الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الخامِسُ: الكَفالةُ بإحضارِ مَن عليه حَدٌّ أو قِصاصٌ


اختَلَف العُلَماءُ في الكَفالةِ بإحضارِ مَن عليه حدٌّ أو قِصاصٌ [213] الفَرْقُ بَيْنَ هذه المسألةِ والسَّابقةِ: أنَّ المسألةَ السَّابقةَ كَفالةٌ بنفسِ الحَدِّ، وأمَّا هذه فهي في إحضارِ مَن عليه الحَدُّ. إلى أقوالٍ، أقواها قولانِ:
القَولُ الأوَّلُ: لا تَصِحُّ الكَفالةُ بإحضارِ مَن عليه حدٌّ، سواءٌ كان حَقًّا للهِ كحَدِّ الخَمرِ، أو حقًّا لآدَميٍّ كالقِصاصِ، وهو مَذهَبُ المالِكيَّةِ [214] ((الكافي في فقه أهل المدينة)) لابن عبدِ البَرِّ (2/ 793)، ((التاج والإكليل)) للمَوَّاق (7/ 34)، ((حاشية الصَّاوي على الشرح الصغير)) (3/ 452). ، والحَنابِلةِ [215] ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مُفلِح (4/ 245،246)، ((الإنصاف)) للمَرْداوي (5/ 210). ، وقَولٌ للشَّافِعيَّةِ [216] عِندَ الشَّافعيَّةِ في المَذهَبِ: تَصِحُّ ببَدَنِ مَن عليه حَقٌّ لآدَميٍّ، كالقِصاصِ، ولا تَصِحُّ فيمَن عليه حدٌّ للهِ، كحَدِّ الخَمرِ. ((نهاية المحتاج)) للرَّمْلي (4/ 446)، ((حاشيتا قليوبي وعَمِيرة)) (2/ 409). ، وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ [217] قال ابنُ قُدامةَ: (لا تَصِحُّ الكَفالةُ ببَدَنِ مَن عليه حَدٌّ، سواءٌ كان حَقًّا للهِ تعالى، كحَدِّ الزِّنا والسَّرِقةِ، أو لآدَميٍّ كحَدِّ القَذفِ والقِصاصِ. وهذا قولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ منهم شُرَيحٌ، والحَسَنُ. وبه قال إسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَورٍ، وأصحابُ الرَّأيِ). ((المغني)) (4/416). .
وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّ الكَفالةَ استيثاقٌ يُلزِمُ الكَفيلَ ما على المكفولِ عنه عِندَ تعذُّرِ إحضارِه، والحَدُّ مبناه على الإسقاطِ والدَّرءِ بالشُّبهةِ، فلا يَدخُلُ فيه الاستيثاقُ من غيرِ الجاني [218] يُنظَر: ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مُفلِح (4/ 245، 246). .
ثانيًا: لأنَّ العُقوبةَ مَبنيَّةٌ على الدَّفعِ، فتُقطَعُ الذَّرائعُ المُؤدِّيةُ إلى توسيعِها [219] يُنظَر: ((حاشيتا قليوبي وعَمِيرة)) (2/ 409). .
ثالثًا: لأنَّه حَقٌّ لا يجوزُ استيفاؤُه من الكَفيلِ إذا تعذَّرَ عليه إحضارُ المكفولِ عنه، فلم تَصِحَّ الكَفالةُ بمن هو عليه [220] يُنظَر: ((المغني)) لابن قُدامة (4/ 416). .
رابعًا: مَنعُها في حدودِ اللهِ؛ لأنَّا مأمورون بسَترِها والسَّعيِ في إسقاطِها ما أمكَنَ [221] يُنظَر: ((نهاية المحتاج)) للرَّمْلي (4/ 447). .
القَولُ الثَّاني: تَصِحُّ الكَفالةُ بإحضارِ مَن عليه حدٌّ، سواءٌ كان حقًّا للهِ كحَدِّ الخَمرِ، أو حقًّا لآدَميٍّ كالقِصاصِ، وهو قَولٌ للحَنابِلةِ اختاره ابنُ تَيميَّةَ [222] ((الإنصاف)) للمَرْداوي (5/ 210). ويُنظَر: ((حاشية الروض المُربِع)) لابن قاسم (5/110). ، والشَّوكانيُّ [223] قال الشَّوكانيُّ: (أمَّا الكَفالةُ بالوَجهِ فلا معنى لها إلَّا وُجوبُ إحضارِ المكفولِ عليه عِندَ الحاجةِ إلى إحضارِه، وسيأتي حُكمُه إذا تعذَّرَ الإحضارُ، فيَصِحُّ الكَفالةُ بوَجهِ مَن عليه حَدٌّ أو قِصاصٌ بهذا المعنى، فيُطالَبُ الكفيلُ بإحضارِه). ((السيل الجرار)) (ص: 795). ، وابنُ عُثَيمين [224] قال ابنُ عُثَيمين: (وإلى هذا ذهَب شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ، وهو أنَّه تجوزُ الكَفالةُ في الحُدودِ، لا أن تُقامَ الحدودُ على مَن كَفَل، لكِنَّه يُلزَمُ بإحضارِ بَدَنِ المكفولِ، فيكونُ التَّعَبُ والطَّلَبُ على الكفيلِ، ثمَّ إنَّ فيه أيضًا فائدةً أُخرى، وهي اطمئنانُ مَن له الحَقُّ في مسألةِ القِصاصِ، مثلًا يطمَئِنُّ إذا عَلِم أنَّ هذا الرَّجُلَ الذي له سُلطةٌ قد كَفَل إحضارَ هذا الرَّجُلِ الذي عليه القِصاصُ، اطمَأَنَّ، وهذا القولُ أصلَحُ؛ لأنَّ الحديثَ الوارِدَ ضعيفٌ كما رأيتُم، والكَفالةُ في الحُدودِ والقِصاصِ وشِبْهِها من الحُقوقِ فيها مصالِحُ). ((فتح ذي الجلال والإكرام)) (4/168). .
الأدِلَّةُ: من الآثارِ
1- عن حمزةَ بنِ عَمرٍو الأسلَميِّ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه بعَثَه مُصَدِّقًا، فوقع رجلٌ على جاريةِ امرأتِه، فأخذ حمزةُ من الرَّجُلِ كفيلًا حتَّى قَدِم على عُمَرَ، وكان عُمَرُ قد جلَدَه مائةَ جَلْدةٍ، فصَدَّقَهم وعَذَره بالجَهالةِ [225] أخرجه البخاري معلَّقًا بصيغة الجزم (2290)، وأخرجه موصولًا الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (11/310) مطوَّلًا باختلافٍ يسيرٍ. حسَّن إسنادَه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((شرح مشكل الآثار)) (11/310). .
2- قال جريرٌ والأشعَثُ لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ في المرتَدِّين: استَتِبْهم وكَفِّلْهم، فتابوا، وكفَلَهم عشائِرَهم، ونفاهم إلى الشَّامِ [226] أخرجه البخاري معلَّقًا بصيغةِ الجزمِ بعدَ حديثِ (2290)، وأخرجه موصولًا الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (11/312)، والبيهقي (17340). صحَّحه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((شرح مشكل الآثار)) (11/312)، وصحَّح إسنادَه ابنُ حجر في ((تغليق التعليق)) (3/290). .
وَجهُ الدَّلالةِ
في الأثَرِ دَلالةٌ على جوازِ الكَفالةِ في الحُدودِ [227] يُنظَر: ((فتح الباري)) لابن حجر (4/470). .

انظر أيضا: