الموسوعة الفقهية

المَبحَثُ الثَّالثُ: حُكمُ المُزارَعةِ


تجوزُ المُزارَعةُ على الأرضِ ببعضِ ما يخرُجُ منها مِن الثَّمرِ، كالنِّصفِ والثُّلثِ والرُّبعِ، وهو مَذهَبُ المالِكيَّةِ [242] المالِكيَّةُ أجازوها في الصُّوَرِ التَّاليةِ: 1- أن تكونَ الأرضُ والبَذْرُ من أحَدِهما، ومن الآخَرِ العَمَلُ والآلةُ. 2- أن يتساوى الشَّريكانِ في جميعِ ما أخرجاه: العَمَلِ والبَذْرِ والنَّفَقاتِ، والأرضُ بينهما بكِراءٍ، أو بينهما مِلكٌ. 3- أن تكونَ الأرضُ بينهما بمِلكٍ أو كِراءٍ، ومن أحَدِهما البَذْرُ، ومن الآخَرِ العَمَلُ، وقيمةُ العَمَلِ تقابِلُ قيمةَ البَذْرِ. 4- أن تكونَ الأرضُ وبعضُ البَذْرِ من أحَدِهما، ومن الآخَرِ العَمَلُ وبعضُ البَذْرِ، بشَرطِ أن يأخُذَ العامِلُ من الرِّبحِ بقَدْرِ نِسبةِ إسهامِه في البَذرِ أو أزيدَ. 5- أن يكونَ من أحَدِهما عَمَلُ يَدِه فقط على جُزءٍ من الرِّبحِ كالرُّبعِ مَثَلًا، ومن الآخَرِ الأرضُ والبَذْرُ وجميعُ التَّكاليفِ، وهذه تجوزُ إن وقَعَت بلَفظِ الشَّرِكةِ أو المُزارعةِ، ولا تجوزُ إن وقعت بلَفظِ الإجارةِ. ينظر: ((الكافي)) لابن عبد البر (2/ 763)، ((مواهب الجليل)) للحطاب (7/153)، ((شرح الزرقاني على مختصر خليل)) (6/119)، ((مدونة الفقه المالكي)) للغرياني (3/572). ، والحنابِلةِ [243] ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/ 542) ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (2/234). ، وقولُ أبي يوسُفَ ومُحمَّدِ بنِ الحَسنِ مِن الحنفيَّةِ [244] وصُوَرُ المزارعةِ عندَ من أجازها من الحنفيَّةِ هي: 1- أن تكونَ الأرضُ من أحَدِهما، والبَذرُ والعَمَلُ والبَقَرُ وآلاتُ العَمَلِ كُلُّه من الآخَرِ، فهذه جائزةٌ. 2- أن تكونَ الأرضُ والبَذْرُ والبَقَرُ والآلاتُ من أحَدِهما، والعَمَلُ من الآخَرِ، فهذه جائزةٌ أيضًا. 3- أن تكونَ الأرضُ والبَذْرُ من أحَدِهما، والبَقَرُ والآلاتُ من العامِلِ، وهذه جائزةٌ أيضًا. 4- أن يكونَ البَذرُ من قِبَلِ العامِلِ، والبَقَرُ من قِبَلِ رَبِّ الأرضِ، وهذه فاسدةٌ.  ينظر: ((شرح مختصر الطحاوي)) للجصاص (3/ 415)، ((مختصر القدوري)) (ص: 143) ((المبسوط)) للسرخسي (23/ 17، 18). ، واختاره النَّوَويُّ وبعضُ الشَّافِعيَّةِ [245] وهو قولُ ابنِ سُرَيجٍ، وابنِ خُزيمةَ، والخطَّابيِّ من الشَّافِعيَّة. ((روضة الطالبين)) للنووي (5/ 168، 169) ((فتاوى النووي)) (ص: 147). ، وبه قال بعضُ الصَّحابةِ والسَّلفِ [246] قال ابنُ المنذِرِ: (اختلف أهلُ العِلمِ في الرَّجُلِ يعطي أرضَه البيضاءَ أو أرضَه ونَخلَه، بالنِّصفِ أو الثُّلثِ أو الرُّبعِ أو بجزءٍ معلومٍ ممَّا يخرُجُ منها؛ فرُوِّينا عن جماعةٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّهم أجازوا ذلك؛ منهم: ابنُ مسعودٍ، وسَعدُ بنُ مالكٍ رضي الله عنهما. ورُوِّينا ذلك عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، ومعاذٍ رضي اللهُ عنهما. وهذا مذهَبُ سعيدِ بنِ المسَيِّبِ، ومُحمَّدِ بنِ سِيرينَ، وطاوُوسٍ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ الأسوَدِ، وموسى بنِ طلحةَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والزُّهْريِّ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلى) ((الإشراف على مذاهب العلماء)) (6/ 260، 261)، وينظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/ 82، 83)، ((البناية)) للعيني (11/ 475). ، وهو قولُ ابنِ المُنذِرِ [247] قال ابنُ المنذِرِ: (ثبت أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم «عامَلَ أهلَ خَيبَرَ على شَطْرِ ما يخرُجُ من ثَمَرٍ أو زَرعٍ»...، والقولُ بظاهِرِ هذا الخبَرِ يجِبُ) ((الإقناع)) (2/ 567). ، وابنِ حَزمٍ [248] قال ابنُ حزمٍ: (ولا يحِلُّ في زرعِ الأرضِ إلَّا أحَدُ ثلاثةِ أوجُهٍ: إمَّا أن يزرَعَها المرءُ بآلتِه وأعوانِه وبَذْرِه وحيوانِه، وإمَّا أن يُبيحَ لغيرِه زَرْعَها ولا يأخُذَ منه شيئًا، فإن اشتركا في الآلةِ والحيوانِ والبَذْرِ والأعوانِ دونَ أن يأخُذَ منه للأرضِ كِراءً، فحَسَنٌ. وإمَّا أن يعطِيَ أرضَه لِمن يزرعُها ببَذْرِه وحيوانِه وأعوانِه وآلتِه بجزءٍ، ويكونَ لصاحبِ الأرضِ ممَّا يُخرِجُ اللهُ تعالى منها مسمًّى؛ إمَّا نِصفٌ وإمَّا ثُلثٌ أو رُبعٌ، أو نحوُ ذلك أكثَرَ أو أقَلَّ، ولا يُشترَطُ على صاحِبِ الأرضِ البتَّةَ شيءٌ من كُلِّ ذلك، ويكونُ الباقي للزَّارعِ قَلَّ ما أصاب أو كَثُر، فإنْ لم يُصِبْ شيئًا فلا شيءَ له، ولا شيءَ عليه، فهذه الوجوهُ جائزةٌ) ((المحلى)) (7/ 44). ، واختاره ابنُ تيميَّةَ [249] قال ابنُ تيميَّةَ: (المُزارعةُ جائزةٌ في أصَحِّ قولَيِ العُلَماءِ، وهي عَمَلُ المسلمين على عهدِ نبيِّهم وعهدِ خُلَفائِه الرَّاشِدين، وعليها عمَلُ آلِ أبي بكرٍ، وآلِ عُمَرَ، وآلِ عُثمانَ، وآلِ عَليٍّ، وغيرِهم من بيوتِ المهاجِرين، وهي قَولُ أكابِرِ الصَّحابةِ، كابنِ مَسعودٍ، وهي مذهَبُ فُقَهاءِ الحديثِ) ((مجموع الفتاوى)) (28/ 82، 83). ، وابنُ القيِّمِ [250] قال ابنُ القَيِّمِ: (المضارَبةُ والمُساقاةُ والمزارعةُ، فليس فيها شيءٌ من المَيسِرِ، بل هي من أقومِ العَدْلِ، وهو ممَّا يُبَيِّنُ لك أنَّ المزارعةَ التي يكونُ فيها البَذْرُ من العامِلِ أَولى بالجوازِ من المزارعةِ التي يكونُ فيها البَذرُ من رَبِّ الأرضِ؛ ولهذا كان أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يزارِعون على هذا الوَجهِ...) ((إعلام الموقعين)) (1/ 293). ، والصَّنعانيُّ [251] قال الصَّنعانيُّ: (الحديثُ دليلٌ على صِحَّةِ المساقاةِ والمزارعةِ ... وتجوزُ كُلُّ واحدةٍ منفَرِدةً، والمسلمون في جميعِ الأمصارِ والأعصارِ مُستَمِرُّون على العَمَلِ بالمزارعةِ) ((سبل السلام)) (2/ 112). ، والشَّوكانيُّ [252] قال الشَّوكانيُّ في حديثِ قِصَّةِ خَيبَرَ: (وهو حُجَّةٌ في أنَّها عقدٌ جائزٌ... وظاهِرُ هذا أنَّ البَذْرَ منهم، وأنَّ تسميةَ نَصيبِ العامِلِ تُغني عن تسميةِ نصيبِ رَبِّ المالِ، ويكونُ الباقي له) ((نيل الأوطار)) (5/ 326). ، وابنُ بازٍ [253] قال ابنُ باز: (هذه مُزارعةٌ، فإذا أعطيتُم العُمَّالَ النِّصفَ أو الثُّلثَ أو الرُّبعَ على قيامِهم على المزرعةِ وسَقْيِهم لها وتَعَبِهم فيها، وأنتم تُعِدُّون لهم كُلَّ شَيءٍ؛ فلا بأسَ بذلك، هذه مزارعةٌ جائزةٌ ولا حَرَجَ فيها، ولا بأسَ بتأجيرِ الأرضِ على النَّاسِ بأجرٍ معلومٍ) ((فتاوى نور على الدرب)) (19/ 247). ، وابنُ عُثَيمينَ [254] قال ابنُ عثيمين: (المزارعةُ هي: أن يدفَعَ أرضًا لمن يزرعُها بجزءٍ من الزَّرعِ ... وإباحتُها من حِكمةِ الشَّرعِ، وتيسيرِ الإسلامِ؛ فقد يكونُ عندَ الإنسانِ أرضٌ بيضاءُ لا يستطيعُ زَرعَها، وفي مقابِلِ ذلك عمَّالٌ ليس لهم ما يكتَسِبون، فيأخُذون هذه الأرضَ ويزرعونها، فيكونُ في ذلك مصلحةٌ لصاحِبِ الأرضِ وللعاملِ، وهذا لا شَكَّ أنَّه من محاسِنِ الإسلامِ. وقولُه: «وتَصِحُّ المزارعةُ بجزءٍ معلومِ النِّسبةِ»، اعلَمْ أنَّ كُلَّ صحيحٍ فهو جائزٌ، يعني إذا قيل: يصِحُّ، فالمعنى أنَّها جائزةٌ؛ لأنَّ الصِّحَّةَ فَرعٌ عن الجوازِ في الحُكمِ الشَّرعيِّ لا الوَضعيِّ) ((الشرح الممتع)) (9/457). ، وبه أفتَت اللَّجنةُ الدَّائِمةُ [255] جاء في فتاوى اللَّجنةِ الدَّائمةِ: (عقدُ المُزارعةِ بَينَ صاحِبِ الأرضِ والعامِلِ عقدٌ جائزٌ، على أن يكونَ الخارِجُ من الأرضِ مُشتَرَكًا بينهما، للعامِلِ الرُّبعُ أو الثُّلثُ أو النِّصفُ مثَلًا، والباقي لصاحِبِ الأرضِ، سواءٌ كانت البُذورُ والسِّمادُ والحَرثُ والسَّقيُ وسائِرُ العَمَلِ من العامِلِ، أم بعضُه من العامِلِ وبعضُه من صاحِبِ الأرضِ) ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى)) (14/ 366). .
الأدلَّةُ:
أوَّلًا: مِن السُّنَّةِ
عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضِي اللهُ عنهما قال: ((أعطى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَيبرَ اليَهودَ أن يعمَلوها ويزرَعوها، ولهم شَطرُ ما يخرُجُ منها)) [256] أخرجه البخاري (2499) واللفظ له، ومسلم (1551). .
ثانيًا: أنَّ عَقدَ المُزارَعةِ عَقدُ شَرِكةٍ بَينَ المالِ والعَملِ، فيجوزُ اعتِبارًا بالمُضارَبةِ، ووَجهُ القِياسِ على المُضارِبِ دَفعُ الحاجةِ؛ فإنَّ صاحِبَ المالِ قد لا يهتدي إلى العَملِ، والقويُّ عليه لا يجِدُ المالَ؛ فمسَّت الحاجةُ إلى انعِقادِ هذا العَقدِ بَينَهما [257] ينظر: ((الهداية)) للمرغيناني (4/ 53)، ((البناية)) للعيني (11/ 477). .
ثالثًا: لحاجةِ النَّاسِ إلى المُزارَعةِ، ولظُهورِ تعامُلِ الأمَّةِ بها مِن لَدُنِ زَمنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومِنا هذا مِن غَيرِ نَكيرٍ [258] ينظر: ((الهداية)) للمرغيناني (4/ 54)، ((البناية)) للعيني (11/ 481). .

انظر أيضا: