنهم من كان يظهر الإسلام ويبطن غيره؛ إما خوفا ورهبة أو رجاء نفع دنيوي؛ وإما بقصد الإفساد وتضليل المسلمين، وقد أخذ ذلك الفريق ينشر بين المسلمين ما يشككهم في عقائدهم، فظهر ثمار غرسهم في فرق هادمة للإسلام تحمل اسمه ظاهرا وهي معاول هدمه في الحقيقة، وهذا يمكن أن يصدق على الفرس أكثر منه على أهل الكتاب؛ ذلك أن الخطر على الإسلام لم يكن آتيا من أهل الكتاب كغيرهم، فإن القرآن الكريم أمر أن يعاملوا بالحسنى؛ وذلك دليل على ضآلة خطرهم على الدين، ولكن هذا القول يصدق على المسيحيين أكثر منه على اليهود، لأن أكثر المسيحيين  في الشام كانوا عربا تجمعهم بالمسلمين الفاتحين روابط الجنس واللغة، ولأن المسيحيين في الشام ومصر لم يكن لهم كيان سياسي يأسفون على ضياعه، بل كانوا يخضعون للحكم البيزنطي الذي أثقل كاهلهم بالضرائب واضطهد المخالفين منهم لعقيدة الكنيسة الملكية . فلما جاء الفتح الإسلامي رحبوا به ونعموا تحت ظل الدولة الإسلامية بحرية الدين والعمل، فلم يكن لديهم ما يحملهم على الحقد على الإسلام والكيد له، وقد قال تعالى فيهم:
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى . . الآية [ المائدة: 82]  أما اليهود فقد حاولوا في أول الأمر أن يقاوموا الإسلام، وبذلوا جهدهم؛ إلا أن الله سبحانه وتعالى رد كيدهم في نحورهم، فلم ينالوا شيئا من الإسلام، ولذلك قال عز وجل فيهم: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ . . الآية [ المائدة: 82]. فهم بلا شك العدو اللدود للإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان، ولا تنس مؤامراتهم ودسائسهم ضد الرسول صلى الله عليه وسلم  في المدينة، ولا المقالة  في خلق القرآن التي نشرها طالوت اليهودي الزنديق ((الكامل لابن الأثير)) (7/49)، ((المعتزلة)) (36). ، فكانت سببا في فتنة كبيرة بين المسلمين، ولا نغفل أيضا عن عبد الله بن سبأ ((الأعلام)) (4/220)، ((لسان الميزان)) (3/289). الحميري اليهودي الذي أظهر الإسلام نفاقا ليكيد لأهله، والذي لم يأل جهدا في التفرقة بين المسلمين، فلقد كان أول من أثار الناس على عثمان – رضي الله عنه – ثم أصبح من دعاة التشيع ((الخطط)) (4/191)، ((الفصل)) (2/91)، ((المعتزلة)) (36). ؛ وغير من ذكرنا كثير، لكن  على العموم فإن خطر هؤلاء اليهود على الإسلام بالنسبة إلى الفرس قليل.
وأما الفرس؛ فلهم شأن آخر؛ ذلك أنهم كانوا أصحاب مجد قديم وسيادة عريقة، يختلفون عن العرب في العنصر واللغة والدين، ويشعرون أنهم أرفع من العرب شأنا، وأعلى قدرا، فقد كان الكثيرون من عرب الجاهلية في العراق واليمن خاضعين لهم، لذلك كان مقتهم للمسلمين الذين دكوا عرشهم وأفسدوا دينهم شديدا بالغا، فراحوا يكيدون للإسلام بشتى الوسائل، وأخذوا يسعون جاهدين للقضاء على سلطان المسلمين السياسي، وإفساد دين الإسلام ((المعتزلة)) (37).
يقول ابن حزم "إنهم رأوا أن الكيد للإسلام والمسلمين بالحيلة أنجح، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، واستشناع ظلم علي – رضي الله عنه – وسلكوا بهم مسالك مختلفة حتى أخرجوهم عن الإسلام ((الفصل)) (2/91). ؛ فتم لهم ما أرادوا من التفرقة بين المسلمين وإدخال البدع والضلالات المناوئة للدين. يقول البغدادي: إن البدع والضلالات في الدين ما ظهرت إلا من أبناء السبايا ((مختصر الفرق بين الفرق)) (100). .
فنتج عن كل ما ذكرنا ظهور بعض الفرق كالمجسمة والرافضة، وظهور بعض الحركات العقائدية المناوئة للإسلام كالزنادقة ((الطبري)) (10/43)، ((بغية المرتاد)) (62)، ((المعتزلة)) (38) الحاشية. والراوندية ((الموسوعة العربية الميسرة)) (858). . . هذه الحركات التي تستهدف زعزعة العقيدة الإسلامية من قلوب المسلمين، وتشكيكهم في دينهم، بل وتشويه الإسلام أمام الأمم الأخرى المجاورة للمسلمين.
ومن المعلوم أن هذه الفرق والحركات أتت بشبه تقوي بها مزاعمها، ولدحض هذه الشبه؛ لا بد من عقد المناظرات والدخول في علم الكلام الذي تعرفه المعتزلة وخاضوا فيه؛ فهذه المناظرات أمام هذه الحركات مما رفع من شأن المعتزلة وجعل لهم بعض الشهرة والزيوع ((أهم الفرق الإسلامية)) (34)، ((المذاهب الإسلامية)) (218)، ((المعتزلة)) (37)، بتصرف. .
وإليك شيء من أعمالهم التي قاموا بها أمام هذه الفرق والحركات المناوئة للإسلام – كما يروونها في كتبهم - .
لقد بدأ المعتزلة جهاد هذه الفرق والحركات منذ ظهورهم، فوضعوا كتبا في الرد عليها، ومناظراتهم الكثيرة؛ إنما كان معظمها مع الفرس، لا مع سواهم، وأول من فعل ذلك منهم رئيسهم واصل بن عطاء، ذكرت امرأته أنه كان إذا جنه الليل يصف قدميه يصلي ولوح ودواة موضوعان أمامه، فإذا مرت به آية فيها حجة على مخالف جلس فكتبها، ثم عاد في صلاته ((المنية والأمل)) (21)، ((المعتزلة)) (39). ؛ كذلك سار أصحاب واصل وتلاميذه من بعده على هذه الخطة في الرد على المخالفين، فهذا عمرو بن عبيد ناظر جرير بن حازم الأزدي ((الأغاني)) (3/24). السمني في البصرة فقطعه ((الأغاني)) (3/24). . وكذلك أبو الهذيل العلاف كان كسابقيه، فقد أكثر من تأليف الكتب في نقض مذاهب المخالفين، وإبطال حججهم، ولعل أهمها كتاب ميلاس وكان ميلاس مجوسيا فأسلم، وسبب إسلامه: أنه جمع بين أبي الهذيل وبين بعض الثنوية، فقطعهم أبو الهذيل وأظهر باطلهم ((الوفيات)) (1/685). .
كذلك كان النظام لا يألو جهدا في مكافحة المخالفين؛ من ذلك أنه جمع مجلسا بين النظام وبين الحسين بن محمد النجار الجبري، فألزمه النظام الحجة ((الفهرست)) (254)، ((المعتزلة)) (39). .
ومثل هؤلاء الأربعة الأوائل كثير من المعتزلة الآخرين الذين لم يقصروا عنهم في مقاومة المخالفين والدفاع عن الدين، فقد ألف بشر بن المعتمر ((الحاشية من كتاب الفرق بين الفرق)) (156) نقلا عن ((طبقات المعتزلة)) لابن المرتضى (52). أرجوزة تقع في أربعين ألف بيت رد فيها على المخالفين جميعا ((المنية والأمل)) (30). .
ويحسن بنا بعد هذا أن نشير إلى شيئين آخرين:
الأول: أن المعتزلة؛ وإن كان أكثر ردهم على المجوسية والجبرية، فقد كانوا لا يتأخرون عن الرد على جميع المخالفين كائنين من كانوا، فهذا الجاحظ ((الملل والنحل)) (1/71)، ((التبصير في الدين)) (76). وضع الكتب الكثيرة في الرد على النصارى واليهود والزيدية ((معجم الأدباء)) (6/107). . . كما أنهم قاوموا الخوارج ((المحاسن والمساوئ)) (152). .
الثاني: أن المعتزلة كانوا أشداء على خصومهم متمسكين بعقائدهم حتى أنهم لم يتساهلوا مع بعض رجالهم حين جاءوا بأمور مخالفة، وأبدوا آراء شاذة؛ فقد اعترضوا جميعا على بشر بن المعتمر في اللطف، وناظروه فيه حتى رجع عنه ((الانتصار للخياط)) (65). ، ونفوا حفص الفرد لما قال بالجبر وحاربوه، وتصدى له أبو الهذيل فناظره حتى غلبه ((الفهرست)) (255)، ((المعتزلة)) (41). .
كذلك فإن المعتزلة لم يكتفوا بالرد على المخالفين وتقطيعهم، بل تعدوا ذلك إلى الدعوة إلى الدين الإسلامي، فقد كانوا يرسلون الوفود من أتباعهم لهذا الغرض إلى البلاد التي يكثر فيها المجوس أو غيرهم من الوثنيين، فقد أرسل واصل بن عطاء عبد الله بن الحارث ((فرق وطبقات المعتزلة)) (53). إلى المغرب، وحفص ابن سالم ((فرق وطبقات المعتزلة)) (44) والحاشية من نفس الصفحة، وانظر (ص 53) من نفس الكتاب. إلى خراسان، فأجابهما خلق كثير، ودخلوا في الإسلام ((المنية والأمل)) (19). .
يظهر من كل ما ذكر أن المعتزلة بذلوا جهدا في الدفاع عن الدين الإسلامي، والدعوة إليه. ولكن المرء لا يسعه وهو يطالع قصة أعمالهم في الدعوة إلى الدين الإسلامي، والدفاع عنه، إلا أن بداخله بعض الشك في حقيقتها، ويساوره شيء من التردد في قبولها على علاتها، لأنها لا ترد مفصلة إلا في كتب المعتزلة أنفسهم،  على حين لا تتعرض لها المصادر الأخرى بشيء إلا إشارة وتلميحا.
لكن على العموم إن صحت كلها أو بعضها، فإنها دليل على خوض رجال المعتزلة في المناظرات والمجادلات، ومعلوم أن المجادلات تولد الأفكار وتنمي المبادئ وتنشرها، وتجعل لأصحابها ذيوعا وشهرة ينتج عنهما كثرة الأتباع، وبالتالي انتشار المبادئ والأفكار ((نشأة الأشعرية)) (120)، ((المعتزلة)) (39). .
5- دراسة الفلسفة:
حين أخذ المعتزلة على أنفسهم مهمة الدفاع عن العقائد الإسلامية، والدعوة إليها، وحين تعرضوا لمخالفيها يجادلونهم؛ تبين لهم أن أولئك القوم أمضى منهم سلاحا، وأقدر على الجدل والمناظرة؛ ذلك لأنهم كانوا أصحاب حضارة قديمة وثقافة عالية، وكان لهم معرفة بالفلسفة والعلوم العقلية واطلاع على كتب الفلاسفة الأقدمين يستوي في ذلك سكان سوريا ومصر وفارس والعراق، فالسوريون والمصريون كانوا تابعين للدولة البيزنطية وريثة الدولة الرومانية في الشرق، لها حضارة مزيج من مدينتي اليونان والرومان؛ لذلك فإنهم تأثروا بتلك الحضارة، واقتبسوا عنها كثيرا من عناصرها، وأسسوا المدارس ليتلقوا فيها الفلسفة والعلم، ويشتغلوا بترجمة الأسفار الإغريقية، فقد كانت لهم مدرسة كبيرة في الإسكندرية؛ وهي وإن كان رجالها قد انصرفوا في الفترة التي سبقت الإسلام إلى الدروس الفلكية والطبية والكيماوية؛ إلا أنها كانت قبل ذلك ميدانا لحركة لاهوتية ((الموسوعة العربية المسيرة)) (1546). واسعة . . ترمي إلى دمج الدين اليهودي بالفلسفة، وقد ظهر صدى هذه الحركة في المدارس السورية؛ ولا سيما مدرسة أنطاكية التي لعبت دورا مهما في اللاهوت، والتي نتج عن أبحاثها تكون الفرق المسيحية التي اختلفت حول طبيعة السيد المسيح كالنسطورية ((الملل)) (2/64) على حاشية الفصل. واليعقوبية ((الملل)) (3/66) على حاشية الفصل. .
وكانت تقوم في شمال شرق سوريا على الحدود بينها وبين العراق أربع مدارس أخرى، اثنتان منها للنساطرة السريان؛ هما: مدرسة نصيبين ((المعتزلة)) (47) - الحاشية. الأولى، ومدرسة الرها ((المعتزلة)) (47) - الحاشية. ، واثنتان لليعاقبة هما: مدرسة رأس العين ((المعتزلة)) (47) - الحاشية. ، ومدرسة قنسرين ((المعتزلة)) (47) - الحاشية. ، وتدور الأبحاث فيها كلها في الأمور اللاهوتية والفلسفية.
أما الدولة الفارسية؛ فقد قامت فيها مدرستان: الأولى: مدرسة نصيبين الثانية التي أعاد النساطرة فتحها بعد أن أغلقت الحكومة البيزنطية مدرستهم في الرها، فرحب الفرس بها وسمحوا لعلمائها أن يواصلوا أبحاثهم، وأن يشتغلوا باللاهوت والفلسفة، وتغاضوا عن أعمالهم التنصيرية في نواحي آسيا في سبيل الفائدة التي قد تعود على البلاد منهم.
والمدرسة الثانية: هي مدرسة جند نيسابور قاعدة خوذ ستارة إحدى مقاطعات فارس فتحها كسرى أنوشروان في القرن السادس الميلادي، وجلب إليها العلماء النساطرة، وعهد إليهم التدريس فيها، وترجمة الكتب من اليونانية إلى الفارسية، فتأثر الفرس بالحضارة الهندية، وأصبحت مدرستها محطة للتفاعل بين الحضارات الثلاث: اليونانية والفارسية والهندية، ومركزا للاحتكاك بين الديانتين المسيحية والمجوسية، وقد عمرت مدرسة جند يسابور طويلا، واستدعى أحد علمائها سنة (148هـ) ليعالج المنصور، وكانت تمد الخلفاء العباسيين من بعد المنصور بالأطباء ((تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون)) (152)، ((إخبار العلماء بأخبار الحكماء)) (71)، ((المعتزلة)) (46)، بتصرف. .
لذلك كله استطاع أولئك القوم أن يرتبوا عقائدهم على أصول فلسفية، وأن يوجدوا لأنفسهم كلاما منطقيا مدققا، وأن يتقنوا المجادلة، فلما شمر المعتزلة عن سواعدهم لمناهضتهم وجدوا أنهم لن يتمكنوا من مجاراتهم ولن يتهيأ لهم الغلبة عليهم ما لم يعمدوا مثلهم إلى درس الفلسفة ويستفيدوا منها في دعم حججهم وتقوية أقوالهم؛ لذا أقبل المعتزلة  على درس الفلسفة لأجل أن يتأتى لهم محاربة خصوم الدين الإسلامي بنفس سلاحهم، ويخاطبوهم بالأساليب التي درجوا عليها وألفوها.
ولعل هذه الحاجة الماسة إلى الفلسفة هي التي دفعت المنصور إلى تشجيع الترجمة . . ولعلها أيضا هي التي حملت الرشيد والمأمون على الاهتمام بنقل الكتب اليونانية إلى العربية ((المعتزلة)) (48). .
يقول المقريزي: إنه ترجم بأمر المأمون في بضعة أعوام من حكمه عدد من الكتب فتلقاها المعتزلة وأقبلوا على تصفحها والنظر فيها ((الخطط)) (4/183). ، فاشتد ساعدهم بها وأول معتزلي استفاد من تلك الكتب فائدة ملموسة هو النظام الذي طالع كما يروي الشهرستاني كثيرا من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة ((الملل والنحل)) (1/60). ، ثم اقتدى به غيره فكان المعتزلة أقدم المتكلمين في الإسلام، وهذه هي شهرتهم الأولى في التاريخ . . وإذا كان المعتزلة قد لجأوا إلى درس الفلسفة لا لذاتها؛ وإنما ليستخدموها في الرد على خصوم الدين الإسلامي؛ إلا أنهم منذ بدأوا في ذلك دخلوا في دور جديد من أدوار تاريخهم، فقد أحدثت الفلسفة في حياتهم انقلابا خطيرا وفي تفكيرهم ثورة عنيفة؛ لأنهم بعد أن وقفوا على مواضيعها وتعمقوا فيها أحبوها لذاتها وتعلقوا بها فنتج عن ذلك أمران:
أولهما: أنهم صاروا يعظمون الفلاسفة اليونان وينظرون إليهم نظرة أسمى من نظرتنا إليهم اليوم بل ويضعونهم في مرتبة تقرب من مرتبة النبوة حتى إنهم اعتبروا أقوالهم مكملة لتعاليم دينهم، وانهمكوا لذلك في إظهار الاتفاق الجوهري بينهما، فبدأ عمل المعتزلة الآخر؛ وهو التوفيق بين الدين الإسلامي وبين الفلسفة اليونانية؛ ذلك العمل الذي تركوه لمن خلفهم من الفلاسفة المسلمين. . الذين قاموا بنصيبهم فيه، وكانوا لا يقلون عنهم عناية به وتحمسا له.
ثانيا: إن المعتزلة أخذوا يبتعدون عن أهدافهم الدينية . . ويزدادون انصرافا إلى المسائل الفلسفية حتى جاء وقت كادت جهودهم فيه تقتصر على البحث في مواضيع الفلسفة البحتة كالحركة والسكون والجوهر والعرض والوجود والعدم، والجزء الذي لا يتجزأ.
إن اشتغال المعتزلة بالتوفيق بين الدين والفلسفة وشغفهم بالأبحاث الفلسفية وتعمقهم فيها جعلهم يتأثرون بالفلسفة كثيرا، ويصيغون بها معظم أقوالهم. ولهذا قال شتينز ((الموسوعة العربية الميسرة)) (1102). : إن الاعتزال في تطوراته الخيرة كان أكثره متأثرا بالفلسفة اليونانية.
وقد ساعدهم ما ذكرنا على الظهور والاشتهار لما يلي:
الأول: أن أخذهم من الفلسفات مما نمى آراءهم وأوجد لهم آراء جديدة.
الثاني: أن نماء موهبة المناظرة عندهم بسبب اتصالهم بهذه الفلسفات وأخذهم عنها جعلهم أبرز فرقة مسلمة تقف أمام الفلاسفة المعادين للإسلام، وهذا مما يرفع من شأنهم ويزيد في شهرتهم.
الثالث: ظهور بعض الفلاسفة المسلمين الذين اشتغلوا بالفلسفة، فورثوا من المعتزلة بعض أقوالهم الفلسفية، وهذا مما يزيد في بقاء أقوالهم وشهرتها ((المذاهب الإسلامية)) (217)، ((المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية)) (24)، ((المعتزلة)) (46). .المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص 30  

انظر أيضا: