الموسوعة الفقهية

المَبحَث الثَّاني: حُكمُ المُساقاةِ


تجوزُ المُساقاةُ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: المالِكيَّةِ [3] ((مختصر خليل)) (ص: 201) ((الشرح الكبير)) للدردير (3/ 539). ، والشَّافِعيَّةِ [4] ((فتح العزيز بشرح الوجيز)) للرافعي (12/99)، ((منهاج الطالبين)) للنووي (ص: 157). ، والحنابِلةِ [5] ((الإقناع)) للحجاوي (2/ 274)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/ 532). ، وأبي يوسُفَ ومُحمَّدٍ مِن الحنفيَّةِ [6] ((شرح مختصر الطحاوي)) للجصاص (3/ 380)، ((مختصر القدوري)) (ص: 144). ، وهو مَذهَبُ الظَّاهِريَّةِ [7] قال ابنُ حزمٍ: (المعاملةُ في الثِّمارِ: مسألةٌ: المعاملةُ فيها سُنَّةٌ، وهي أن يدفَعَ المرءُ أشجارَه أيَّ شَجَرٍ كان من نخلٍ، أو عِنَبٍ، أو تينٍ، أو ياسمينَ، أو موزٍ، أو غيرِ ذلك، لا تُحاشِ شيئًا ممَّا يقومُ على ساقٍ، ويُطعِمَ سَنةً بعدَ سَنةٍ لمن يحفِرُها ويزبُلُها ويسقيها -إن كانت ممَّا يُسقى- بسانيةٍ، أو ناعورةٍ، أو ساقيةٍ، ويُؤبِّرُ النَّخلُ، ويَزبُرُ الدَّواليَ، ويَحرُثُ ما احتاج إلى حرثِه ... وأجازه ابنُ أبي ليلى، وسفيانُ الثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، وأبو يوسُفَ، ومُحمَّدٌ، والشَّافعيُّ، ومالِكٌ، وأحمدُ، وأبو سُلَيمانَ، وغيرُهم) ((المحلى)) (7/67). ، وقولُ الفُقَهاءِ كافَّةً [8] قال الماوَرديُّ: (المساقاةُ جائزةٌ لا يُعرَفُ خلافٌ بينَ الصَّحابةِ والتَّابعين في جوازِها، وهو قولُ كافَّةِ الفُقَهاءِ إلَّا أبا حنيفةَ وَحدَه دونَ أصحابِه) ((الحاوي الكبير)) (7/357). ، وحُكِي الإجماعُ على ذلك [9] قال ابنُ حزمٍ: (ودَفعُ الأرضِ بجُزءٍ مما يخرُجُ منها، ودفعُ الشَّجَرِ ممَّا يخرجُ منها: متَّفَقٌ عليه بيقينٍ من فعلِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعَمَلِ جميعِ أصحابِه رَضِيَ اللهُ عنهم، ولا تُحاشِ منهم أحدًا، فما غاب منهم عن خيبرَ إلَّا معذورٌ بمَرَضٍ أو ضَعفٍ أو وِلايةٍ تشغَلُه، ومع ذلك فكُلُّ من غاب بأحدِ هذه الوجوهِ فقد عرَفَ أمرَ خَيبَرَ، واتَّصل الأمرُ فيها عامًا بعدَ عامٍ إلى آخرِ خلافةِ عُمَرَ، فهذا هو الإجماعُ المتيقَّنُ المقطوعُ عليه) ((المحلى)) (7/68). وقال ابنُ قُدامةَ: (والأصلُ في جوازِها [أي: المساقاةِ] السُّنَّةُ والإجماعُ ... وأمَّا الإجماعُ فقال أبو جعفَرٍ مُحمَّدُ بنُ عليِّ بنِ الحُسَينِ بنِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه وعن آبائِه: «عامَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أهلَ خَيبَرَ بالشَّطرِ، ثمَّ أبو بكرٍ وعُمَرُ وعُثمانُ وعَليٌّ، ثمَّ أهلوهم إلى اليومِ يُعطون الثُّلثَ والرُّبعَ. وهذا عَمِلَ به الخُلفاءُ الراشدون في مُدَّةِ خِلافتِهم»، واشتَهَر ذلك، فلم يُنكِرْه مُنكِرٌ، فكان إجماعًا) ((المغني)) (5/290). .
الأدلَّةُ:
أوَّلًا: مِن السُّنَّةِ
1- عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضِي اللهُ عنهما: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عامَل أهلَ خَيبرَ بشَطرِ ما يخرُجُ منها مِن ثَمرٍ أو زَرع)ٍ) [10] أخرجه البخاري (2329)، ومسلم (1551) واللفظُ له، وفي رواية لمسلم (1551): عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ قال: (لمَّا افتتُحِت خيبرُ سألت يهودُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُقِرَّهم فيها، على أن يعمَلوا على نصفِ ما خرج منها من الثَّمَرِ والزَّرعِ. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أقِرُّكم فيها على ذلك ما شِئْنا). وذكَره ابنُ عبدِ البرِّ في ((الاستذكار)) (7/55) بلفظِ: «أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ساقى أهلَ خيبَرَ على نصفِ ما تُخرِجُ الأرضُ والثَّمَرةُ». صحَّحه الإمامُ أحمد كما في ((الاستذكار)) لابنِ عبدِ البرِّ (6/58). .
2- عن أبي هُرَيرةَ رضِي اللهُ عنه، قال: ((قالت الأنصارُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اقسِمْ بَينَنا وبَينَ إخوانِنا النَّخيلَ، قال: لا، فقال: تكفونا المَؤونةَ، ونَشْرَكُكم في الثَّمَرةِ؟ قالوا: سمِعْنا وأطعْنا)) [11] أخرجه البخاري (2325). .
وَجهُ الدَّلالةِ:
قولُه: ((تكفونا المَؤونةَ، ونَشْرَكُكم في الثَّمرةِ)) أي: تكفونا أيُّها المُهاجِرونَ مَؤونةَ العَملِ في النَّخيلِ، ويكونُ المُتحصِّلُ مِن ثَمرِها مُشترَكًا بَينَنا وبَينَكم، وهذه هي المُساقاةُ [12] يُنظر: ((مصابيح الجامع)) للدماميني (5/227)، ((عمدة القاري)) للعيني (12/161)، ((إرشاد الساري)) للقسطلاني (4/436). .
ثانيًا: قياسًا على المُضارَبةِ بالأثمانِ، فهي عَقدٌ على العَملِ في المالِ ببعضِ نَمائِه [13] يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (5/291). .

انظر أيضا: