الموسوعة الفقهية

الفَرعُ الثَّاني: أخذُ الرَّهنِ على الأعيانِ المضمونةِ بغَيرِها


اختلَف العُلَماءُ في حُكمِ أخذِ الرَّهنِ على الأعيانِ المضمونةِ بغَيرِها [126] المضمونُ بغيرِه هو كالمبيعِ في يَدِ البائعِ، فهو ليس مضمونًا حقيقةً؛ لأنَّه لو هلك يَهلِكُ في يَدِ البائِعِ، والبائِعُ لا يضمَنُ شيئًا؛ لأنَّه مِلكُه فلا يجِبُ عليه شيءٌ، وسمِّيَ مضمونًا بغيِره لأنَّ المشتريَ يسقُطُ عنه الثَّمنُ إذا هلك المبيعُ في يدِ البائِعِ. يُنظَر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (6/143). ، كالعَينِ المبيعةِ في يدِ البائِعِ [127] كأن يبيعَ شَخصٌ على آخرَ مائةَ كيلو مِن بُرٍّ بمئتَي ريالٍ، ويقولَ البائِعُ للمُشتري: لا أسَلِّمُك المائةَ كيلو من البُرِّ إلَّا أن تأتيَ بالثَّمَنِ، يعني: تكون رهنًا عِندَه حتى يأتيَه بالثَّمَنِ. ، على قولَينِ:
القولُ الأوَّلُ: لا يجوزُ أخذُ الرَّهنِ على الأعيانِ المضمونةِ بغَيرِها، كالعَينِ المبيعةِ في يدِ البائِعِ، وهو مَذهَبُ الحنفيَّةِ [128] ((الهداية)) للمرغيناني (4/418)، ((حاشي الشلبي على تبيين الحقائق للزيلعي)) (6/71). ، والشَّافِعيَّةِ [129] ((روضة الطالبين)) للنووي (4/53)، ويُنظَر: ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (2/150). ، وذلك لأنَّ الضَّمانَ ليس بواجِبٍ؛ فإنَّه إذا هلَكَت العَينُ لم يضمَنِ البائِعُ شيئًا، لكنَّه يَسقُطُ الثَّمنُ، وهو حقُّ البائِعِ؛ فلا يصِحُّ الرَّهنُ [130] يُنظر: ((الهداية)) للمرغيناني (4/418). .
القولُ الثَّاني: يجوزُ أخذُ الرَّهنِ على الأعيانِ المضمونةِ بغَيرِها كالعَينِ المَبيعةِ في يدِ البائِعِ في غَيرِ المَكيلِ والموزونِ والمعدودِ والمذروعِ، وهو مَذهَبُ الحنابِلةِ [131] ولا يَصِحُّ رَهنُ المكيلِ والموزونِ والمعدودِ والمذروعِ قَبلَ قَبضِه. يُنظَر: ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (4/104)، ((الإنصاف)) للمرداوي (5/109). وأجازه ابنُ عثيمين حتَّى في غيرِ المكيلِ والموزونِ؛ قال ابنُ عُثيمين: (وقولُه: «غير المكيلِ والموزونِ» المكيلُ والموزونُ لا يجوزُ رهنُه على ثمنِه، ولا على غيرِه، وهذا إنما يُستثنى فيما إذا رهنه قبل القبضِ؛ لأنَّ المكيلَ والموزونَ لا يجوزُ بيعُهما إلَّا بعد القبضِ، أي: لو بِعْتُ عليك مائةَ صاعِ بُرٍّ بمائتي ريالٍ، وقُلتُ: أنا سوف أرهَنُ المائةَ صاعٍ حتى تعطيَني مائتَي الريالِ، فالمؤلِّفُ يقولُ: لا يجوزُ؛ لأنَّ ما لا يَصِحُّ بيعُه لا يَصِحُّ رَهنُه، والمكيلُ قبل أن يُقبَضَ لا يجوزُ بيعُه، فلا يجوزُ رهنُه، هذا وجهُ العِلَّةِ، ومِثلُ ذلك المعدودُ والمذروعُ؛ لأنَّه لا يجوزُ التصَرُّفُ في المعدودِ حتَّى يَعُدَّه، فكُلُّ ما لا يجوزُ بيعُه لا يجوزُ رَهنُه. إذًا كلُّ مبيعٍ يَرهَنُه الإنسانُ على ثمنِه، إن كان بعد القَبضِ فلا بأسَ به مطلقًا بدونِ تفصيلٍ، وإن كان قبلَ القبضِ نظَرْتَ فإن كان يَصِحُّ بيعُه قبل قبضِه جاز رهنُه، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الرَّهنَ فرعٌ للبيعِ، وهذا هو المذهَبُ. والصَّحيحُ الجوازُ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنما نهى عن بيعِ المبيعِ قَبلَ قَبضِه على غيرِ بائعِه، والحكمةُ من ذلك لئلَّا يربحَ فيما لم يدخُلْ في ضمانِه، ولئلَّا يربَحَ ربحًا يغارُ منه البائعُ ويحاولُ فَسخَ البيعِ، أمَّا إذا رهنه على البائعِ وهو مكيلٌ أو موزونٌ، فالصَّحيحُ أنَّه جائِزٌ، وأنَّه لو قال البائِعُ الذي باع عليه مائةَ صاعٍ بمائتَي ريالٍ: أنا لا أسَلِّمُك الأصواعَ إلَّا أن تأتيَني بالثَّمَنِ، أريدُ أن تكونَ عندي رَهنًا، فالقولُ الرَّاجِحُ أنَّه جائزٌ؛ وذلك لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنما نهى عن بيعِ المكيلِ والموزونِ قبلَ قَبضِه على غيرِ بائعِه، وهذا رَهنٌ على بائعِه، فإذا حلَّ الأجَلُ وكان الدَّينُ مُؤَجَّلًا ولم يُوفِّ، باعه البائِعُ واستوفى حَقَّه) ((الشرح الممتع)) (9/131). ، وذلك لأنَّه يجوزُ بَيعُه قَبلَ قَبضِه؛ فصحَّ رَهنُه كما بَعدَ القَبضِ [132] يُنظر: ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (4/104). .

انظر أيضا: