trial

موسوعة الفرق

المبحث الأول: الجهل


لقد حثّ الله تعالى على العلم وبين منزلة العلماء والثواب العظيم عند الله قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [ المجادلة: 11].
وذم الله تعالى الجهل وحذر منه وبيّن أنه سبب إعراض المعرضين عن دعوة الأنبياء والمرسلين وأن الناس لجهلهم كذبوا بهم يقول تعالى مخبراً عن قول نوح لقومه: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ [ هود: 29].
وذكر سبحانه أن الجهل هو الذي دفع قوم لوط لعمل جريمتهم البشعة من اللواط, يقول تعالى: أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [ النمل: 55]
والجهل أيضا يدفع الناس للشرك بالله قال تعالى عن موسى عليه السلام وقومه: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [ الأعراف: 138].
ويعتبر ظهور الجهل وانتشاره من علامات قرب وقوع الساعة ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم ويكثر فيها الهرج والهرج: القتل)) رواه البخاري (7063)، ومسلم (2672). من حديث عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما. .
وقال أيضا: ((إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا)) رواه البخاري (80)، ومسلم (2671). من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. .
فرتب عليه السلام على قلة العلم ورفعه وظهور الجهل وكثرته كثرة وقوع المحرمات وانتهاكها ومن أعظمها القتل وهو الهرج وهذا القتل الذي يقع هو: بين المسلمين بعضهم البعض وهو دليل على تفرقهم ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن بين يدي الساعة لهرجا قال: قلت يا رسول الله ما الهرج؟ قال: القتل ... ثم قال : ليس بقتل المشركين ولكن يقتل بعضكم بعضا... الحديث)) رواه ابن ماجه (3213)، وأحمد (4/391) (19510)، والحاكم (4/498، 565). من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
وهذا الجهل الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيقع في الأمة وأنه سيكون من أسباب تفرقها هو جهل بأمرين.
أـ الجهل بعلوم الشريعة.
ب ـ الجهل باللغة العربية.
أ ـ الجهل بعلوم الشريعة: لما علم الصحابة رضوان الله عليهم خطورة الجهل على مستوى الفرد وعلى الجماعة حرصوا على تعليم الناس أمور دينهم وعلى تلقين أبنائهم أصول الاعتقاد وتوصيتهم بالتمسك بالسنة.
فكان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يوصي الناس بتعلم العلم فيقول: عليك بالعلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أهله أو قال أصحابه رواه اللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (1/ 87)، وابن بطة في ((الإبانة)) (1/333)، وابن وضاح في ((البدع والنهي عنها)) (25)، والمروزي في ((السنة)) (24-25). إذ الجهل خطر عظيم يقود الناس إلى البدعة والإحداث في الدين والسير على غير هدى وخير مثال على ذلك ما حدث وعبدالله بن مسعود حاضر وذلك أن أناسا من أهل الكوفة خرجوا إلى الجبانة يتعبدون واتخذوا مسجدا وبنوا بنيانا فأتاهم عبدالله بن مسعود فقالوا: مرحبا بك يا أبا عبدالرحمن لقد سرنا أن تزورنا قال: ما أتيتكم زائرا ولست بالذي أترك حتى يهدم مسجد الجبان إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أرأيتم  لو أن الناس صنعوا كما صنعتم من كان يجاهد العدو ومن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ومن كان يقيم الحدود ارجعوا فتعلموا ممن هو أعلم منكم وعلموا من أنتم أعلم منهم قال واسترجع فما برح حتى قلع أبنيتهم وردهم ((شرح السنة)) للبغوي (10/54). .
فانظر كيف عزا ابن مسعود رضي الله عنه ما فعلوه إلى الجهل إذ أمرهم بالتعلم فقال: ارجعوا فتعلموا ممن هو أعلم منكم.
وهذا ما فقهه ترجمان القرآن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما وأن أشد ما يفرق الأمة ويوقع بينها الاختلاف هو الجهل بدينها فقد خلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ودينها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: كيف تختلف هذه ونبيها واحد وقبلتها واحدة ـ زاد سعيد وكتابها واحد ـ قال : فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيما أنزل وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيما نزل فيكون لكل قوم فيه رأي فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا قال: فزجره عمر وانتهره عليّ فانصرف ابن عباس ونظر عمر فيما قال فعرفه فأرسل إليه وقال : أعد عليّ ما قلته فأعاد عليه فعرف عمر قوله وأعجبه.
وما قاله ابن عباس رضي الله عنهما هو الحق فإنه إذا عرف الرجل فيما نزلت الآية أو السورة عرف مخرجها وتأويلها وما قصد بها فلم يتعد ذلك فيها وإذا جهل فيما أنزلت احتمل النظر فيها أو جهل فذهب كل إنسان مذهبا لا يذهب إليه الآخر وليس عندهم من الرسوخ في العلم ما يهديهم إلى الصواب أو يقف بهم دون اقتحام حمى المشكلات فلم يكن بد من الأخذ ببادئ الرأي أو التأويل بالترخص الذي لا يغني من الحق شيئا إذ لا دليل عليه من الشريعة فضلوا وأضلوا. انظر ((الاعتصام)) للشاطبي ( 453) .
لذلك كان على المجتهد المتصدر للتعليم والفتيا العلم بعلوم الشريعة المتضمن العلم بكتاب الله تعالى وما يلحق به من معرفة أحكامه ومعانيه وفرضه وأدبه وإرشاده وإباحته وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه انظر ((الرسالة)) للشافعي ( 39ـ 41).
وعليه أيضا العلم بالسنة النبوية دراية ورواية انظر ((روضة الناظر)) لابن قدامة (190) ((جامع بيان العلم)) لابن عبد البر ( 2/ 1129) . وكذلك عليه العلم بالإجماع والقياس يقول الإمام الشافعي رحمه الله: على أن ليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حل ولا حرم إلا من جهة العلم وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس... ((الرسالة)) للشافعي (39).
فالواجب على العالمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا.. وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له إن شاء الله ((الرسالة)) للشافعي (41). .
ومن العلم بعلوم الشريعة العلم بمقاصدها وقواعدها الكلية انظر ((الموافقات)) للشاطبي (1/70) (4/477) ((روضة الناظر)) لابن قدامة (190) . ، ولقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك وأخبر أن الأمة ستبتلى بمن يدعي العلم وليس له حظ منه إلا حفظ النصوص دون فهم لمعانيها ، واستيعاب لها أو معرفة بمقاصد الشريعة وقواعدها ومتى صدر ـ من هذا شأنه ـ وترأس حدثت الفتنة ووقعت الفرقة يقول النبي صلى الله عليه وسلم واصفا الخوارج : ((إن من ضئضئ هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)) رواه البخاري (7432)، ومسلم (1064). من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وانظر ((الموافقات)) للشاطبي (4/539).  .
ولقد تربى الصحابة رضي الله عنهم على يد محمد صلى الله عليه وسلم على تلقي النصوص وفهمها واستيعابها والعمل بها, يقول عبدالله بن عمر رضي الله عنه: لقد لبثنا برهة من دهر وأحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن تنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما يتعلم أحدكم السورة.ولقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان يقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يعرف حلاله ولا حرامه ولا أمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينثره نثر الدقل"
ومر علي بن أبي طالب على قاص فقال : " أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال : لا . قال : هلكت وأهلكت رواه أبو خيثمة في كتاب ((العلم)) ( 130)، والنحاس في ((الناسخ والمنسوخ)) (ص48-49). عن أبي عبد الرحمن الجهني عن علي رضي الله عنه. قال الألباني في ((العلم)): إسناده صحيح على شرط الشيخين.
فيجب على العلماء أن يلموا بعلوم الشريعة وأن يجمعوا الأمة بذلك ومتى ما اختل هذا الأمر وتصدر الناس ورأسهم من يدعي العلم وهو في الحقيقة جاهل بشيء مما مضى فهنا تقع الفتنة في الأمة والاختلاف في الدين ويصاب المجتمع المسلم بالفرقة.
ولقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوقوع هذا الأمر وحذرنا من ذلك ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) رواه البخاري (7307)، ومسلم (2673). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. .
ويزيد الشاطبي رحمه الله المسألة تفصيلا ويبين أن من أسباب الفرقة: ترأس الجهلة، وأن الاختلاف المؤدي للفرقة لا يصدر أبدا من العلماء الراسخين في العلم فيقول: فاعلموا أن الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العاديات الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة العاملين بمواردها ومصادرها ثم يذكر أن الاختلاف المؤدي للفرقة والذي يلقي العداوة بين المسلمين إنما يقع حينما: يعتقد الإنسان في نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين ـ ولم يبلغ تلك الدرجة ـ فيعمل على ذلك ويعد رأيه رأيا وخلافه خلافا ولكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع وتارة يكون في كلي وأصل من أصول الدين ـ كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية ـ فتراه آخذا ببعض جزئيات الشريعة في هدم لكيانها حتى يصير منها ما ظهر له بادئ رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها وهذا هو المبتدع وعليه نبه الحديث الصحيح ((الاعتصام)) للشاطبي ( 445) باختصار يسير. .
ولقد جاء التحذير من ترؤس الجهلة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أن ذلك من أشراط الساعة فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر)) رواه الطبراني (22/361)، واللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (1/85)، والهروي في ((ذم الكلام)) (5/75). من حديث أبي أمية الجمحي رضي الله عنه. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (1/140): رواه الطبراني في ((الأوسط)) و((الكبير)) وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف. قال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (695): وهذا إسناد جيد لأن حديث ابن لهيعة صحيح إذا كان من رواية أحد العبادلة عنه وابن المبارك منهم. وصححه في ((صحيح الجامع)) (2207).
والتماس العلم عند الأصاغر لا يكون إلا بترأسهم وتصدرهم للفتيا من جهة, وذهاب العلماء الراسخين أو تنحيتهم من جهة أخرى انظر ((الاعتصام)) للشاطبي (446) .
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ألا إن الناس لم يزالوا بخير ما أتاهم العلم عن أكابرهم" رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (1/615)، واللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (1/ 84). وقال : "قد علمت متى صلاح الناس ومتى فسادهم : إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعه الصغير فاهتديا" رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (1/615).
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: " لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم فإذا جاءهم العلم من قبل أصاغرهم فذلك حين هلكوا" رواه اللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (1/84)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (1/617)، والهروي في ((ذم الكلام)) (5/77). وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (2/310): إسناده صحيح..
و ليس المراد هنا بالأصاغر صغار السن فقد كان عمر رضي الله عنه يستشير الصغار وكان القراء أهل مشورته كهولا وشبانا انظر: ((الاعتصام)) (446)، و((جامع بيان العلم وفضله)) (1/619). ولكن الجهلة الذين يقولون برأيهم وبغير فقه في الكتاب والسنة فيضلون ويضلون وأهل البدع أصاغر في العلم. انظر ((الاعتصام)) للشاطبي ( 446) ((ذم الكلام)) للهروي (5/ 76) ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) للأباني (2/ 310). .
وقيل الذي يستفتى ولا علم عنده انظر ((جامع بيان العلم)) (1/612، 618) . .
ولقد جاءت نصوص أخرى تحذر من ترؤس هؤلاء الجهلة وتصدرهم لقيادة الأمة إذ بذلك تجتلب المحن والفتن على المسلمين ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق الرويبضة، قيل وما الرويبضة؟ قال : الرجل التافه في أمر العامة)) رواه ابن ماجه (4036)، وأحمد (2/291) (7899)، والحاكم (4/512). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في ((نهاية البداية والنهاية)) (1/214): إسناده جيد. وقال أحمد شاكر في ((المسند)) (16/194): إسناده صحيح. وقال الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)): صحيح. .
إن ترؤس هؤلاء الأصاغر إضاعة للأمانة مؤذن بقرب قيام الساعة ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سأله أعرابي: متى الساعة؟ قال عليه الصلاة والسلام: ((فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" قال : وكيف إضاعتها ؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) رواه البخاري (59). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. .
يقول ابن حجر: إن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم وذلك من جملة الأشراط ومقتضاه أن العلم ما دام قائما ففي الأمر فسحة وكأن المصنف أشار إلى أن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر ((فتح الباري)) (1/ 143) . .
وما حدثت الفتنة في الأمة ودبت الفرقة إلا حينما تصدر مثل هؤلاء الناس وقادوهم, وهذا ما حدث في الفتنة على عثمان رضي الله عنه وهذا كان وصف الخارجين عليه المقدمين على قتله, فقد كانوا من الأعراب ومن سفهاء الناس وعامتهم. ولما خرج سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى الخارجين على عثمان ـ وعثمان رضي الله عنه محصورـ فرأى سعد رضي الله عنه رؤساءهم صفق بيديه أحدهما على الأخرى ثم استرجع ثم أظهر الكلام فقال: والله إن أمرا هؤلاء رؤساؤه لأمر سوء انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ( 3/ 72) . .، وصدق رضي الله عنه وهل أسوأ من قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه والذي نتج عن قتله اندلاع الفتن وفشو الفرقة في الأمة الإسلامية.
والناظر لأحوال أهل البدع ورؤسائهم المفرقين للأمة شيعا، يجدهم بعيدين عن استيعاب علوم الشريعة جاهلين بفهم معانيها ومعرفة قواعدها ومقاصدها معرضين عن تتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة الصحابة رضي الله عنهم وهذا ما أوقعهم في الاختلاف والفرقة انظر ((خلق أفعال العباد)) للبخاري (76). .
ويبوب الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر رحمه الله فيمن تأول القرآن وتدبره وهو جاهل بالسنة ثم يقول... أهل البدع أجمع اضربوا عن السنة، وتأولوا الكتاب على غير ما بينت السنة فضلوا وأضلوا نعوذ بالله من الخذلان ونسأله التوفيق والعصمة برحمته ((جامع بيان العلم)) (2/ 1199) وانظر ((ميزان الاعتدال في النقد الرجال)) للذهبي (2/ 23). .
ولجهل أهل البدع نجدهم عند مناظرتهم لأهل السنة العالمين بقول الله وقول رسوله نجدهم ينقطعون ويحيدون في المناظرة بالمنقول من الكتاب والسنة ويقرون على أنفسهم بذلك وأنهم إنما يجيدون الرأي والنظر والقياس فهذا بشر المريسي، لما ناظر الإمام عبدالعزيز بن يحيى الكناني في مسألة خلق القرآن التي يدعيها بشر وكانت المناظرة بحضرة الخليفة العباسي " المأمون" أظهر بشر من الجهل بالقرآن والسنة الشيء الكثير ولما حاد عن المناظرة بنص التنزيل قال: عندي أشياء كثيرة إلا أنه (أي الإمام عبدالعزيز الكناني) يقول بنص التنزيل وأنا أقول بالنظر والقياس فليدع مناظرتي بنص التنزيل وليناظرني بغيره ((كتاب الحيدة)) للإمام عبدالعزيز الكناني ( 50) . .
ولا عجب أن يكون هذا حال أصحاب البدع من الجهل بالكتاب والسنة والبعد عن تلقي العلم من السلف الصالح وتصدرهم قبل استيعابهم لما قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم مع دخول الشبهات إليهم فهذا واصل بن عطاء اعتزل حلقة الحسن البصري وكون له حلقة يرأسها يعلم فيها الناس رأيه فضل وأضل انظر ((الفرق بين الفرق)) للبغدادي (118) . .
وهؤلاء الخوارج الأزارقة فأول من أظهر البدع الزائدة فيهم رجل يقال له: عبد ربه الكبير وهو بائع رمان وعبد ربه الصغير وهو معلم كتاب انظر ((مقالات الإسلاميين)) لأبي الحسن الأشعري ( 1/172) ((التبصير في الدين)) للاسفراييني (50). . وهذا جهم بن صفوان يُسأل عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها فيفتي بأن عليها العدة فيخالف كتاب الله بجهله فقد قال تعالى: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً [ النساء: 88].
لذلك يوصي أبو الدرداء رضي الله عنه هذه الوصية العظيمة فيقول: "تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب بأصحابه، العالم والمتعلم شريكان في الخير وسائر الناس لا خير فيهم إن أغنى الناس رجل عالم افتقر إلى علمه فنفع من افتقر إليه، وإن استغنى عن علمه نفع نفسه بالعلم الذي وضع الله عز وجل عنده فمالي أرى علماءكم يموتون وجهالكم لا يتعلمون ولقد خشيت أن يذهب الأول ولا يتعلم الآخر ولو أن العالم طلب العلم لازداد علما وما نقص العلم شيئا ولو أن الجاهل طلب العلم لوجد العلم قائما فمالي أراكم شباعا من الطعام جياعا من العلم ((جامع بيان العلم)) لابن عبد البر (1/ 602) . .
تنبيهات:
1ـ إن من الجهل: عدم العمل بالعلم, ولقد ذم الله سبحانه علماء السوء الذين يقولون ما لا يعملون فقال سبحانه وتعالىأَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [ البقرة: 44]
لذلك كان الصحابة رضي الله عنهم حريصين على العمل الذي علموه يخافون من السؤال يوم القيامة يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: وقد علمت فماذا عملت فيما علمت رواه عبد الرزاق (11/253)، وابن أبي شيبة (7/112). .، ويوصينا رضي الله عنه فيقول: لا تكون تقيا حتى تكون عالما ولا تكون بالعلم جميلا حتى تكون به عاملا ((جامع بيان العلم)) (1/698). .
ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: " تعلموا، تعلموا، فإذا علمتم فاعملوا رواه الدارمي (1/115)، وابن أبي شيبة (7/105). وقال حسين أسد محقق ((سنن الدارمي)): إسناده ضعيف. .
ويقول الشاطبي: " العلم المعتبر شرعا ـ أعني الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق ـ هو العلم الباعث على العمل الذي لا يخلي صاحبه جاريا مع هواه كيفما كان, بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه الحامل له على قوانينه طوعا أو كرها ((الموافقات)) (1/61) وانظر ((فضل علم السلف على علم الخلف)) لعبد الرحمن بن رجب الحنبلي (64-69). .
ثم إن مخالفة عمل العالم لقوله الذي يدعو إليه قد يصد الناس عن دين الله تعالى خاصة إذا كان عمله ظاهرا لهم, ثم إنه قد يوقعهم في الفتنة من حيث هو عالم فيقتدي بعمله الناس قد يتلبس عليهم من عمله ما هو صحيح موافق للحق بما هو باطل فالله المستعان.
2ـ إن من الجهل: عدم فهم الدليل ووضعه في غير موضعه وهذا نتيجة قصور العلم لذلك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج بأنهم ((يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم)) رواه البخاري (6931)، ومسلم (1064). من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. .
يقول ابن تيمية: وكانت البدع الأولى مثل " بدعة الخوارج " إنما هي من سوء فهمهم للقرآن لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه" ((الفتاوى)) (3/20). .
3ـ من الجهل: المنازعة في المسألة قبل استكمال العلم وإحكامه وجمع حواشيه وأطرافه انظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (1/ 167) . .، فيظن المسلم أنه بقراءته للقرآن قد استكمل العلم فيذهب للمنازعة وإنكار ما يجهله فلقد أنكرت أم يعقوب على عبدالله بن مسعود لعنه للواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، قالت له: ما هذا؟ قال: "ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الله" قالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته فقال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه.وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ الحشر: 7] رواه البخاري (5939)، ومسلم (2125). .
لذلك أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يفعله المسلم عند الجهل ببعض العلم فقال: ((ما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه)) رواه أحمد (2/181) (6702). وصححه الألباني في ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص218). وقال شعيب الأرناؤوط محقق ((المسند)): صحيح وهذا إسناد حسن. . ولم يقل نازعوا فيه أو اعملوا برأيكم أو ردوا ما جهلتم.
4ـ إن من الجهل: أن ينكر الإنسان ما يجهله وما غاب عن علمه خاصة إذا كان مع المخالف فيقع منه التكذيب ببعض الحق ومن الجهل أن يرد بعض الحق الذي يكون مع مخالفه إذا كان مختلطا بالباطل فيؤدي هذا الرد إلى الاختلاف والنزاع انظر ((اقتضاء الصراط المستقيم)) ( 1/ 151) ((شرح العقيدة الطحاوية)) لابن أبي العز الحفني (1/ 187). .
5ـ إن من الجهل: الانشغال والاهتمام بالعلوم الدنيوية التي يتحصل المسلم بها على وظيفة ودخل ويكون انشغاله على حساب تعلمه أمور دينه الأساسية فكثيرا ما نجد من المسلمين من بلغ مراتب عالية في العلوم الدنيوية ولكنه قليل العلم في أمور دينه حتى لا يكاد يفرق بين أركان الصلاة وواجباتها فضلا عن مستحباتها فيكون بذلك لقمة سائغة وبيئة خصبة لتقبل البدع ونشرها إذ لا حصانة لديه من العلم الشرعي الصحيح.
لهذا يجب على ولاة الأمر والمربين الحرص على تزويد المناهج الدراسية بالعلوم الشرعية الكفيلة بتزويد المسلم كفايته وحاجته مع تعليمهم العلوم الدنيوية فلا تعارض البتة بين الأمرين انظر ((شرح أصول أهل السنة والجماعة)) للالكائي ( 1/ 26) ((جامع بيان العلم)) لابن عبد البر ( 2/ 1135) . .
6ـ إن من الجهل: تجزئة الشريعة والأخذ ببعض النصوص بدون بعض أو الزعم بالاستغناء بالقرآن الكريم عن السنة النبوية.
 يقول الشاطبي رحمه الله: ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد والجهل بمقاصد الشرع وعدم ضم أطرافه بعضها لبضع فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المرتب على خاصها.. إلى أن قال: " فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان.. وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما؛ أي دليل كان عفوا وأخذاً، وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي فكأن العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا فمتبعه متبع متشابه ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به ((الاعتصام)) (197-198) . .
وينبغي للمسلم أن يتنبه إلى مخططات أعداء الدين الموجهة للمسلمين من محاولتهم تجزئة الشريعة والحد من العمل بها وتعطيل بعض أحكامها لإضعاف المجتمع المسلم ومحاولتهم الدائمة لتشكيك الناس في السنة النبوية يقولون في أحد مؤتمراتهم التنصيرية في معرض خططهم لمحاربة الإسلام وإضعاف المسلمين والسيطرة عليهم: " وهناك خطان رئيسيان يجب أن توجه على امتدادهما هذه الدراسة المكثفة و" القاهرة" المسلمة تمثلهما . الأول: وهو علم التوحيد والفلسفة التقليدين القديمين اللذين تمثلهما جامعة الأزهر. والثاني: هو الحركة العصرية التي تمس بقدر كبير أو قليل كل مسلم شاب يتلقى تعليما على النمط الغربي والذي كما قلت يكمن في محاولة النفاذ إلى الجذرية التاريخية العملية للإسلام وإمعان النظر في وضع خطة لسياسة جديدة وعلم توحيد جديد وفلسفة جديدة ومجتمع جديد على أساس من القرآن من غير إضافة من التراث مهما كانت.
ولقد علم أعداء الدين أهمية العلم الشرعي في بقاء الأمة المسلمة وقوتها وعلموا أيضا خطورة الجهل وكيف أنه أقوى سلاح لتفريق هذه الأمة ومن ثم السيطرة عليها فعمدوا جاهدين إلى نشر الجهل بالدين الإسلامي بين صفوف أبنائه ومحاولة فصل المسلم عن دينه ثم استغلال المسلمين الجهلاء لبث مخططاتهم الاحتلالية ولمد نفوذهم على ثروات المسلمين بل وعقولهم.
ولقد سلكوا وسائل عدة لتحقيق هدفهم من نشر الجهل بين المسلمين منها:
ـ استفادوا من فترة احتلالهم لبلاد المسلمين بالتدخل في المناهج التعليمية، ومحاولة إحلال المنهج الغربي ـ كما يدعون ـ مكان المناهج الإسلامية في البلاد المحتلة.
ـ عملوا على محاولة استبعاد دراسة القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي في البرامج التعليمية العامة انظر ((احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام)) لسعد الدين السيد صالح (181) ((دراسات في السيرة النبوية)) لمحمد سرور بن نايف زين العابدين (119 ، 156) .
ـ العمل على تشويه عقائد المسلمين وإثارة الشكوك والشبهات حولها انظر ((أجنحة المكر الثلاث)) لعبد الرحمن حنبكة الميداني (44) وانظر (75، 198، 225، 249) ((دراسات في السيرة النبوية)) (159) ((الشبهات والأخطاء الشائعة في الفكر الإسلامي)) لأنور الجندي (41، 287). ، عبر وسائل التربية والتعليم من جهة وعبر وسائل الإعلام من جهة أخرى وكم خدم المستأجرون والمندسون والمنافقون والجهلاء أعداء الدين في تحقيق أهدافه انظر ((أجنحة المكر الثلاث)) (274) ((دراسات في السيرة النبوية)) (278) . .
مساندة الحركات الهدامة التي تظهر بصورة الإسلام والإسلام منها براء كالقاديانية التي ما ترعرعت إلا في أحضان الاحتلال الإنجليزي للهند انظر ((أجنحة المكر الثلاث)) (277) ((احذروا الأساليب الحديثة)) (309) . ، والبهائية التي تخدم بوضوح مصالح وأهداف الصهيونية والصليبية انظر ((أجنحة المكر الثلاث)) (274) ((احذروا الأساليب الحديثة)) (314) ((الإسلام والحضارة الغربية)) لمحمد محمد حسين (18، 41، 101) . .
ولم يقتصر أعداء الدين من نشر الجهل بالدين الإسلامي وتعزيز وجوده بل عمدوا أيضا إلى محاولة تجهيل المسلمين بلغة دينهم لغة القرآن الكريم: " اللغة العربية" وهاك تفصيل ذلك وبيانه.
ب ـ الجهل باللغة العربية: من الجهل الذي يؤدي إلى سوء فهم نصوص الشريعة ومن ثم تعدد الآراء وتفرقها هو الجهل باللغة العربية لذا عد تعلم اللغة العربية من العلوم الواجب على المجتهد معرفتها إذ علم اللغة العربية علم لا يحل الاجتهاد في الشريعة إلا بالاجتهاد فيه فالمجتهد بلا بد مضطر إليه انظر ((الموافقات)) للشاطبي ( 4/ 4849 بتصرف . .
 يقول الإمام ابن عبد البر رحمه الله: "ومما يستعان به على فهم الحديث ما ذكرناه من العون على كتاب الله عز وجل وهو العلم بلسان العرب ومواقع كلامها وسعة لغتها...وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى الآفاق أن يتعلموا السنة والفرائض واللحن ـ يعني النحو ـ كما يتعلم القرآن ((جامع بيان العلم)) (2/ 1132). .
ولقد كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يضرب ولده على اللحن ((جامع بيان العلم)) (2/ 1133) . . وما ذاك إلا لأن القرآن الكريم إنما نزل بلسان العرب على الجملة وطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة انظر ((الموافقات)) للشاطبي ( 2/ 3759 (2/ 319) وانظر ((الرسالة)) للشافعي (42). .
وكثيرا ما يقع الخطأ والاشتباه في فهم النصوص الشرعية بسبب الجهل بلسان العرب يقول الإمام الشافعي رحمه الله: "... إن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها ((الرسالة)) (50) . .
وكم من شبهة دخلت على أهل الفرقة والبدعة لجهلهم بلسان العرب ولقد عد الإمام الشاطبي من المآخذ التي تؤخذ على أهل البدع والتي تعد من سماتهم: تخرصهم على الكلام في القرآن والسنة العربيين مع العُرُوّ عن علم العربية الذي يفهم به عن الله ورسوله: فيفتاتون على الشريعة بما فهموا ويخالفون الراسخين في العلم وإنما دخلوا في ذلك من جهة تحسين الظن بأنفسهم واعتقادهم أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط وليس كذلك كما حكي عن بعضهم أنه سئل عن قول الله عز وجل: رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ [ آل عمران:117 ]، فقال: هو هذا الصرصر، يعني صرار الليل" ثم ذكر رحمه الله أمثلة كثيرة تبين جهلهم بالعربية ثم قال: " فمثل الاستدلالات لا يعبأ بها وتسقط مكالمة أهلها.... إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى فحق ما حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: إنما هذا القران كلام فضعوه مواضعه ولا تتبعوا به أهواءكم ، أي : فضعوه على مواضع الكلام ولا تخرجوه عن ذلك فإنه خروج عن طريقه المستقيم إلى اتباع الهوى.
وعن الحسن رحمه الله أنه قيل له: أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه ويقيم بها منطقة؟ قال: نعم ! فليتعلمها، فإن الرجل يقرأ بالآية فيعياه توجيهها فيهلك. وعنه أيضا قال: أهلكتكم العجمة تتأولون القرآن على غير تأويله ((الاعتصام)) للشاطبي ( 191ـ 193) . .
ويقول الشاطبي أيضا : " ولعلك إذا استقريت أهل البدع المتكلمين أو أكثرهم وجدتهم من أبناء سبايا الأمم ومن ليس له أصالة باللسان العربي، فعما قريب يفهم كتاب الله على غير وجهه ((الاعتصام)) (447). .
ولقد أظهر بشر المريسي القائل بخلق القرآن من جهله باللغة العربية ما أظهره عند مناظرته للإمام عبدالعزيز الكناني في أكثر من موضع, كان جهله بالعربية من أسباب قوله بخلق القرآن. حتى قال الإمام عبدالعزيز عنه: " وإنما دخل الجهل على بشر ومن قال بقوله لأنهم ليسوا من العرب ولا علم لهم بلغة العرب ومعاني كلامها, فتأول القرآن على لغة العجم التي لا تفقه ما تقول وإنها تتكلم بالشيء كما يجري على لسانها وكل كلامهم ينقض بعضه بعضا, ولا يعتقدون ذلك من أنفسهم ولا يعتقده عليهم غيرهم لكثرة خطئهم ولحنهم وادعائهم لذلك وسمعت عبد الملك بن قريب الأصمعي وقد سأله رجل فقال له: أتدغم الفاء في الباء؟ فتبسم الأصمعي ـ وقبض على يدي وكان لي إلفاً صديقا ـ فقال: أما تسمع يا أبا محمد ؟ ثم أقبل على السائل وهو متعجب من مسألته فقال: يا هذا أتدغم الفاء في الباء في لغة ماني الساساني .. فأما العرب فلا تعرف هذا انظر((كتاب الحيدة)) (43) . .
إن جهل أصحاب البدع باللغة العربية جعلهم يقولون بأصولهم الاعتقادية البدعية والتي يفارقون بها جماعة المسلمين ويفرقون الأمة ويخالفون نصوص الكتاب والسنة وليس لهم مستند إلا الجهل والرأي والظن انظر قول المعتزلة في إنفاذ الوعيد، والقول بالمنزلة بين المنزلتين. كتاب ((الأصول الخمسة)) للقاضي عبد الجبار المعتزلي (611، 615) . .
فقد جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو: من العجمة أتيت. يا أبا عثمان إن الوعد غير الوعيد إن العرب لا تعد خلفا ولا عارا أن تعد شرا ثم لا تفعله، ترى إن ذاك كرما وفضلا إنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا تفعله ((تاريخ بغداد)) للبغدادي ( 12/ 175). .
فعلى المسلمين ولاة وعامة العناية باللغة العربية حكاية وفهما والحذر مما يحيكه أعداء الدين من المحاولات الأكيدة التي يعملونها لصرف المسلمين عن دينهم وكتاب ربهم بصرفهم عن اللغة العربية بوسائل شتى ودعاوى كاذبة, منها: أن اللغة العربية صعبة التناول والاستعمال ولا تواكب التقدم الحضاري المادي فأخذوا يدعون إلى إحلال اللهجة المحلية العامية مكانها كما دعوا إلى إحلال اللغة الأجنبية من إنجليزية أو فرنسية أو غيرها مكان اللغة العربية وجعل هذه اللغة الأجنبية هي لغة الدراسة واللغة الرسمية في البلاد كما عملوا إلى الدعوة إلى رسم المصحف بالرسم الإملائي الحديث وترك الرسم العثماني بدعوى التسهيل والتيسير وهدفهم صد المسلمين وتجهيلهم بالقرآن الكريم ولغته انظر ((هامش كتاب الرسالة)) للشافعي تحقيق أحمد محمد شاكر ( 49). .
إن بتنحية اللغة العربية أو إهمالها يتحقق للأعداء هدفان وتضرب الأمة المسلمة بذلك ضربتين هما:
1ـ جهل الناس بدينهم وبفهم كتاب الله تعالى إذ ليس المقصود من نزول القرآن قراءته فقط بل تدبر معانيه والعمل به ولا يكون ذلك إلا لمن يجيد اللغة العربية.
2ـ تمزيق الأمة المسلمة، والقضاء على عامل من عوامل وحدة الأمة وتحقيق جماعتها ألا وهو عامل اللغة, فاللغة لغة القرآن الكريم هي من عوامل جمع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها فأنى اتجهت إلى قطر إسلامي ولقيت مسلما حييته بتحية الإسلام العربية " السلام وعليك... فرد السلام باللسان العربي، وإن سألته عن حاله أجابك بلسان عربي: الحمد لله؛ تسري بينهم الألفة والمحبة وإن اختلفت ألوانهم وأجناسهم فالذي يجمعهم كتاب ربهم القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين انظر للاستزادة في معرفة أساليب الأعداء في كيدهم للغة العربية: ((أجنحة المكر الثلاثة)) لعبد الرحمن حبنكة الميداني (346) كتاب ((احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام)) لسعد الدين السيد صالح (116) ((دراسات في السيرة النبوية)) (183). .وبهذه اللغة العربية لغة القرآن ولغة الدين يكتب الفكر وتكتب ثقافة الأمة أجمع فتتوحد الأمة وتستقل عن غيرها وتتبع كتاب ربها لا تتبع غيره انظر ((الرسالة)) للشافعي ( 48ـ 49) . . موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص188


انظر أيضا: