الموسوعة الفقهية

المبحثُ الأوَّلُ: بَيعُ المُسلَمِ فيه قبْلَ قَبضِه كأنْ يُسلِمَ في أُرزٍ أو بُرٍّ، وقبْلَ أنْ يَقبِضَه مِن المُسلَمِ إليه (البائعِ) أرادَ أنْ يَبيعَه


اختلَفَ العُلماءُ في حُكمِ بَيعِ المُسلَمِ فيه قبْلَ قَبضِه، على قولَينِ:
القولُ الأوَّلُ: لا يَجوزُ بَيعُ المُسلَمِ فيه قبْلَ قَبضِه مُطلَقًا، وهذا مذهَبُ الجُمهورِ المالكيَّةُ خَصُّوا المنعَ بالطَّعامِ. يُنظر: ((التاج والإكليل)) للموَّاق (4/ 542). : الحَنفيَّةِ ((مختصر القُدوري)) (ص: 88)، ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (12/29). ، والشَّافعيَّةِ ((منهاج الطالبين)) للنووي (ص: 103)، ((مغني المحتاج)) للشِّربيني (2/70). ، والحَنابِلةِ ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (2/ 96)، ((مطالب أولي النُّهى)) للرُّحَيْباني (3/229). ، وحُكيَ الإجْماعُ على ذلك قال ابنُ قُدامةَ: (أمَّا بيعُ المُسلَمِ فيه قبْلَ قَبضِه، فلا نَعلَمُ في تَحريمِه خلافًا) ((المغني)) (4/227). وقال العَيْنيُّ: ("ولا يجوزُ التَّصرُّفُ في رأسِ مالِ السَّلَمِ والمُسلَمِ فيه قبْلَ القَبضِ" ش: هذا باتِّفاق الفُقهاءِ) ((البناية)) (8/356). ؛ وذلك لأنَّه بَيعُ ما لم يُقبَضْ، ولأنَّه بَيعُ دَينٍ في ذمَّةِ الغَيرِ، وبائعُه غيرُ قادرٍ على تَسْليمِه يُنظر: ((شرح مختصر الطَّحاوي)) للجصَّاص (3/ 133).
القولُ الثَّاني: يَجوزُ بَيعُ المُسلَمِ فيه قبْلَ قَبضِه على مَن هو عليه، بشَرطِ أنْ يكونَ بمِثلِ الثَّمنِ، أو أقلَّ منه، وهو رِوايةٌ عن أحمَدَ ((الإنصاف)) للمرداوي (5/108)، ويُنظَر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (29/505). ، اخْتارَها ابنُ تَيميَّةَ قال ابنُ تيميَّةَ: (سُئلَ أحمدُ عن رجُلٍ أسلَمَ في طعامٍ إلى أجَلٍ، فإذا جاء الأجَلُ يَشْتري منه عقارًا أو دارًا. فقال: نعمْ، يَشتَري منه ما لا يُكالُ ولا يُوزَنُ. وقال حَربٌ الكَرْمانيُّ: سألْتُ أحمَدَ قلْتُ: رَجلٌ أسلَفَ رَجلًا دراهمَ في بُرٍّ، فلمَّا حلَّ الأجَلُ لم يكُنْ عندَه، فقال قومٌ: الشَّعيرُ بالدَّراهمِ، فخُذْ منَ الشَّعيرِ. قال: لا يَأخُذُ منه الشَّعيرَ إلَّا مِثلَ كَيلِ البُرِّ، أو أنقَصَ. قلْتُ: إذا كان البُرُّ عَشَرةَ أجْرِبةٍ، أيأخُذُ الشَّعيرَ عَشَرةَ أجْرِبةٍ؟ قال: نعمْ. وكذلك نقَلَ غيرُ هؤلاء عن أحمَدَ، وهذه الرِّوايةُ أكثَرُ في نصوصِ أحمَدَ، وهي أشبَهُ بأُصولِه؛ فإنَّ علَّتَه في مَنعِ بَيعِ دَينِ السَّلَمِ كَونُه مَبيعًا، فلا يُباعُ قبْلَ القبضِ، وأحمَدُ في ظاهِرِ مذهَبِه لا يَمنَعُ منَ البيعِ قبْلَ القبضِ مُطلَقًا؛ بل له فيه تَفصيلٌ وأقوالٌ مَعروفةٌ؛ ولذلك فرَّقَ بيْن البَيعِ منَ البائعِ وغيرِه) ((مجموع الفتاوى)) (29/505)، ويُنظَر: ((الإنصاف)) للمَرْداويِّ (5/108). ، وابنُ القَيِّمِ قال ابنُ القَيِّمِ: (فإذا جازَ في الأعْيانِ أنْ تُباعَ لبائعِها قبْلَ القَبضِ، فدَينُ السَّلَمِ أوْلى بالجَوازِ، كما جازَتِ الإقالةُ فيه قبْلَ القبضِ اتِّفاقًا، بخلافِ الإقالةِ في الأعْيانِ، وممَّا يوضِّحُ ذلك أنَّ ابنَ عبَّاسٍ لا يُجوِّزُ بيعَ المَبيعِ قبْلَ قبضِه، واحتَجَّ عليه بنَهيِ النَّبيِّ عن بيعِ الطَّعامِ قبْلَ قبضِه، وقال: أحسَبُ كلَّ شَيءٍ بمَنزلةِ الطَّعامِ، ومعَ هذا فقدْ ثبَتَ عنه أنَّه جوَّزَ بَيعَ دَينِ السَّلَمِ ممَّن هو عليه إذا لم يَربَحْ فيه، ولم يُفرِّقْ بيْنَ الطَّعامِ وغيرِه، ولا بينَ المَكيلِ والمَوْزونِ وغيرِهما) ((حاشية ابن القيِّم)) (9/258). ، وابنُ عُثَيمينَ ابنُ عُثَيمينَ أجازَه فيما إذا باعَه على المُسْلَمِ إليه، وذلك بشُروطٍ؛ الأوَّلُ: ألَّا يَربَحَ؛ بأنْ يَبيعَه بسِعرِ يومِه. الثَّاني: أنْ يحصُلَ التَّقابُضُ قبلَ التَّفرُّقِ فيما إذا باعَه بشَيءٍ يَجْري فيه رِبا النَّسيئةِ. الثَّالثُ: ألَّا يَجعَلَه ثمنًا لسَلَمٍ آخَرَ. قال ابنُ عُثَيمينَ: (فإنْ قال قائلٌ: إذنْ هل يجوزُ بيعُ المُسلَمِ فيه قبلَ قَبضِه؟ فالجَوابُ: نعمْ، يجوزُ بيعُه على المُسلَمِ إليه، وعندَ شَيخِ الإسْلامِ يجوزُ بيعُه حتَّى على أجْنبيٍّ، لكنْ فيه نظرٌ؛ لأنَّه حقيقةٌ إذا بِعتَه على غيرِ مَن هو عليه، قدْ يتعَذَّرُ عليه أخْذُه، ثمَّ إذا بِعتَه على غيرِ مَن هو عليه بما يُباعُ نَسيئةً، مَعْناه: ما قبَضَه. فالتَّوسُّعُ غيرُ ظاهرٍ لي جدًّا، وشيخُ الإسْلامِ يُجوِّزُ بَيعَ الدَّينِ على غيرِ مَن هو عليه، ولكنَّه يَشتَرِطُ القُدرةَ على أخْذِه. لكنْ إنْ باعَه على المُسلَمِ إليه؛ فإنَّه يُشترَطُ ثلاثةُ شروطٍ: الأوَّلُ: ألَّا يَربَحَ؛ بأنْ يَبيعَه بسِعرِ يَومِه؛ لأنَّه لو باعَه بأكثَرَ من سِعرِ يومِه، لرَبِحَ فيما لم يَضمَنْ، وقد نَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن رِبحِ ما لم يُضمَنْ، فمَثلًا: أسلَمَ في مائةِ صاعِ بُرٍّ حلَّتْ، وقيمَتُها عندَ الوفاءِ مِائتَا درهمٍ فقطْ، فقال: أبيعُها عليكَ بمائتَينِ وخَمسينَ درهمًا، لا يجوزُ؛ لأنَّه رَبِحَ في هذا البُرِّ قبلَ أنْ يَدخُلَ في ضَمانِه؛ لأنَّه لم يَملِكْه، ولم يَقبِضْه، فيكونُ قد ربِحَ فيما لم يَضمَنْ، ولحَديثِ ابنِ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما، وفيه: «لا بأْسَ أنْ تَأخُذَها بسِعرِ يَومِها، حتَّى لا يَربَحَ فيما لم يَضمَنْ». فإنْ كانتْ مائةُ الصَّاعِ تُساوي مائتَيْ درهمٍ، وباعَها عليه بمائةٍ وخَمسينَ؛ يَجوزُ؛ لأنَّه إذا جازَ بسِعرِ يَومِها، فبما دونَه من بابِ أوْلى. ولأنَّنا علَّلْنا منْعَ الزِّيادةِ بألَّا يَربَحَ فيما لم يَضمَنْ، وهذا لم يَربَحْ بل خسِرَ. والمرادُ بقَولِه: «بسِعرِ يومِها» ألَّا تَزيدَ، فإنْ نقَصْتَ فقدْ فَعَلْتَ خيرًا. الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يحصُلَ التَّقابُضُ قبْلَ التَّفرُّقِ فيما إذا باعَه بشَيءٍ يَجْري فيه رِبا النَّسيئةِ، مثالُه: أنْ يَبيعَ البُرَّ بشَعيرٍ؛ مائةَ صاعِ بُرٍّ بمائتَيْ صاعِ شَعيرٍ، فهذا جائزٌ بشَرطِ التَّقابُضِ قبلَ التَّفرُّقِ؛ لأنَّ بَيعَ البُرِّ بالشَّعيرِ يُشترَطُ فيه التَّقابُضُ قبْلَ التَّفرُّقِ، ولحَديثِ ابنِ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما: «لا بأْسَ أنْ تأخُذَها بسِعرِ يومِها، ما لم تَتفرَّقا وبينَكما شَيءٌ»؛ لأنَّه يَبيعُ دراهمَ بدَنانيرَ، أو دَنانيرَ بدَراهمَ، وبيعُ الدَّراهمِ بالدَّنانيرِ يُشترَطُ فيه التَّقابُضُ قبْلَ التَّفرُّقِ. الشَّرطُ الثَّالثُ: ألَّا يَجعلَه ثَمنًا لسَلَمٍ آخَرَ؛ لأنَّه إذا جعَلَه ثمنًا لسَلَمٍ آخَرَ؛ فإنَّ الغالبَ أنْ يَربَحَ فيه، وحينَئذٍ يكونُ ربِحَ فيما لم يَضمَنْ، مثالُه: حلَّ السَّلَمُ مائةَ صاعٍ منَ البُرِّ، فقالا: سنَجعَلُها سَلَمًا في خَمسٍ منَ الغَنمِ -لأنَّ السَّلَمَ في الحيوانِ يجوزُ، كما سبَقَ- خَمسٌ منَ الغَنمِ صِفتُها كذا وكذا، تحِلُّ بعدَ سَنةٍ، فهذا لا يجوزُ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّه لا يَفعَلُ هذا إلَّا برِبحٍ، وأنَّ هذه الغنَمَ الخَمسَ تُساوي مائةً وعشرينَ صاعًا، ولأنَّه يؤدِّي إلى قَلبِ الدَّينِ، بحيث يكونُ كلَّما حلَّ دَينُه جعَلَه سَلَمًا آخَرَ، وهذا حِيلةٌ على قَلبِ الدَّينِ وازْديادِه في ذمَّةِ المَدينِ بهذه الطَّريقةِ، وكلَّما حلَّ الدَّينُ قال: اجعَلْه سَلَمًا آخَرَ، وهكذا حتَّى تَتراكَمَ عليه الدُّيونُ. فالرَّاجحُ أنَّ بيْعَه جائزٌ، لكنْ بالشُّروطِ الثَّلاثةِ المذكورةِ. ((الشرح الممتع)) (9/ 87).
الأدلَّةُ:
أوَّلًا: منَ الآثارِ
أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنه قال: (إذا أسلَفْتَ في طَعامٍ فحَلَّ الأجَلُ، فلمْ تجِدْ طَعامًا؛ فخُذْ منه عَرَضًا بأنقَصَ، ولا تَربَحْ عليه مرَّتَينِ) أخرَجَه عبدُ الرَّزاق (14120). ذكَرَ ثُبوتَه ابنُ القيِّمِ في ((تهذيب السُّنن)) (9/355)، وقال الألبانيُّ في ((إرواء الغليل)) (1387): ثبَتَ عنِ ابنِ عبَّاس، ولم أقفْ على سَنَدِه. ، وهذا قَولُ صَحابيٍّ، وهو حُجَّةٌ ما لم يُخالَفْ يُنظر: ((حاشية ابن القيِّم)) (9/256).
ثانيًا: لأنَّه إنْ جازَ في الأعْيانِ أنْ تُباعَ لبائعِها قبْلَ القَبضِ، فدَينُ السَّلَمِ أوْلى بالجَوازِ قال ابنُ القيِّمِ: (فإذا جازَ في الأعْيانِ أنْ تُباعَ لبائعِها قبْلَ القَبضِ؛ فدَينُ السَّلَمِ أوْلى بالجَوازِ، كما جازَتِ الإقالةُ فيه قبلَ القبضِ اتِّفاقًا، بخلافِ الإقالةِ في الأعْيانِ، وممَّا يوضِّحُ ذلك أنَّ ابنَ عبَّاسٍ لا يُجوِّزُ بَيعَ المَبيعِ قبلَ قَبضِه، واحتَجَّ عليه بنَهيِ النَّبيِّ عن بيعِ الطَّعامِ قبْلَ قَبضِه، وقال: أحسَبُ كلَّ شَيءٍ بمنزلةِ الطَّعامِ، ومعَ هذا فقدْ ثبَتَ عنه أنَّه جوَّزَ بيْعَ دَينِ السَّلَمِ ممَّن هو عليه إذا لم يَربَحْ فيه، ولم يُفرِّقْ بيْن الطَّعامِ وغيرِه، ولا بيْن المَكيلِ والمَوْزونِ وغيرِهما) ((حاشية ابن القيِّم)) (9/258).

انظر أيضا: