trial

موسوعة الفرق

المبحث الثاني: تعريف التصوف اصطلاحاً


أ- تعريف التصوف لدى المتصوفة أنفسهم:
وقد اختلفوا اختلافاً كثيراً في تعريفه، كما اختلفوا في أصله واشتقاقه، بل اختلفوا هنا في تعريفه اختلافاً كثيراً حتى تناقضت وتعارضت تعريفاتهم فمن المتصوفة الذين أوردوا تعريفات عدة للتصوف:
1- معروف الكرخي وقد عرفه بما يلي: (التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق) ((عوارف المعارف)) للسهروردي (ص: 62) طبعة دار المعارف ببيروت. .
2- الجنيد ((عوارف المعارف)) للسهروردي (ص: 62) طبعة دار المعارف ببيروت. وقد عرفه بما يلي فقال: (التصوف أن تكون مع الله بلا علاقة) وقد عرفه أيضاً بما يلي فقال: (التصوف تصفية القلب عن موافقة البرية ومفارقة الأخلاق الطبعية وإخماد الصفات البشرية ومجانبة الدواعي النفسانية ومنازلة الصفات الربانية والتعلق بعلوم الحقيقة واتباع الرسول في الشريعة) ((التعرف لمذهب أهل التصوف)) للكلاباذي (ص: 34). مكتبة الكليات الأزهرية الطبعة الأولى. .
وقد عرَّف سحنون التصوف بما يلي حين سُئل عنه فقال: (التصوف هو أن لا تملك شيئاً ولا يملك شيء) ((اللمع)) للطوسي (ص: 15). .
إذا نظرنا في التعريفات السابقة نرى أن أئمة التصوف قد عرفوا التصوف بتعريفات مختلفة، فمثلاً معروف الكرخي قد عرفه بأن معنى التصوف هو الأخذ بالحقائق، كلمة الحقائق تحتمل عدة وجوه ولا ندري ماذا يقصد بها ولعله في الغالب يقصد بها العلم الصوفي الذي يقولون عنه علم الحقيقة.
وأما الجنيد فقد عرفه بتعريفين، ففي التعريف الأول عرفه بأن معنى التصوف هو أن يكون الإنسان مع الله بلا علاقة، ولعله يقصد بأن على الإنسان أن يقطع جميع علاقاته مع بني جنسه وهذه دعوة باطلة فإننا لسنا مأمورين بالهروب عن البشر عنهم في الأربطة والخوانق، والزوايا الصغيرة كما يفعل المتصوفة إلى يومنا هذا.
وأما في التعريف الثاني فقد عرفه بأنه تصفية القلب عن موافقة الخليقة والابتعاد عن الأخلاق الطبيعية التي فُطر الإنسان عليها والسعي إلى التخلص من الصفات البشرية وعدم إعطاء النفس حقها مما تطلبه وأن يكون متعلقاً بعلوم الحقيقة ويتبع الرسول في الشريعة.
وهذه كلها مخالفة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله لأن الإنسان بشر وسيظل بشراً هكذا، مهما عبد الله سبحانه وتعالى.
وسحنون قد عرَّف التصوف بأنه التجرد عن كل الأملاك والتحرر من أي أحد أن يملكك.
وفي الحقيقة فالصوفية في هذه التعريفات تعرب لنا عن معتقدات الصوفية التي يعتقدونها في قلوبهم ولم يقولوها هكذا جزافاً.
ب - تعريف التصوف لدى غير المتصوفة من المسلمين:
لقد عرف الدكتور إبراهيم هلال التصوف بما يلي فقال: (رغم كثرة التعريفات التي عرف بها التصوف الإسلامي في كتب التصوف وغيرها فإننا نستطيع أن نقول أن التصوف كما يراه الصوفية في عمومه هو السير في طريق الزهد، والتجرد عن زينة الحياة وشكلياتها وأخذ النفس بأسلوب من التقشف وأنواع من العبادة والأوراد والجوع والسهر في صلاة أو تلاوة ورد.
حتى يضعف في الإنسان الجانب الجسدي ويقوى فيه الجانب النفسي أو الروحي فهو إخضاع الجسد للنفس بهذا الطريق المتقدم سعياً إلى تحقيق الكمال النفسي كما يقولون وإلى معرفة الذات الإلهية وكمالاتها وهو ما يعبرون عنه بمعرفة الحقيقة) ((التصوف الإسلامي بين الدين والفلسفة)) للدكتور إبراهيم هلال الطبعة الأولى (1395هـ) نشر دار النهضة العربية (ص: 1). .
والإسلام يدعو حقيقة إلى تربية الإنسان تربية إسلامية صحيحة حتى يكون مستقيماً في حياته ويخضع لأوامر الله ورسوله عن قناعة كاملة.
ولكن الإسلام لا يسلك في تربية الإنسان الطريق الذي سلكه المتصوفة في تربية الإنسان وإنما يسلك في التربية إلى تقوية الإيمان بالله وباليوم الآخر وبجميع ما يجب الإيمان به والعمل بالشريعة في حدود استطاعة الإنسان بالإتيان بالواجبات والإقلاع عن المحرمات والابتعاد عنها كلية، ولذا أقول إن سلوك المتصوفة في تربية الإنسان سلوك منحرف بعيد كل البعد عن المنهج الذي جاء به الإسلام وأمرنا أن نسلكه، ذلك لأن السلوك الذي يسير عليه المتصوفة في التربية يحطم معنويات الإنسان ويسعى دائماً أن يفصل الإنسان عن هذه الحياة نهائياً حتى يصبح عضواً ميتاً لا قيمة له في هذه الحياة، وهذا سلوك يختلف تماما عن السلوك الذي دعا إليه الإسلام ذلك لأن الإسلام دين شامل كامل يدعو الإنسان لكي يقوم بوظائفه في هذه الحياة على أكمل وجه وأتمه.
فالإسلام أباح للإنسان أن يأكل من الطيبات كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: 172] .
وقال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: 32] .
ولو تتبعنا وبحثنا في المصادر التاريخية فسنجد أن هذه التربية الصوفية أخذت من فلسفات أجنبية كالهندوكية والبوذية أو الديانات المحرَّفة كالمسيحية واليهودية أو أنها أخذت من البيئة الإسلامية عن طريق الطوائف الضالة كالشيعة والباطنية.
فالمتصوفة قد أدخلوا في الإسلام ما ليس منه في جميع جوانبه سواء كان في جانب العبادة أو كان في جانب العقائد والأخلاق حتى أصبحت معرفة الصوفية في عمومها معرفة فلسفية أو إشراقية لا معرفة دينية ترجع إلى محض التمسك بالكتاب والسنة.
فالإشراق الفلسفي الذي عرف من قبل عند سقراط وأفلاطون وغيرهم من فلاسفة اليونان والهند والفرس، والذي يصل فيه المرء بعد مرحلة التجرد والرياضة والعبادة إلى مرحلة الكشف والإخبار عن المغيبات هو غاية التصوف الإسلامي في منهجه الفلسفي انظر: ((التصوف الإسلامي بين الدين والفلسفة)) لإبراهيم هلال (ص: 1). .
وقد عرفه الشيخ محمد فهر شقفة بقوله: (التصوف طريقة زهدية في التربية النفسية يعتمد على جملة من العقائد الغيبية (الميتافيزيكية) مما لم يقم على صحتها دليل لا في الشرع ولا في العقل).
وقد شرح هذا التعريف فقال: (وقولنا: يعتمد على جملة من العقائد (الميتافيزيكية) مما لم يقم على صحتها دليل في الشرع ولا في العقل.
يعني تلك العقائد التي تبحث فيما وراء الطبيعة والتي يدعون بأنهم تعلموها عن طريق الكشف أو وردت إليهم عن طريق الخواطر أو الرؤى المنامية كعقيدة البعض في الحلول ووحدة الوجود والحقيقة المحمدية واعتبارها أصلاً لكل حياة بشرية وكونية، وعقيدة البعض الآخر عن النواميس الطبيعية مما لم يخبر بذلك قرآن ولا سنة ولا يقوم على أساس علمي ولا يتفق مع المقاييس العقلية) ((التصوف بين الحق والخلق)) للشيخ محمد فهر شقفة. الدار السلفية (ص: 7). .مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية وأثرها السيئ على الأمة الإسلامية لإدريس محمود إدريس – 1/29


انظر أيضا: