الموسوعة الفقهية

الفَرْعُ الأوَّلُ: المُضارَبةُ بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ وبالعُروضِ


المَسْألةُ الأُولى: المُضارَبةُ بالدَّراهِم والدَّنانيرِ
تَجوزُ المُضارَبةُ بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ.
الأَدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِن الإجْماعِ
نَقَلَ الإجْماعَ على ذلك: ابنُ المُنذِرِ [212] قالَ ابنُ المُنذِرِ: (أَجْمَعوا على إجازةِ القِراضِ بالدَّنانيرِ والدَّراهِمِ). ((الأوسط)) (10/561). ، وابنُ حَزْمٍ [213] قالَ ابنُ حَزْمٍ: (القِراضُ إنَّما هو بالدَّنانيرِ والدَّراهِمِ ولا يَجوزُ بغَيْرِ ذلك، إلَّا بأن يُعطِيَه العَرْضَ فيَأمُرَه ببَيْعِه بثَمَنٍ مَحْدودٍ، وبأن يَأخُذَ الثَّمَنَ فيَعمَلَ به قِراضًا؛ لأنَّ هذا مُجمَعٌ عليه). ((المحلى)) (7/96). ، وابنُ رُشْدٍ [214] قالَ ابنُ رُشْدٍ: (أَجْمَعوا على أنَّه [القِراضَ] جائِزٌ بالدَّنانيرِ والدَّراهِمِ). ((بداية المجتهد)) (4/21). .
ثانِيًا: لأنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ قِيَمٌ للأمْوالِ وأثْمانٌ للسِّلَعِ، والنَّاسُ يَشتَرِكونَ بِها مِن لَدُنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى هذا العَصْرِ مِن غَيْرِ نَكيرٍ [215] يُنظر: ((المغني)) لابن قُدامةَ (5/12). .
المَسْألةُ الثَّانيةُ: المُضارَبةُ بالعُروضِ
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ المُضارَبةِ بالعُروضِ [216] العُروضُ: جَمْعُ عَرْضٍ، وهو ما سِوى النُّقودِ مِن المالِ، على اخْتِلافِ أنْواعِه: كالنَّباتِ والحَيَوانِ والمَكيلاتِ والمَوْزوناتِ والعَقارِ وسائِرِ المالِ. يُنظر: ((المغني)) لابن قُدامةَ (3/58). والمُضارَبةُ بالعُروضِ تكونُ بالعَقْدِ بَيْنَ طَرَفَينِ: يُقدِّمُ الطَّرَفُ الأوَّلُ العُروضَ، والطَّرفُ الثَّاني يُتاجِرُ بهذه العُروضِ ويَعمَلُ بِها، ويكونُ الرِّبْحُ بَيْنَهما حَسَبَ ما يَتَّفِقانِ عليه. على قَوْلَينِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: لا تَجوزُ المُضارَبةُ بالعُروضِ، وذلك باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأرْبَعةِ: الحَنَفِيَّةِ [217] ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (5/53)، ((الفتاوى الهندية)) (4/286). . والمالِكِيَّةِ [218] ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني)) (2/206). ويُنظر: ((القوانين الفقهية)) لابن جزي (ص 186). ، والشَّافِعِيَّةِ [219] ((منهاج الطالبين)) (ص 154). ويُنظر: ((البيان)) للعمراني (7/185). ، والحَنابِلةِ [220] حُكْمُ المُضارَبةِ حُكْمُ العِنانِ عِنْدَهم، والعِنانُ لا تَجوزُ بالعُروضِ. ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (4/305)، ((الإنصاف)) للمرداوي (5/304)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/511). ، وهو مَذهَبُ الظَّاهِريَّةِ [221] قالَ ابنُ حَزْمٍ: (القِراضُ إنَّما هو بالدَّنانيرِ والدَّراهِمِ ولا يَجوزُ بغَيْرِ ذلك، إلَّا بأن يُعطِيَه العَرْضَ فيَأمُرَه ببَيْعِه بثَمَنٍ مَحْدودٍ، وبأن يَأخُذَ الثَّمَنَ فيَعمَلَ به قِراضًا؛ لأنَّ هذا مُجمَعٌ عليه... وممَّن مَنَعَ مِن القِراضِ بغَيْرِ الدَّنانيرِ والدَّراهِمِ: الشَّافِعيُّ، ومالِكٌ، وأبو حَنيفةَ، وأبو سُلَيْمانَ، وغَيْرُهم). ((المحلى)) (7/96). .
وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّ ذلك يُؤَدِّي إلى جَهالةِ رأسِ المالِ ورِبْحِه، فإنَّ رأسَ المالِ إذا كانَ مِن العُروضِ لم يكُنْ مَعْلومًا قيمتُه بالنَّقْدِ، أمَّا تَقْويمُه بالحَزْرِ والظَّنِّ فإنَّه يَخْتلِفُ، والجَهالةُ تُفْضي إلى المُنازَعةِ، والمُنازَعةُ تُفْضي إلى الفَسادِ [222] ((بدائع الصنائع)) للكاساني (6/82). .
ثانِيًا: لأنَّ المُضارَبةَ بغَيْرِ النُّقودِ تُؤَدِّي إلى رِبْحِ ما لم يُضمَنْ؛ لأنَّها أمانةٌ في يَدِ المُضارِبِ، ورُبَّما زادَتْ قيمتُها بَعْدَ العَقْدِ، فإذا باعَها شَرِكَه في الرِّبْحِ فحَصَلَ رِبْحُ ما لم يُضمَنْ؛ إذِ المُضارِبُ يَسْتحِقُّ نَصيبَه مِن غَيْرِ أن يَدخُلَ شيءٌ في ضَمانِه بخِلافِ النُّقودِ؛ فإنَّه عِنْدَ الشِّراءِ بها يَجِبُ الثَّمَنُ في ذِمَّتِه [223] ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (5/53، 54). .
ثالِثًا: لأنَّه عَقْدُ غَرَرٍ لعَدَمِ انْضِباطِ العَمَلِ، والمُضارَبةُ إنَّما جازَتْ للحاجةِ، فيَجِبُ أن تَختَصَّ بما يَروجُ غالِبًا، وهو النَّقُدُ المَضْروبُ؛ لأنَّه ثَمَنُ الأشْياءِ [224] ((نهاية المحتاج)) للرملي (5/221). .
القَوْلُ الثَّاني: تَجوزُ المُضارَبةُ بالعُروضِ، وتُقَدَّرُ قيمتُها وَقْتَ العَقْدِ بالنَّقْدِ، وهي رِوايةٌ عن الإمامِ أحْمَدَ [225] ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (4/269)، ((الإنصاف)) للمرداوي (5/303). ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامةَ (5/13). ، وقَوْلُ بعضِ السَّلَفِ [226] قالَ ابنُ قُدامةَ: (وعن أحْمَدَ رِوايةٌ أخرى: أنَّ الشَّرِكةَ والمُضارَبةَ تَجوزُ بالعُروضِ، وتُجعَلُ قيمتُها وَقْتَ العَقْدِ رأسَ المالِ. قالَ أحْمَدُ: إذا اشْتَركا في العُروضِ يُقسَمُ الرِّبْحُ على ما اشْتَرَطا. وقالَ الأَثرَمُ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللهِ يُسأَلُ عن المُضارَبةِ بالمَتاعِ؟ فقالَ: جائِزٌ. فظاهِرُ هذا صِحَّةُ الشَّرِكةِ بِها. اختارَ هذا أبو بَكْرٍ، وأبو الخَطَّابِ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، وابنِ أبي ليلى. وبه قالَ في المُضارَبةِ طاوُسٌ، والأَوْزاعيُّ، وحمَّادُ بنُ أبي سُلَيْمانَ). ((المغني)) (5/13)، ويُنظر: ((الأوسط)) لابن المُنذِرِ (10/510)، ((حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء)) للشاشي القفال (5/330). ، والشَّوْكانيِّ [227] قالَ الشَّوْكانيُّ: (إذا كانَتِ المُضارَبةُ في عُروضٍ فلا بُدَّ أن يَتَمَيَّزَ ما هو قيمةٌ لها، حتَّى يَعلَما أنَّ الزَّائِدَ عليه رِبْحٌ، ولا وَجْهَ لاشْتِراطِ كَوْنِ رأسِ مالِها ممَّا يَتَعامَلُ به النَّاسُ؛ فإنَّها تَصِحُّ في كلِّ شيءٍ يَقَعُ فيه البَيْعُ والشِّراءُ؛ لأنَّها بَيْعٌ مَنْظورٌ فيه إلى الرِّبْحِ معَ بَقاءِ رأسِ المالِ). ((السيل الجرار)) (ص: 595). ، وابنِ عُثَيْمينَ [228] قالَ ابنُ عُثَيْمينَ: (يَجوزُ أن يكونَ رأسُ مالِ المُضارَبةِ عَيْنًا لا نَقْدًا، لكن تُقَدَّرُ قيمتُها وَقْتَ العَقْدِ بنَقْدٍ مِن أجْلِ أن يَرجِعا إليها عِنْدَ النَّضِّ). ((التعليق على الكافي لابن قُدامةَ)) (6/123). وقالَ: (شُروطُ المُضارَبةِ بالأمْوالِ: أن يكونَ رأسُ المالِ مَعْلومًا، وأن يكونَ مِن النَّقْدَينِ المَضْروبَينِ، يَعْني: مِن الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، أو أوْراقِ العُمْلةِ، وذلك لأنَّه لو كانَ سِلْعةً فإنَّ السِّلْعةَ تَخْتلِفُ أقْيامُها، قد تكونُ حينَ العَقْدِ بألْفٍ، وحينَ التَّصْفيةِ بألْفَينِ أو بخَمْسِمِئةٍ، فلذلك مَنَعَ الفُقَهاءُ رَحِمَهم اللهُ أن يكونَ رأسُ المالِ مِن غَيْرِ النَّقْدَينِ، وبِناءً على كَلامِهم: لو أَعْطيْتَ شَخْصًا سَيَّاراتٍ، قُلْتَ: هذه مُضارَبةٌ، فإنَّه لا يَصلُحُ؛ لأنَّ السَّيَّاراتِ رُبَّما يكونُ ثَمَنُها حينَ العَقْدِ مِئةَ ألْفٍ، وحينَ التَّصْفيةِ ثَمانينَ ألْفًا أو مِئَتي ألْفٍ. وقالَ بعضُ أهْلِ العِلمِ: إنَّه يَجوزُ أن يكونَ رأسُ مالِ المُضارَبةِ مِن غَيْرِ النَّقْدَينِ لكنْ بشَرْطِ أن تُقَدَّرُ قيمتُه وَقْتَ العَقْدِ، حتَّى يُعرَفَ الرِّبْحُ مِن الخَسارةِ عِنْدَ تَمامِ المُضارَبةِ، وهذا القَوْلُ هو الرَّاجِحُ، وهو الَّذي عليه العَمَلُ الآنَ، فإنَّ النَّاسَ يُعْطونَ أراضِيَ مُضارَبةً، ويُعْطونَ سَيَّاراتٍ مُضارَبةً، لكن لا بُدَّ -كما سَمِعْتَ- مِن تَقْديرِ القيمةِ وَقْتَ العَقْدِ). ((لقاء الباب المفتوح)) اللقاء رقم (165). ، وهو مُقْتَضى اخْتِيارِ ابنِ القَيِّمِ [229] قالَ ابنُ القَيِّمِ: (إذا كانَ لكلٍّ مِن الرَّجُلَينِ عُروضٌ، وأرادا أن يَشْتَرِكا فيها شَرِكةَ عِنانٍ، ففي ذلك رِوايتانِ: إحْداهما: تَصِحُّ الشَّرِكةُ، وتُقَوَّمُ العُروضُ عِنْدَ العَقْدِ، ويكونُ قيمتُها هو رأسَ المالِ، فيُقسَمُ الرِّبْحُ على حَسَبِه، أو على ما شَرَطاه. وإذا أرادا الفَسْخَ رَجَعَ كلٌّ مِنهما إلى قيمةِ عُروضِه، واقْتَسَما الرِّبْحَ على ما شَرَطاه، وهذا القَوْلُ هو الصَّحيحُ). ((إغاثة اللهفان)) (2/19). ، وذلك لأنَّ مَقْصودَ المُضارَبةِ التَّصرُّفُ في المالِ، وكَوْنُ رِبْحِ المالِ بَيْنَهما، وهذا يَحصُلُ في العُروضِ كحُصولِه في الأثْمانِ [230] ((المغني)) لابن قُدامةَ (5/13). .

انظر أيضا: