trial

موسوعة الفرق

المطلب الثاني عشر: العلو


هذه الصفة من أظهر الصفات التي جاءت بها النصوص مستفيضة متواترة من الكتاب والسنة، كما دلت عليها العقول والفطر السليمة، وقد أجمع على إثباتها سلف الأمة وأئمتها من الصحابة, والتابعين, وتابعيهم، وسطر أئمة السلف – في كتبهم وردودهم على الجهمية المعطلة – ما فيه بيان الحق من الضلال في هذا الباب, والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وليس العجب في أن يوجد من ينكر هذه الصفة من الجهمية أو المعتزلة أو غيرها ممن عرفوا بالزيغ والإلحاد في أسماء الله وصفاته وآياته، ولكن العجب أن يقلدهم في ذلك جماعات من العلماء الفضلاء، الذين يعتبرون من أئمة الفقهاء, والعلماء, والقضاة. ولو كانت أدلة العلو دليلين أو ثلاثة أو خمسة أو لو كان القائل به عدداً محدوداً من علماء السلف، لكان لهؤلاء بعض العذر في موقفهم مما قد يقال فيه: إن الأمر التبس عليهم. أما أن تكون أدلة العلو بهذه الكثرة والوضوح والقطعية في الثبوت والدلالة، وأن تتوافق الأدلة النقلية – التي زادت على ألف دليل – مع أدلة العقل والفطرة، ثم بعد ذلك يأتي إجماع السلف على إثباتها، ويوافقهم على ذلك أئمة أهل الكلام المتقدمين من الكلابية والأشعرية وغيرهم – فهذا ما لا يجد له المسلم المنصف أي تفسير أو تبرير إلا أن باعثه التقليد والتعصب لشيوخهم النفاة.
وقد أولى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة اهتماماً كبيراً، وأطال النفس جدًّا في بيان أدلتها والردِّ على نفاتها ومناقشتهم، ولا يكاد يخلو كتاب من كتبه العقدية من عرض لها إثباتاً أو ردًّا على الخصوم فيها. وقد وصل إلينا – والحمد لله – قسط كبير منها، بلغ مئات الصفحات، خاصة في كتابين من أهم كتبه، وهما:
1- (درء تعارض العقل والنقل)، حيث أفرد لمسألة العلو الجزء السادس بأكمله وجزءًا من الجزء السابع من أوله إلى (ص: 140). .
2- (نقض تأسيس الجهمية)، والذي يسمى أحياناً نقض أساس التقديس، أو بيان تلبيس الجهمية، وقد شمل البحث في العلو جزءًا من الجزء الأول المطبوع، والجزء الثاني – المطبوع أيضا – بكامله.
إضافة إلى مواضع أخرى عديدة في (منهاج السنة)، و(مجموع الفتاوى) وغيرها.
.....ويمكن الإشارة بإجمال إلى منهجه في معالجة هذه المسألة، وذلك من خلال الأمور التالية:
أولا: الأقوال في العلو:
يطلق كثير من أهل الكلام على مسألة العلو والفوقية: الجهة، حتى صارت شبه علم عليها، مع أن "العلو" و"الفوقية" مصطلح شرعي وردت به النصوص، و"الجهة" اصطلاح حادث، ولفظ مجمل، قد يراد بنفيه أو إثباته ما هو حق وما هو باطل.
أما الأقوال في "العلو" فذات شقين:
أ- الأقوال في علو الرب تبارك وتعالى وفوقيته، وبينونته عن خلقه.
ب- الأقوال في ما يعتبره أهل الكلام من لوازم القول بالعلو مثل "الجهة" "والتحيز" و"الجسم" ونحوه.
أما الأول: فقد وقع الخلاف فيه بين الطوائف على أقوال:
1- قول من ينكر العلو مطلقاً، ويقول: ليس فوق العالم شيء أصلاً ولا فوق العرش شيء، وهذا قول الجهمية, والمعتزلة, وطوائف من متأخري الأشعرية، والفلاسفة النفاة، والقرامطة الباطنية وغيرهم.
وهؤلاء قسمان:
قسم يقول: ليس داخل العالم ولا خارجاً عنه، ولا حالًّا فيه, وليس في مكان من الأمكنة. فهؤلاء ينفون عنه الوصفين المتقابلين. وهذا قول طوائف من متكلميهم ونظارهم.
وقسم منهم يقول: إنه في كل مكان بذاته، كما يقول ذلك طوائف من عبادهم ومتكلميهم، وصوفيتهم وعامتهم انظر: ((مجموع الفتاوى)) (5/122-123، 272). .
"وكثير منهم يجمع بين القولين: ففي حال نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين المتقابلين فيقول: لا هو داخل العالم ولا خارجه، وفي حال تعبده وتألهه يقول بأنه في كل مكان، ولا يخلو منه شيء حتى يصرحون بالحلول في كل موجود – من البهائم وغيرها – بل بالاتحاد بكل شيء، بل يقولون بالوحدة التي معناها أنه عين وجود الموجودات"، ثم يعلل شيخ الإسلام سبب هذا التناقض فيقول: "وسبب ذلك أن الدعاء, والعبادة, والقصد, والإرادة, والتوجه يطلب موجوداً، بخلاف النظر, والبحث, والكلام؛ فإن العلم, والكلام, والبحث, والقياس, والنظر, يتعلق بالموجود, والمعدوم، فإذا لم يكن القلب في عبادة, وتوجه, ودعاء, سهل عليه النفي والسلب، وأعرض عن الإثبات، بخلاف ما إذا كان في حال الدعاء والعبادة, فإنه يطلب موجوداً يقصده، ويسأله ويعبده، والسلب لا يقتضي إلا النفي والعدم، فلا ينفي في السلب ما يكون مقصوداً معبوداً" ((مجموع الفتاوى)) (5/272-273)، وانظر: ((درء التعارض)) (5/169)، و((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/5-6، 505، 512). .
وهذا تحليل دقيق جدًّا، غاص شيخ الإسلام من خلاله في ثنايا النفس البشرية وطبيعتها، وهو يفسر ما يلاحظه المطلع والباحث في كتب العقائد الكلامية من وجود أنواع من التناقض عند كثير من هؤلاء المتكلمين والفلاسفة، ومن أمثلة ذلك:
أ- جمعهم بين علم الكلام الفلسفي، والتصوف.
ب- تعويلهم على العقل في كثير من مباحث أصول الدين، حتى أنهم يقدمونه على النصوص، ثم في الوقت نفسه يعولون على الكشوفات, والمشاهدات الصوفية عندهم, أو عند أشياخهم.
ج- وفي العلو قد يقولون لا داخل العالم ولا خارجه، ثم يقولون هو في كل مكان.
د- وفي توحيد الربوبية قد يبالغ في إثباته إلى حدِّ نفي كثير من الصفات الثابتة لله لأجل تحقيقه كما يزعم، ثم هو يناقض هذا التوحيد حين يرد في خاطره أو يعتقد أن النجوم أو القبور أو غيرها لها تأثير في الضر, والنفع, والرزق, وغيرها.
وإنما طال القول في بيان مذهب هؤلاء لدخول كثير من متأخري الأشعرية النفاة فيهم. فهذان قولان، قد يجمع بينهم بعضهم.
2- قول من يقول: "هو فوق العرش، وهو في كل مكان ويقول: أنا أقر بهذه النصوص وهذه، لا أصرف واحداً منها عن ظاهره, وهذا قول طوائف ذكرهم الأشعري في المقالات الإسلامية انظر: ((مقالات الإسلاميين)) (ص: 215-299) – ت ريتر ، وهو موجود في كلام طائفة من السالمية والصوفية، ويشبه هذا ما في كلام أبي طالب المكي..." ((مجموع الفتاوى)) (5/124). ، وهؤلاء غالطون وإن زعموا أنهم يجمعوا بين نصوص العلو والمعية.
3- قول سلف الأمة وأئمتها، أئمة أهل العلم والدين، وهؤلاء آمنوا بجميع ما جاء في الكتاب والسنة، وأثبتوا علو الله تعالى وفوقيته، وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، وهم بائنون منه، وهو أيضاً مع العباد بعلمه، ومع أوليائه وأنبيائه بالنصر والتأييد.
والخلاصة أن الأقوال في مباينة الله لخلقه أربعة:
1- منهم من يقول بالحلول والاتحاد فقط، كقول ابن عربي وأمثاله.
2- ومنهم من يثبت العلو نوعاً من الحلول وهو الذي يضاف إلى السالمية أو بعضهم، وفي كلام أبي طالب وغيره ما قد يقال إنه يدل على ذلك.
3- ومنهم من لا يثبت لا مباينة, ولا حلولاً, ولا اتحاداً، كقول المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم.
4- والقول الرابع إثبات مباينة (الخالق) للمخلوق بلا حلول، وهذا قول سلف الأمة وأئمتها..." ((درء التعارض)) (10/287). .
ويمكن أن يضاف إلى ذلك قولان آخران:
أحدهما: قول من يجمع بين قول الصوفية الحلولية، وقول المعتزلة بأنه لا داخل العالم ولا خارجه – كما سبق -.
والثاني: قول من يتوقف في هذا الأمر، فلا يقول بإثبات علوه على العرش ولا نفيه، بل يقول إن الله تعالى واحد في ملكه, وهو رب كل شيء, ويسكت عما سوى ذلك. وقد ردَّ شيخ الإسلام على هؤلاء انظر: ((القاعدة المراكشية)) (ص: 23-24 وما بعدها)، ط دار طيبة. .
وأما الثاني – وهو في إطلاق الجهة والتحيز، والجسم – ففيه أقوال:
1- قول من يقول: "لا أقول إنه متحيز ولا غير متحيز، ولا في جهة, ولا في غير جهة، بل أعلم أنه مباين للعالم, وأنه يمتنع أن يكون لا مبايناً ولا مداخلاً" ((مجموع الفتاوى)) (5/302). ، وهذا قول كثير من أهل الكلام والحديث.
2- "قول من يقول: بل أقول: إنه ليس بمتحيز ولا في جهة، وأقول مع ذلك: إنه مباين للعالم. وهذا قول من يقول: إنه فوق العالم, وليس بجسم, ولا جوهر, ولا متحيز، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية, والأشعرية, والكرامية, ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة, وأهل الحديث والصوفية.
فإذا قيل لهؤلاء: إثبات مباين ليس بمتحيز مخالف لضرورة العقل قالوا: إثبات موجود, لا محايث, ولا مباين أظهر فساداً في ضرورة العقل من هذا..." ((مجموع الفتاوى)) (5/303)، وانظر بقية الإجابة والمناقشة إلى (ص: 304)، وانظر أيضاً: (ص: 272) من هذا الجزء. .
3- "قول من يلتزم أنه متحيز، أو في جهة، أو أنه جسم، ويقول: لا دلالة على نفي شيء من ذلك، وأدلة النفاة لذلك أدلة فاسدة، فإنهم متفقون على أن نفي ذلك ليس معلوماً بالضرورة، وإنما يدعون النظر، ونفاة ذلك لم يتفقوا على دليل واحد، بل كل واحد منهم يطعن في دليل الآخر..." ((مجموع الفتاوى)) (5/304). ، وهذا قول الكرامية وبعض أهل الحديث ومن وافقهم.
4- "جواب أهل الاستفصال: وهم الذين يقولون: لفظ "التحيز" و"الجهة" و"الجوهر" ونحو ذلك، ألفاظ مجملة، ليس لها أصل في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى، لا نفياً ولا إثباتاً، وحينئذ فإطلاق القول بنفيها أو إثباتها ليس من مذهب أهل السنة والجماعة بلا ريب، ولا عليه دليل شرعي، بل الإطلاق من الطرفين مما ابتدعه أهل الكلام الخائضون في ذلك. فإذا تكلمنا معهم بالبحث العقلي استفصلناهم عما أرادوه بهذه الألفاظ..." ((مجموع الفتاوى)) (305)، وانظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع (2/13-14). فإن كان حقًّا قبل – ولا يمنع من قبوله تسميته بهذه المصطلحات الحادثة – وإن كان باطلاً رُدَّ.
ومن خلال ما سبق من عرض الخلاف حول المسألتين يتبين مذهب الأشاعرة، القدماء منهم والمتأخرين، كما يتبين مذهب السلف رحمهم الله تعالى.
ثانيا: أدلة أهل السنة على إثبات العلو:
إثبات علو الله تعالى معلوم بالاضطرار من الكتاب, والسنة, وإجماع سلف الأمة، ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك, لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين انظر: ((درء التعارض)) (7/27). .
وسياق الأدلة مما يصعب حصره، وقد ذكر شيخ الإسلام أنها تبلغ مئين، وأن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم, والصحابة, والتابعين متواترة موافقة لذلك انظر: ((درء التعارض)) (2/26)، وانظر: ((القاعدة المراكشية)) (ص: 35) -ط دار طيبة. .
ونقل شيخ الإسلام عن بعض أكابر أصحاب الشافعي أنه قال: "في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده، وقال غيره: فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك..." ((مجموع الفتاوى)) (5/121)، وانظر: ((الصواعق المرسلة)) – الأصل – (4/1279)، و((النونية)) لابن القيم (1/486)، مع شرح ابن عيسى. .
وقد ذكر ابن القيم في (نونيته) أكثر من عشرين نوعاً من الأدلة، وكل نوع تحته عدد من الأدلة انظر: ((النونية)) (1/396 وما بعدها)، مع شرح ابن عيسى. ، كما ذكر في الصواعق ثلاثين دليلاً من أدلة العقل والفطرة انظر: ((الصواعق المرسلة)) – الأصل – (4/1279-1340). – وهي  كلها ملخصة مما ذكره شيخه في مناقشاته.
وخلاصة هذه الأدلة:
أ- أما أدلة الكتاب والسنة، فمنها نصوص: الاستواء: والنزول، والرؤية انظر: جانباً من الرد على الرازي وتناقضه حول الرؤية والعلو في ((نقض التأسيس)) – مطبوع (2/77-90). ، وصعود الأعمال إليه، وعروج الملائكة إليه، وأنه في السماء، ونزول القرآن، وتنزل الملائكة، والمعراج، والسؤال عنه بالأين، والتصريح بالفوق، وغيرها كثير جداً.
ب- أما أدلة العقل والفطرة، فقد ذكر شيخ الإسلام الخلاف في العلو هل يعلم بالعقل أو بالسمع، وذكر أن قول الجماهير أنه يعلم بالعقل وبالسمع. وهذا قول الكلابية وطريقة أكثر أهل الحديث. وممن قال إنه يعلم بالسمع أبو الحسن الأشعري وبعض أصحابه، ولكن هؤلاء يثبتون العلو بالسمع, ويبطلون أدلة نفاته.
يقول شيخ الإسلام: "والعقل دلَّ على أن الله تعالى فوق العالم، وهذه طريقة حذاق أهل النظر من أهل الإثبات، كما هو طريق السلف والأئمة، يجعلون العلو من الصفات المعلومة بالعقل، وهذه طريقة أبي محمد بن كلاب وأتباعه، كأبي العباس القلانسي، والحارث المحاسبي، وأشباههما من أئمة الأشعرية، وهي طريقة محمد بن كرام وأتباعه، وطريقة أكثر أهل الحديث والفقه والتصوف، وإليها رجع القاضي أبو يعلى، وأمثاله.
ولكن طائفة من الصفاتية من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم، يظنون أن العلو من الصفات الخبرية كالوجه واليدين ونحو ذلك، وأنهم إذا أثبتوا ذلك أثبتوه لمجيء السمع به فقط، ولهذا كان من هؤلاء من ينفي ذلك ويتأول نصوصه، أو يعرض عنها، كما يفعل ذلك في نصوص الوجه واليد.
ومن سلك هذه الطريقة فإنه يبطل الأدلة التي يقال: إنها نافية لهذه الصفة، كما يبطل ما به ينفون صفة الاستواء والوجه واليد، ويبين أنه لا محذور في إثباتها، كما يقول مثل ذلك في الاستواء والوجه واليد، ونحو ذلك من الصفات الخبرية. وهؤلاء كلامهم أمتن من كلام نفاة الصفات الخبرية نقلاً وعقلاً..." ((درء التعارض)) (7/131-132)، وانظر أيضاً: ((درء التعارض)) (6/208-209، 9/16)، و((مجموع الفتاوى)) (16/407)، و((جواب أهل العلم الإيمان – مجموع الفتاوى –)) (17/51-52)، و((نقض التأسيس)) – مخطوط – (1/29، 3/271). .
ولاشك أن الراجح أن العلو معلوم بدليل العقل والفطرة، وقد قرر ذلك شيخ الإسلام بطرق منها: انظر: ((قواعد مهمة وبراهين قوية لأهل الإثبات في نقض التأسيس)) – مطبوع – (1/317-369).
1- أن هذا أمر مستقر في فطر بني آدم، معلوم لهم بالضرورة.
2- أن قصدهم لربهم عند الحاجات التي لا يقضيها إلا هو، وذلك في دعاء العبادة, ودعاء المسألة – إنما يكون إلى جهة العلو، فهو كما أنهم مضطرون إلى دعائه ومسألته, هم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يتوجهون إلى غيره من الجهات.
3- وهذا أيضاً متفق عليه بين العقلاء السليمي الفطرة، وكل منهم يخبر عن فطرته من غير مواطأة من بعضهم البعض، ويمتنع في مثل هؤلاء أن يتفقوا على تعمد الكذب عادة.
4- ومنها الطرق النظرية مثل قولهم: كل موجودين فإما أن يكون أحدهما مبايناً للآخر, أو مداخلاً له، وإذا ثبت أنه ليس مداخلاً له, فلابد أن يكون مبايناً له، وهكذا.
5- ومنها أنه إذا ثبت أن العالم كرة، وأن الله لابد أن يكون مبايناً لخلقه، والعلو المطلق فوق الكرة، فيلزم أن يكون في العلو انظر: ((درء التعارض)) (7/3-5، 135-134)، و((نقض التأسيس)) – مطبوع – ((1/110) (2/21-22، 78، 103-104، 48-481)، ومن المخطوط (1/26-27)، و((مجموع الفتاوى)) (5/152، 275-276)، و((درء التعارض)) (6/11-13)، و((منهاج السنة)) (2/517) – ط دار العروبة – المحققة. .
وكثيرا ما يربط شيخ الإسلام مناقشاته بأمور عملية واقعية، ولذلك فهو يورد قصة أبي المعالي الجويني مع أبي جعفر الهمذاني لما اعترض عليه وهو يقرر نفي العلو، فقال له الهمذاني: دعنا مما تقول، ما هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة من قلوبنا. فصرخ أبو المعالي، ووضع يده على رأسه وقال: حيرني الهمذاني، أو كما قال، ونزل انظر: ((مجموع الفتاوى)) (4/44، 61، 5/259)، و((الاستقامة)) (1/167)، و((منهاج السنة)) (2/515-517) – ط دار العروبة – المحققة، و((نقض التأسيس)) – مخطوط – (1/27-27). وقد سبقت الإشارة إلى قصة الجويني والهمذاني – مع بعض مصادرها – في ((ترجمة الجويني)) (ص: 619). .
ومن عجيب ما جرى لشيخ الإسلام ابن تيمية نفسه مع هؤلاء النفاة ما حكاه بقوله: ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا من هو من مشايخهم، وهو يطلب مني حاجة، وأنا أخاطبه في هذا المذهب كأني غير منكر له، وأخرت قضاء حاجاته حتى ضاق صدره، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: يالله، فقلت له: أنت محق، لمن ترفع طرفك؟ وهل فوق عندك أحد؟ فقال: أستغفر الله، ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته، ثم بينت له فساد هذا القول، فتاب من ذلك، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم" ((درء التعارض)) (6/243-244). .
أما أقوال السلف في هذا الباب فكثيرة جدًّا، وسترد الإشارة إليها عند الردِّ على زعم الرازي أنه لم يقل بالجهة سوى الحنابلة والكرامية.
ثالثاً: حجج النفاة واعتراضاتهم، والردُّ عليها:
ليس النفاة العلو دليل نقلي واحد على ما يدعونه، سوى أثر مكذوب رواه ابن عساكر فيما أملاه في نفي الجهة عن شيخه ابن عبدالله العوسجي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الذي أَيَّنَ الأَينَ فلا يقال له: أين))، وقد حكم شيخ الإسلام بأنه مكذوب، وكثيراً ما يشير إليه باسم: حديث عوسجة انظر: ((درء التعارض)) (5/255، 6/5)، و((التسعينية)) (ص: 263)، و((نقض التأسيس)) – مطبوع – (1/571)، ولم أجد هذا الحديث الموضوع، ولعله لم يرد إلا في كتاب ابن عساكر في نفي الجهة كما أشار شيخ الإسلام. .
ولما لم يكن للنفاة دليل من الكتاب والسنة عولوا على ما زعموه من أدلة العقل، والاعتراض على أدلة السلف المثبتة له.
ومجمل أدلة النفاة هي:
1- حججهم العقلية المعروفة مثل: التجسيم، والتركيب، والانقسام، والتجزء والتناهي، والتحيز، حيث قالوا: هذه لازمة لمن قال بالجهة, والله منزه عنها.
2- اعترضوا على أدلة السمع كلها بأنها معارضة بالعقل، والعقل عندهم مقدم على النقل عند التعارض.
3- أما دليل أن كل موجودين لابد أن يكون أحدهما داخلاً في الآخر, أو بائناً منه، وأنه لا يجوز أن يكون لا داخلاً ولا بائناً – فقد اعترضوا عليه بأن هذا من حكم الوهم والخيال، وإلا فالقسم الثالث صحيح في القسمة العقلية، واستدلوا عليه بوجود العقول والكليات المطلقة.
4- أنه لو كان بدهياً لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره, وهم من سوى الحنابلة والكرامية.
5- أما التوجه عند الدعاء إلى العلو فلأن السماء قبلة الدعاء, وهو منقوض بوضع الجبهة على الأرض.
6- كما اعترضوا بكون العالم كرة، ولا فرق بين الفوق والتحت.
وقد ناقش شيخ الإسلام ذلك كما يلي:
1- أما حججهم التي ذكروها من لزوم التجسيم, والتركيب, والتناهي, والتحيز, وغيرها فقد سبق الجواب عنها وبيان ما فيها من الإجمال, وذلك في المسألة الأولى ضمن مسائل هذا المبحث، وقد استقصى شيخ الإسلام حججهم هذه كما ذكرها الرازي في كتابين من كتبه هما: (الأربعين)، و(أساس التقديس)، ورد عليها كلها في منهجه المعروف من حكاية الأقوال، ثم مناقشتها وبيان تناقض الخصوم، وردود بعضهم على بعض.
وإذا تبين بطلان هذه الحجج – التي سموها براهين – وجب الرجوع إلى ما يدل عليه السمع والعقل انظر: ((أساس التقديس)) للرازي (ص: 45-61) – ط الحلبي، و((الأربعين للرازي)) (ص: 106-113)، وانظر: الرد على هذه الحجج مستوفى في ((درء التعارض)) (6/286-344)، و((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/45-319). وقد ذكر في الأربعين ست حجج، وفي أساس التقديس ثمانية براهين، وقد ردَّ شيخ الإسلام على كل واحد منها من وجوه عديدة. .
2- أما اعتراضه على أدلة السمع المثبتة بأنها معارضة بالأدلة العقلية، فهذه أيضاً سبق تفصيلها في المنهج العام في الرد على الأشاعرة, وقد أفرد شيخ الإسلام مسألة العلو – وبين كيف عارض الرازي أدلتها النقلية بأدلة العقول – ثم ردَّ عليه من وجوه عديدة منها:
أ- أن القول بأن الله فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب, والسنة, وإجماع سلف الأمة، كالعلم بالأكل والشرب في الجنة، والعلم بإرسال الرسل, وإنزال الكتب، ونصوص العلو متواترة مستفيضة, وثبوتها أعظم من ثبوت كثير مما يقر به هؤلاء كأحاديث الرجم، والشفاعة، والحوض، والميزان، وسجود السهو وغيرها انظر: ((درء التعارض)) (7/26-27). .
ب- أن نصوص العلو صريحة لا تقبل التأويل، بل التأويلات في ذلك من جنس تأويلات القرامطة, والباطنية, وهي معلومة الفساد ضرورة انظر: ((درء التعارض)) (7/37). .
ج- "أن يقال: لا نسلم أنه عارض ذلك دليل عقلي أصلاً، بل العقليات التي عارضتها هذه السمعيات هي من جنس شبه السوفسطائية التي هي أوهام وخيالات غير مطابقة، وكل من قالها لم يخل من أن يكون مقلداً لغيره، أو ظانًّا في نفسه، وإلا فمن رجع في مقدماتها إلى الفطر السليمة واعتبر تأليفها، لم يجد فيما يعارض السمعيات برهاناً مؤلفاً من مقدمات يقينية, تأليفاً صحيحاً.
وجمهور من تجده يعارض بها أو يعتمد عليها، إذا بينت له فسادها وما فيها من الاشتباه والالتباس، قال: هذه قالها فلان وفلان، وكانوا فضلاء، فكيف خفي عليهم مثل هذا؟ فينتهون بعد إعراضهم عن كلام المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وإجماع السلف الذين لا يجتمعون على ضلالة، ومخالفة عقول بني آدم التي فطرهم الله عليها – إلى تقليد رجال يقولون: إن هذه القضايا عقلية برهانية، وقد خالفهم في ذلك رجال آخرون من جنسهم، مثلهم وأكثر منهم..." انظر: ((درء التعارض)) (7/37-38)، وانظر: بقية المناقشة وهي مهمة جداً. .
ثم ذكر بقية الأوجه انظر: ((درء التعارض)) (7/39، 41، 130، 134، 137). وانظر أيضاً: ((القاعدة المراكشية)) (ص: 43-44) – ط دار طيبة. .
والقول بتقديم العقل على السمع من أصول البلايا التي بلى بها أهل الكلام، حيث أصبحت عندهم كالمخرج, عندما يضايقهم أئمة السنة بالنصوص.
3- أما زعمهم أن دليل العقل والفطرة إنما هو من حكم الوهم والخيال وأن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات لا في العقليات ثم استشهادهم بالكليات وبالنفوس – فقد أجاب عنه شيخ الإسلام في مناسبات مختلفة، ومن ردوده عليهم قوله بأن هذا باطل من وجوه:
أحدها: أنه إذا جاز أن يكون في الفطرة حكمان بديهان، أحدهما مقبول, والآخر مردود، كان هذا قدحاً في مبادئ العلوم كلها، وحينئذ لا يوثق بحكم البديهة.
الثاني: أنه إذا جوز ذلك، فالتمييز بين النوعين: إما أن يكون بقضايا بديهية، أو نظرية مبنية على البديهية، وكلاهما باطل... فإذا جاز أن تكون البديهيات مشتبهة: فيها حق وباطل، كانت النظريات المبنية عليها أولى بذلك، وحينئذ فلا يبقى علم يعرف به حق وباطل، وهذا جامع كل سفسطة...
الثالث: أن قول القائل: إن الوهم يسلم للعقل قضايا بديهية تستلزم إثبات وجود موجود، تمتنع الإشارة الحسية إليه – ممنوع.
الرابع: أنه بتقدير التسليم تكون المقدمة جدلية؛ فإن الوهم إذا سلم للعقل مقدمة، لم ينتفع بتلك القضية، إلا أن تكون معلومة له بالبديهية الصحيحة، فإذا لم يكن له سبيل إلى هذا انسدت المعارف على العقل، وكان تسليم الوهم إنما يجعل القضية جدلية لا برهانية. وهذا وحده لا ينفع في العلوم البرهانية العقلية.
الخامس: أن قول القائل: إن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات دون العقليات، إنما يصح إذا ثبت أن في الخارج موجودات لا يمكن أن تعرف بالحس بوجه من الوجوه، وهذا إنما يثبت إذا ثبت أن في الوجود الخارجي مالا يمكن الإشارة الحسية إليه. وهذا أول المسألة فإن المثبتين يقولون: ليس في الوجود الخارجي إلا ما يمكن الإشارة الحسية إليه، أو لا يعقل موجود في الخارج إلا كذلك...
السادس: أن يقال: إن أردتم بالعقليات ما يقوم بالقلب من العلوم العقلية الكلية ونحوها، فليس الكلام هنا في هذه، ونحن لا نقبل مجرد حكم الحس ولا الخيال في مثل هذه العلوم الكلية العقلية، وأن أردتم بالعقليات موجودات خارجة، لا يمكن الإشارة الحسية إليها، فلم قلتم: إن هذا موجود؟ فالنزاع  في هذا، ونحن نقول: إن بطلان هذا معلوم بالبديهة" ((درء التعارض)) (6/15-17). ... إلى آخر الأوجه انظر: ((درء التعارض)) (6/17-18). .
ويلاحظ أن شيخ الإسلام بدأ من الوجه الخامس يناقش المسألة التي اعتمد عليها الرازي – ومن وافقه – في هذا الباب، حيث اتبعوا ابن سينا وغيره من الفلاسفة في مسألة الكليات الذهنية التي زعموا أنها موجودة في الخارج.
وهذه من المسائل التي تخبط بسببها المتكلمون في كثير من قضايا العقيدة ودلائلها. وهي من الباطل الذي لا حقيقة له، إذا ليس كل ما في الأذهان يكون موجوداً في الأعيان، وهذه الكليات المطلقة توجد مطلقة في الأذهان فقط، أما في الأعيان فلا توجد إلا مقيدة، وقد سبقت الإشارة إلى هذا.
ولما تكلم شيخ الإسلام عن هذه المسألة – في موضع آخر – ضرب مثالاً عليه في مسألة العلو عند هؤلاء النفاة، "ولكن طائفة من أهل الجدل, والحكمة, السوفسطائية، يستدلون على إمكان الشيء في الخارج بإمكانه في الذهن، كما يوجد مثل ذلك في كلام كثير من أهل الكلام والفلسفة. والرازي والآمدي ونحوهما لا مباين للعالم ولا مجانب بأن يقولوا: القسمة العقلية تقتضي أن كل موجود فإما مباين لغيره أو مجانب له، وإما لا مباين, ولا مجانب، أو كل موجود فإما داخل في غيره, وإما خرج عنه, وإما لا داخل ولا خارج.
ويجعلون مثل هذا التقسيم دليلاً على إمكان كل من الأقسام في الخارج، وقد يسمون ذلك برهانا عقليا، وهو من أفسد الكلام..." ((درء التعارض)) (3/365-366). .
ومثل هذا احتجاجهم بأن الفلاسفة وطائفة من المتكلمين من المعتزلة والشيعة والأشعرية – أثبتوا النفس، وقالوا: إنها لا داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا حالة فيه. وبطلان هذا مثل بطلان وجود الكليات في الخارج انظر: ((درء التعارض)) (6/161)، وانظر: ((مجموع الفتاوى)) (5/292-295). .
وكثيرا ما يختلط الأمر عند هؤلاء فيظنون أن الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس وبين المعقول، وهذا أحد مداخل ملاحدة الباطنية والصوفية وغيرهم. والحق أن الغيب ليس غير المحسوس, بل الغيب يمكن إحساسه، والله تعالى أعظم الغيب وهو يرى انظر: ((درء التعارض)) (5/171-173)، وانظر: مناقشة أخرى مطولة ومهمة في ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/502-558). .
وأكبر دليل على فساد ما زعمه هؤلاء من صحة قولهم بإمكان موجود لا مباين, ولا محايث، أو لا داخل العالم ولا خارجه – أنهم عجزوا عن الردِّ على الحلولية من النَّصارى والصُّوفية، وقد أفرد شيخ الإسلام لبيان ذلك فصلاً طويلاً انظر: ((درء التعارض)) (6/137-186). ، ومما قاله: "ولهذا كان الحلولية والاتحادية منهم، الذين يقولون: إنه في كل مكان، يحتجون على النفاة منهم الذين يقولون: ليس مبايناً للعالم, ولا مداخلاً له، بأنا قد اتفقنا على أنه ليس فوق العالم، وإذا ثبت ذلك تعين مداخلته للعالم، إما أن يكون وجوده وجود العالم، أو يحل في العالم، أو يتحد به، كما قد عرف من مقالاتهم.
والذين أنكروا الحلول والاتحاد من الجهمية، ليست لهم على هؤلاء حجة إلا من جنس حجة المثبتة عليهم، وهو قول المثبتة: إن ما لا يكون لا مداخلاً ولا مبايناً، غير موجود، فإن أقروا بصحة هذه الحجة بطل قولهم، وإن لم يقروا بصحتها أمكن إخوانهم الجهمية الحلولية أن لا يقروا بصحة حجتهم، إذ هما من جنس واحد" انظر: ((درء التعارض)) (6/148-149). ، ثم ذكر شيخ الإسلام نموذجا على ذلك، وهو رد الرازي على حلولية النَّصارى، حيث علَّق شيخ الإسلام بعد نقل كلام الرازي في الردِّ عليهم انظر: ((درء التعارض)) (6/149-151). بقوله: "قلت ما ذكره الرازي من إبطال الحلول بإلزام النصارى كلام صحيح، لكن هذا إنما يستقيم على قول أهل الإثبات المثبتين لمباينته للعالم، فأمَّا على قول الجهمية النفاة فلا تستقيم هذه الحجة..." انظر: ((درء التعارض)) (6/151). .
وذلك أنه يلزم من تجويز إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه تجويز قول الحلولية، ولا يمكن أن يوجد في النفاة من يرد على الحلولية ردًّا مستقيماً، بل إن لم يوافقهم كان معهم بمنزلة المخنث – كما يعبر شيخ الإسلام انظر: ((درء التعارض)) (6/173). .
وقد سبقت الإشارة إلى ما بين هذين المذهبين – النفاة والحلولية – من توافق، إلى حدِّ أن الواحد منهم قد يتلبس بالمذهبين في وقت واحد، حسب حالته. وكثير من النفاة يعظم ملاحدة الصوفية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض، بل إن أحد أفضل المتكلمين من نفاة العلو "يعتقد  في مثل هذا أنه كان من أفضل أهل الأرض، أو أفضلهم ويأخذ ورقة فيها شرُّ مذهبه، يرقي بها المريض، كما يرقي المسلمون بفاتحة الكتاب، كما أخبرنا بذلك الثقاة، وهم يقدمون تلك الرقية على فاتحة الكتاب...." انظر: ((درء التعارض)) (6/170). .
ويركز شيخ الإسلام على أن هؤلاء جميعاً ينطلقون من تلك المناظر المشهورة التي جرت بين الجهم والسمنية, وقد ذكرها الإمام أحمد ((الرد على الزنادقة)) (ص: 64-57) – ضمن عقائد السلف، وخلاصتها أن جماعة من السمنية أرادوا أن يناظروا الجهم – وكان مشهوراً بالخصومات والكلام – فاحتجوا عليه بأنه إذا لم ير إلهه, ولم يسمعه, ولم يشمه, ولم يحسه – فهو غير موجود. فتحير الجهم وبقي أربعين يوماً لا يدري من يعبد، ثم استدرك حجة النصارى في عيسى فأخذها، ورد على السمنية بالروح, وأنها لا ترى, ولا تسمع, ولا تشم.... ، فالجهم لما احتج عليهم بالروح بأن الروح لا ترى, ولا تسمع, ولا تحس, ولا تجس، طبق ذلك على الله تعالى، فقال: وكذلك هو موجود, ولا يرى, ولا يسمع, ولا يوصف بصفة.
ومن هذه المناظرة انطلق المبطلون:
- نفاة الأسماء والصفات من الجهمية وغيرهم.
- ونفاة العلو القائلون بأن الله لا داخل العالم, ولا خارجه.
- والحلولية القائلون بأن الله في كل مكان.
فصاروا ينطلقون مما انطلق منه الجهم، والذين تفلسفوا كالرازي وغيره اعتمدوا على مثل هذا تماماً, وذلك حين احتجوا بالكليات التي لا توجد إلا في الأذهان، وبالنفوس المفارقة التي قال بها الفلاسفة وغيرهم. وهذا يبين ما بين أهل الباطل من ترابط، وكيف يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.
وقد بين شيخ الإسلام الجواب الصحيح لهؤلاء السمنية، وكيف عدل الجهم عن ذلك، وشبه حجته بحجة الرازي على نفي العلو, واحتجاجه بما يقوله الفلاسفة في المعقول والنفوس انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (1/318-325)، و((درء التعارض)) (5/165-175)، و((التسعينية)) (ص: 32-39). .
وكثيراً ما يعتمد هؤلاء المتكلمون على شبه الفلاسفة انظر: مثالا على ذلك في ((نقض التأسيس)) – مطبوع (1/103-121). .
4- أما دعوى أنه لو كان بديهياً لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره، وهم من سوى الحنابلة والكرامية. فجوابه من وجوه:
أحدها: أن العكس هو الصحيح، فإن أمم الأرض جميعاً يقولون بأن الله فوق العالم، والذين خالفوا ذلك فئات قليلة من الفلاسفة, والجهمية, والمعتزلة, والأشاعرة، تلقاه بعضهم عن بعض تقليداً.
ومسألة العلو ليست من المسائل الصغيرة – التي قد تعرفها أمة أو أتباع نبيٍّ دون غيرهم – بل هي من المسائل الكبار المتعلقة بأصل التوحيد, وهي مما ينفصل فيه أهل الإيمان عن الإلحاد، ولذلك اتفق الأنبياء جميعاً عليها كما اتفقوا على التوحيد انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/9). .
ولتواتر النصوص الواردة في إثبات العلو لم يستطع – الأشاعرة المتأخرون ولا غيرهم – إنكارها أو معارضتها، وإنما صاروا يعبرون عن المعاني التي يريدونها من نفي العلو بعبارات ابتدعوها، ويكون فيها اشتباه وإجمال، مثل أن يقولوا: إن الله ليس بمتحيز ولا في جهة، وغيرها من العبارات المحتملة للحق والباطل، وهم قصدوا بها ردَّ الحق انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/9). . ولو كانت دعواهم كما صورهم الرازي أنه لم يخالف فيها الإ الحنابلة والكرامية لما تدسسوا إلى آرائهم وأقوالهم بمثل هذه الأساليب حين يتعاملون مع مئات النصوص الواردة المثبتة للعلو.
وقد ردَّ شيخ الإسلام على هذه الدعوى بنقل النصوص العديدة لعشرات الأئمة والعلماء من السلف, وممن جاء بعدهم من مختلف الطوائف: من الفقهاء: المالكية، والشافعية، والحنفية، والحنبلية، والظاهرية، وأهل الحديث، والصوفية والشيعة وأهل الكلام والفلسفة وغيرهم. فكيف يقال مع هذا إنه لم يقل بالعلو إلا الحنابلة, والكرامية؟.
ومن هؤلاء الأئمة الذين أثبتوا العلو ونقلت أقوالهم: عبدالله بن المبارك، وربيعة، والإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، والبخاري، والفضيل ابن عياض، وسليمان بن حرب، وابن خزيمة، والصابوني، والحاكم، وابن عبد البر، وابن أبي زمنين، وأبو نصر السجزي، وأبو عمر الطلمنكي، ونصر المقدسي، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو أحمد الكرخي، وأبو محمد المقدسي، وابن أبي حاتم، والخلَّال، وعبدالله بن الإمام أحمد، والقرطبي، والبيهقي، وابن رشد، وغيرهم كثير جدًّا، وأقوالهم ونصوصهم مدونة, يثبتون فيها هذه الصفة, ويردُّون على من تأوَّلها انظر: أقوال هؤلاء في ((درء التعارض)) (6/78-82، 212-226، 250-267)، ((ومجموع الفتاوى)) (5/136-143، 175-183، 256-261، 314-317)، و((القاعدة المراكشية)) (ص: 55-57، 62-79) – ط دار طيبة، و((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/35-45) – مخطوط – (1/61-65). .
فكيف يدعي الرازي أنه لم يثبت العلو سوى الحنابلة والكرامية؟.
الثاني: أن من المخالفين للرازي – ولمتأخري الأشعرية كالجويني والغزالي، والآمدي – شيوخهم المتقدمين من أئمة الأشاعرة، كابن كلاب، والقلانسي، والمحاسبي، وأبي الحسن الأشعري، وتلاميذه كابن مجاهد، وأبي الحسن الطبري، والباقلاني، وابن فورك – في أحد قوليه – والقاضي أبي يعلي، والقرطبي، والخطابي، وغيرهم ممن جاءت نصوصهم صريحة واضحة في إثبات العلو, والردِّ على الجهمية انظر نصوص أقوالهم في: ((درء التعارض)) (2/-12-13، 6/119-134، 193-212، 242-243)، و((مجموع الفتاوى)) (5/152، 13/174، 16/89-91)، و((منهاج السنة)) (2/251-252) – ط دار العروبة – المحققة – و((نقض التأسيس)) – مطبوع – (1/127، 2/14-35، 433-439)، - مخطوط – (1/55-82، 2/109-111، 181-182)، وغيرها كثير جدا. .
فهؤلاء المتأخرون النفاة من الأشاعرة مخالفون لأقوال شيوخهم، وقد علق شيخ الإسلام على ذلك – بعد نقله أقوال أولئك في إثبات العلو وغيره من الصفات – بقوله: "فإذا كان قول ابن كلاب, والأشعري, وأئمة أصحابه، وهو الذي ذكروا أنه اتفق عليه سلف الأمة, وأهل السنة، أن الله فوق العرش، وأن له وجها ويدين، وتقرير ما ورد في النصوص الدالة على أنه فوق العرش، وأن تأويل "استوى" بمعنى استولى هو تأويل المبطلين ونحو ذلك – علم أن هذا الرازي ونحوه هم مخالفون لأئمتهم في ذلك، وأن الذي نصره ليس هو قول ابن كلاب, والأشعري, وأئمة أصحابه، وإنما هو صريح قول الجهمية, والمعتزلة, ونحوهم، وإن كان قد قاله بعض متأخري الأشعرية كأبي المعالي ونحوه" ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/35). .
الثالث: "أن يقال حول قوله باتفاق الجمع العظيم على إنكار العلو – "لم يطبق على ذلك إلا من أخذه بعضهم عن بعض، كما أخذ النصارى دينهم بعضهم عن بعض، وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم.
فأما أهل الفطر التي لم تغير فلا ينكرون هذا العلم، وإذا كان كذلك فأهل المذاهب الموروثة لا يمتنع أطباقهم على جحد العلوم البديهية، فإنه ما من طائفة من طوائف الضلال – وإن كثرت – إلا وهي مجتمعة على جحد بعض العلوم الضرورية" ((درء التعارض)) (6/267-268). .
أما دعوى التواطؤ فمردودة بأن الفطر التي لم تتواطأ يمتنع اتفاقها على جحد ما يعلم بالبديهة، وقد يوافق بعض الناس – أو بعض عامتهم – على إنكار الجهة والتحيز والمكان، حين يقصد بنفيها ما هو معنى صحيح مثل نفي أن الله محصور في خلقه، أو مفتقر إلى مخلوق، إلى غير ذلك من المعاني التي يجب نفيها عن الله تعالى. أما لو قصد بذلك أن الله ليس فوق السموات، وأنه ليس وراء العالم إله موجود، فهذا لا يوافق عليه أحد بفطرته، وإنما يوافق عليه من قامت عنده شبهة من شبه النفاة انظر: ((درء التعارض)) (6/271-272)، وانظر أيضا (6/191-193). .
5- أما الاعتراض على رفع الأيدي، وأن القلوب مفطورة عند دعائها ومسألتها – على التوجه إلى الله في العلو – بأن ذلك لأن السماء قبلة للدعاء, وأن هذا منقوض بوضع الجبهة على الأرض، أو غير ذلك من التعليلات الهزيلة من ذلك ما زعمه الرازي من الرفع إلى السماء لأن الأنوار تنبعث من جانب السموات، أو لأن الحياة متوقفة على الهواء وهو دائماً فوق الأرض. أو لأن الغيث ينزل من السماء: انظر: ((أساس التقديس)) (ص: 76-77). وهي تعليلات هزيلة جدا ومع ذلك فقد ناقشها شيخ الإسلام ضمن غيرها في الأوجه الأربعين التي ذكرها. – والحمد لله (2/431-502). .
وقد ركز شيخ الإسلام في هذه الأوجه على بيان أن الاستدلال برفع الأيدي والأبصار إلى السماء عند الدعاء، إنما هو حجة أهل الإثبات من السلف والخلف، وأن من هؤلاء الأشعري, وأئمة أصحابه، وقد نقل شيخ الإسلام كلامهم في ذلك انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/433-439). ، فالرازي في الحقيقة إنما يعترض على شيوخه الأشاعرة، وهم باستدلالهم يردون عليه. والإشارة إلى الله في العلو باليد, والأصابع, أو العين, أو الرأس، قد تواترت به السنن عن الرسول صلى الله عليه وسلم انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/439-445). . والنهي عن رفع البصر في الصلاة لأنه من باب الخشوع الذي أثنى الله على أهله، ولو كان الله ليس فوق، بل هو في السفل كما هو في الفوق لم يكن رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع، بل كان يكون بمنزلة خفضها انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (3/445)، وانظر الرسالة العرشية – ((مجموع الفتاوى)) – (5/576-580). .
والناس على اختلاف عقائدهم وأديانهم يشيرون عند الدعاء إلى السماء لأن هذا شيء يجدونه في فطرهم انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/446-447). .
ودعوى أن السماء قبلة للدعاء كالكعبة قبلة للصلاة، باطل معلوم بالاضطرار بطلانه من وجوه: منها أن المسلمين مجمعون على أن قبلة الداعي هي قبلة الصلاة، ومنها: أن كون السماء أو العرش قبلة لا يثبت بغير الشرع، وليس في النصوص أي دليل على ذلك، ومنها أن القبلة أمر يدخله النسخ، ولذلك تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ولو كانت القبلة هي العرش أو السماء لجاز تغييرها وتبديلها، ولجاز أن يدعو الإنسان ربه إلى سائر الجهات، وهذا فضلاً عن أنه باطل، فإن العباد مفطورون على أن لا يتوجهوا إلا إلى جهة العلو. ومنها: أن القبلة ما يستقبله الإنسان بوجهه، أما ما يرفع الإنسان إليه يده أو رأسه أو بصره، فهذا باتفاق الناس لا يسمى قبلة، ومعلوم أن مستقبل القبلة يستدبر ما يقابلها، أما الداعي فإنه لا يكون مستقبلاً للسماء, مستدبراً للأرض، بل يكون مستقبلاً لبعض الجهات. إلى غيرها من الأوجه انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/452-464). .
ووضع الجبهة على الأرض يفعله الناس لكل من يعظمونه، ولهذا يسجد المشركون لأصنامهم. وهذا بَيِّنٌ انظر: مناقشة ذلك من خمسة أوجه في ((الدرء)) (7/21-25). .
فتبين من هذه الأوجه وغيرها سلامة احتجاج السلف على العلو بما فطر الناس عليه من رفع أيديهم إلى السماء عند الدعاء والحاجة.
6- أما اعتراضهم بأن العالم كرة، وأن الله إذا كان في جهة فوق لكان أسفل بالنسبة لسكان الوجه الآخر.
فشيخ الإسلام لا ينازع في استدارة الفلك – كما قد ينازع فيه بعض الجهال انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/215). -، وقد أجاب عن هذا الاعتراض بعدة أوجه:
منها: أن القائلين بأن العالم كرة يقولون أن السماء عالية على الأرض من جميع الجهات، والأرض تحتها من جميع الجهات.
والجهات قسمان:
حقيقية: ولها جهتان العلو والسفل فقط، فالأفلاك وما فوقها هو العالي مطلقاً، وما في جوفها هو السافل مطلقاً.
وإضافية: وهي الجهات الست بالنسبة للحيوان، فما حاذى رأسه كان فوقه وما حاذى رجليه فهو تحته، وما حاذى جهته اليمنى كان عن يمينه. وهكذا.
ويتضح الفرق بينهما فيما لو علق رجل، فجعلت رجلاه إلى أعلى، ورأسه إلى أسفل، فبالنسبة للجهة الحقيقية لم يتغير عليه شيء إذ لا تزال السماء فوقه والأرض تحته، أما بالنسبة للإضافة فإن الأرض فوق رأسه انظر: ((درء التعارض)) (6/327-328). .
"وإذا كان كذلك فالملائكة الذين في الأفلاك من جميع الجوانب، هم باعتبار الحقيقة، كلهم فوق الأرض، وليس بعضهم تحت بعض، ولا هم تحت شيء من الأرض، أي الذين في ناحية الشمال ليسوا تحت الذين في ناحية الجنوب وكذلك من كان في ناحية برج السرطان ليس تحت من كان في ناحية برج العقرب, وإن كان بعض جوانب السماء تلي رؤوسنا تارة وأرجلنا أخرى، وإن كان فلك الشمس فوق القمر، وكذلك السحاب وطير الهواء، هو مع جميع الجوانب فوق الأرض وتحت السماء، ليس شيء منه تحت الأرض، ولا من هذا الجانب تحت من هذا الجانب... (فـ) علم أنه لا يلزم من كون الخالق فوق السماوات، أن يكون تحت شيء من المخلوقات، وكأن من احتج بمثل هذه الحجة إنما احتج بالخيال الباطل الذي لا حقيقة له..." ((درء التعارض)) (6/328-329) بتصرف يسير. .
"وإذا كانت المخلوقات التي في الأفلاك والهواء والأرض لا يلزم من علوها على ما تحتها أن تكون تحت ما في الجانب الآخر من العالم، فالعلي الأعلى – سبحانه – أولى أن لا يلزم من علوه على العالم أن يكون تحت شيء منه" ((درء التعارض)) (6/330). .
وقد سبق – عند ذكر أدلة أهل السنة العقلية على العلو – أن كون العالم كرة من أدلة العلو.
ومنها: أنه لا يسلم لزوم السفول، وإن سلم لزومه فلابد من دليل ينفي به ذلك، ولا يلزم من ذلك نقص، لأن الأفلاك موصوفة بالعلو على الأرض – مع لزوم ما ذكر من السفول تحت سكان الوجه الآخر – وليس ذلك نقصاً فيها. وإذا كان هذا في المخلوقات فالخالق أولى أن يتنزه عنه حين يوصف بالعلو عليها كلها انظر: ((درء التعارض)) (6/330-333). .
أما دعوى أنه يلزم أن يكون الله فلكاً محيطاً بالعالم حتى يكون عالياً عليه فيقال: "على هذا التقدير إذا كان محيطاً لم يكن سافلاً البتة، بل يكون عالياً، وعلى هذا فإذا كان هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، ولو أدلى المدلي بحبل لهبط عليه – كان محيطاً بالعالم, عالياً عليه مطلقاً, ولم يلزم من ذلك أن يكون فلكاً ولا مشابهاً للفلك، فإن الواحد من المخلوقات تحيط قبضته بما في يده من جميع جوانبها، وليس شكلها شكل يده، بل ولا شكل يده شكلها" انظر: ((درء التعارض)) (6/335). .
ثم إن العلو لا يشترط فيه الإحاطة، وإن كانت الإحاطة لا تناقضه والناس يعلمون أن الله فوق العالم، وإن لم يعلموا أنه محيط به، وإذا علموا أنه محيط به لم يكن ذلك ممتنعاً عندهم.
"والله تعالى ليس مثل الأفلاك، ولا يلزم إذا كان فوق العالم ومحيطاً به أن يكون مثل فلك، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه" ((درء التعارض)) (6/339). .
"والمقصود: أنه إذا كان الله أعظم وأكبر وأجل من أن يقدر العباد قدره، أو تدركه أبصارهم، أو يحيطون به علماً، وأمكن أن تكون السموات والأرض في قبضته لم يجب – والحال هذه – أن يكون تحت العالم، أو تحت شيء منه، فإن الواحد من الآدميين إذا قبض قبضة, أو بندقة, أو حمصة, أو حبة خردل, وأحاط بها بغير ذلك، لم يجز أن يقال: إن أحد جانبيها فوقه، لكون يده لما أحاطت بها كان منها الجانب الأسفل يلي يده من جهة سفلها، ولو قدر من جعلها فوق بعضه بهذا الاعتبار، لم يكن هذا صفة نقص، بل صفة كمال.
وكذلك أمثال ذلك من إحاطة المخلوقات ببعض المخلوقات، كإحاطة الإنسان بما في جوفه، وإحاطة البيت بما فيه، وإحاطة السماء بما فيها من الشمس والقمر والكواكب، فإذا كانت هذه المحيطات لا يجوز أن يقال: إنها تحت المحاط وإن ذلك نقص، مع كون المحيط يحيط به غيره – فالعلي الأعلى المحيط بكل شيء، الذي تكون الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، كيف يجب أن يكون تحت شيء مما هو عالٍ عليه, أو محيط به، ويكون ذلك نقصاً ممتنعاً؟" ((درء التعارض)) (6/339). .
والخلاصة:
1- أن كون العالم كرة دليل على العلو، لأنه ليس هناك إلا علو مطلق أو سفل، وهو مركز الأرض، وهذا بالنسبة لجميع سكان الأرض، وإذا ثبت أن الله بائن من خلقه فهو في جهة العلو مطلقاً.
2- أن الأرض والسموات إذا كان الله يقبضها بيده، فتصور أن يكون تحت شيء منها تصور فاسد، لم يقدر صاحبه حق قدره. فكل ما يفترضه المفترض من لزوم أن يكون الله محيطا بالمخلوقات، أو أنه فلك، أو غير ذلك من التصورات فهي إما تصورات فاسدة، كتصور أنه فلك أو أنه لا يلزم منها نقص ينافي كمال ربوبية الله تعالى ككون الله تعالى محيطاً بخلقه.
ولشيخ الإسلام في ذلك مناقشات مطولة بين من خلالها أن ثبوت العلو الذي جاءت به النصوص وفطرت عليه العقول – لا يلزم منه شيء من هذه اللوازم التي ذكرها نفاته انظر: ((درء التعارض)) (6/326-340)، و((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/211-230)، و((رسالة في الهلال – مجموع الفتاوى)) (25/196-197). .
ومن ذلك أن لقائل أن يقول: ما فائدة أن يتوجه الإنسان عند الدعاء إلى العلو، ولماذا لا يتجه إلى إحدى الجهات الأخرى من يمين أو شمال ما دامت نهايته العلو نفسه؟ يقول شيخ الإسلام – بعد توضيحه لبعض الأمور-: "وإذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه إلا من الجهة العليا، لم يطلبه من جهة رجليه, أو يمينه, أو يساره لوجهين:
أحدهما: أن مطلوبه من الجهة العليا أقرب إليه من جميع الجهات، فلو قدر رجل أو ملك يصعد إلى السماء أو إلى ما فوق، كان صعوده مما يلي رأسه أقرب إذا أمكنه ذلك، ولا يقول عاقل: إنه يخرق الأرض ثم يصعد من تلك الناحية،...
الوجه الثاني: أنه إذا قصد السفل بلا علو كان ينتهي قصده إلى المركز، وإن قصده أمامه, أو وراءه, أو يمينه, أو يساره من غير قصد العلو كان منتهى قصده أجزاء الهواء، فلابد له من قصد العلو ضرورة، سواء قصد من ذلك هذه الجهات أو لم يقصدها، ولو فرض أنه قال: أقصده من اليمين مع العلو، أو من السفل مع العلو، كان هذا بمنزلة من يقول: أريد أن أحج من المغرب، فأذهب إلى خراسان ثم أذهب إلى مكة..." ((الرسالة العرشية - مجموع الفتاوى – )) (6/568-569). .موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1228


انظر أيضا: