الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الأوَّلُ: الإقرارُ في الوَكالةِ بالخُصومةِ إذا لم يُفوَّضِ الوكيلُ به


اختَلَف الفُقَهاءُ في حُكمِ الإقرارِ في الوَكالةِ بالخُصومةِ إذا لم يُفوَّضِ الوكيلُ بالإقرارِ، على قَولَينِ:
القَولُ الأوَّلُ: لا يَصِحُّ الإقرارُ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: المالِكيَّةِ [191] استثنى المالكيَّةُ إذا جعل له الموكِّلُ الإقرارَ في عقدِ الوَكالةِ، أو إذا اشتَرَط خَصمُ الموكِّلِ أن يجعَلَ الإقرارَ لوكيلِه، بأن يقولَ له: لا أتعاطى المخاصَمةَ مع وكيلِك حتَّى تجعَلَ له الإقرارَ، ففي هذه الحالةِ يصِحُّ إقرارُ الوكيلِ. ((الكافي في فقه أهل المدينة)) لابن عبد البر (2/ 788)، ((مواهب الجليل)) للحطاب (1/188). ويُنظَر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (6/ 70). ، والشَّافِعيَّةِ -في الأظهَرِ- [192] ((فتح العزيز بشرح الوجيز)) للرافعي (11/ 8)، ((روضة الطالبين)) للنووي (4/ 320)، ((حاشية الجمل على شرح المنهج للأنصاري)) (3/ 404).           ، والحَنابِلةِ [193] ((الفروع )) لمحمد بن مُفلِح (7/ 49)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبُهوتي (2/ 201). ، وقال به زُفَرُ من الحَنَفيَّةِ [194] ((البحر الرائق)) لابن نُجَيم (7/ 181). ويُنظَر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (6/ 24). .
وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّ الوَكالةَ بالخُصومةِ معناها التَّوكيلُ بالمنازَعةِ، والإقرارُ مُسالَمةٌ؛ لأنَّه معنًى يقطَعُ الخُصومةَ، فهو يتنافى مع معنى الوَكالةِ بالخُصومةِ، فلا يَملِكُه الوكيلُ فيها كالإبراءِ، وفارَق الإقرارُ الإنكارَ بأنَّه لا يَقطَعُ الخُصومةَ [195] يُنظَر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (6/ 24)، ((تكملة المجموع) للمطيعي (14/ 115).                      .
ثانيًا: لأنَّ الوكيلَ لا يَملِكُ الإنكارَ على وَجهٍ يمنَعُ المُوَكِّلَ من الإقرارِ، فلو ملَكَ الإقرارَ لامتَنَع على المُوَكِّلِ الإنكارُ، وهو لا يجوزُ بدليلِ أنَّ الوكيلَ لا يَملِكُ المصالحةَ عن الحَقِّ ولا الإبراءَ منه، بدونِ خِلافٍ [196] يُنظَر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامةَ (5/ 243).            .
ثالثًا: لأنَّه إخبارٌ عن حَقٍّ، فلا يَقبَلُ التَّوكيلَ كالشَّهادةِ [197] يُنظَر: ((حاشية الجمل على شرح المنهج للأنصاري)) (3/ 404).                  .
القَولُ الثَّاني: يَصِحُّ الإقرارُ، وهو مَذهَبُ الحَنَفيَّةِ [198] ذهب أبو حنيفةَ ومحمَّدُ بنُ الحَسَنِ إلى أنَّه يُقبَلُ إقرارُه في مجلِسِ الحُكمِ فيما عدا الحدودَ والقِصاصَ، وقال أبو يوسُفَ: يُقبَلُ إقرارُه في مجلِسِ الحُكمِ وغيرِه. ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (4/ 280)، ((الفتاوى الهندية)) (3/ 617). ويُنظَر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (6/ 24). ، ووَجهٌ عِندَ الشَّافِعيَّةِ [199] ((فتح العزيز بشرح الوجيز)) للرافعي (11/ 8).                 ، وذلك لأنَّ التَّوكيلَ بالخُصومةِ توكيلٌ بالجوابِ الذي هو حَقٌّ عِندَ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وقد يكونُ ذلك إنكارًا، وقد يكونُ إقرارًا، فإذا أقرَّ على مُوَكِّلِه دَلَّ أنَّ الحَقَّ هو الإقرارُ، فيَنفُذُ على المُوَكِّلِ [200] يُنظَر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (6/ 24).                 .

انظر أيضا: