الموسوعة الفقهية

الفَرْعُ الثَّاني: اسْتِئْجارُ الأجيرِ مُقابِلَ الطَّعامِ والكِسْوةِ


المَسْألةُ الأُولى: اسْتِئْجارُ الأجيرِ مُقابِلَ الطَّعامِ والكِسْوةِ إذا كانَ مَعْلومًا مَوْصوفًا
يَصِحُّ اسْتِئْجارُ الأجيرِ مُقابِلَ الطَّعامِ والكِسْوةِ إذا كانَ الطَّعامُ والكِسْوةُ مُحدَّدَينِ مَعْروفَينِ بالوَصْفِ أو بالمُشاهَدةِ.
الأَدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِن الإجْماعِ
نَقَلَ الإجْماعَ على ذلك: المَرْغِينانيُّ [189] قال المَرْغينانيُّ: (في الجامِعِ الصَّغيرِ: فإن سمَّى الطَّعامَ دَراهِمَ، ووَصَفَ جِنْسَ الكِسْوةِ وأجَلَها وذَرْعَها فهو جائِزٌ، يَعْني بالإجْماعِ، ومَعْنى تَسْميةِ الطَّعامِ دَراهِمَ: أن يَجعَلَ الأُجْرةَ دَراهِمَ، ثُمَّ يَدفَعُ الطَّعامَ مَكانَها، وهذا لا جَهالةَ فيه، ولو سمَّى الطَّعامَ وبَيَّنَ قَدْرَه جازَ أيضًا). ((الهداية)) (3/241). ، والمَوصِليُّ [190] قالَ الموصِليُّ: (لو شَرَطَ [الأجيرُ] قَدْرًا مِن الطَّعامِ كلَّ يَوْمٍ، وكِسْوةَ ثَوْبٍ مَوْصوفِ الجِنْسِ والطُّولِ والعَرْضِ كلَّ سِتَّةِ أَشهُرٍ، جازَ بالإجْماعِ). ((الاختيار)) (2/59). ، والزَّيْلَعيُّ [191] قالَ الزَّيْلَعيُّ: (فإن سمَّى الطَّعامَ دَراهِمَ، ووَصَفَ جِنْسَ الكِسْوةِ وأجَلَها وذَرْعَها جازَ، أي: بالإجْماعِ، وقالوا مَعْنى تَسْميةِ الطَّعامِ دَراهِمَ: أن يَجعَلَ الأُجْرةَ دَراهِمَ، ثُمَّ يَدفَعَ الطَّعامَ مَكانَه دَراهِمَ، فيكونَ مَعْناه على هذا التَّقْديرِ: إن سمَّى بَدَلَ الطَّعامِ دَراهِمَ، حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إليه مَقامَه، لكن لا يُفهَمُ مِنه أنَّه أعْطى بَدَلَ الدَّراهِمِ طَعامًا، وإنَّما يُفهَمُ مِنه أنَّه سمَّى بَدَلَ الطَّعامِ دَراهِمَ لا غَيْرُ، ولو سمَّى الطَّعامَ وبَيَّنَ قَدْرَه ووَصْفَه جازَ بالإجْماعِ؛ لزَوالِ الجَهالةِ). ((تبيين الحقائق)) (5/128). .
ثانِيًا: لأنَّه شَرْطٌ مَعْلومٌ فصَحَّ اشْتِراطُه، أَشبَهَ ما لو شَرَطَ دَراهِمَ مَعْلومةً [192] ((المغني)) لابن قُدامةَ (5/365). .
المَسْألةُ الثَّانيةُ: اسْتِئْجارُ الظِّئْرِ مُقابِلَ الطَّعامِ والكِسْوةِ إذا لم يكُنْ مَعْلومًا أو مَوْصوفًا
يَصِحُّ اسْتِئْجارُ الظِّئْرِ [193] الظِّئرُ: هي المُرْضِعةُ غَيْرَ وَلَدِها. ((التاج والإكليل)) للموَّاق (7/527). مُقابِلَ الطَّعامِ والكِسْوةِ حتَّى لو لم يُعلَمْ وَصْفُه ومِقْدارُه، وهو مَذهَبُ الجُمْهورِ: الحَنَفِيَّةِ [194] ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (5/127). ويُنظَرُ: ((الاختيار)) للموصلي (2/59). ، والمالِكِيَّةِ [195] ((منح الجليل)) لعليش (7/466). ويُنظَرُ: ((المدونة)) لسحنون (3/451). ، والحَنابِلةِ [196] ((الإنصاف)) للمرداوي (6/11)، ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (5/7). .
الأَدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِن الكِتابِ
قَوْلُه تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 233] .
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ اللهَ تَعالى أَوجَبَ لهنَّ النَّفَقةَ والكِسْوةَ على الرَّضاعِ، ولم يُفرِّقْ بَيْنَ المُطلَّقةِ وغَيْرِها، بلْ في الآيةِ قَرينةٌ تَدُلُّ على طَلاقِها؛ لأنَّ الزَّوْجةَ تَجِبُ نَفَقتُها وكِسْوتُها بالزَّوْجيَّةِ وإن لم تُرضِعْ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة: 233] ، والوارِثُ ليس بزَوْجٍ [197] ((المغني)) لابن قُدامةَ (5/364). .
ثانِيًا: لأنَّ المَنْفعةَ في الحَضانةِ والرَّضاعِ غَيْرُ مَعْلومةٍ، فجازَ أن يكونَ عِوَضُها كذلك [198] ((المغني)) لابن قُدامةَ (5/364). .
ثالِثًا: أنَّ هذه الجَهالةَ لا تُفْضي إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّ العادةَ جَرَتْ بالتَّوْسِعةِ على الأظآرِ، وعَدَمِ المُماكَسةِ معَهنَّ، وإعْطائِهنَّ ما يَرغَبْنَه شَفَقةً على الأوْلادِ [199] ((الاختيار)) للموصلي (2/59). .
المَسْألةُ الثَّالِثةُ: اسْتِئْجارُ الأجيرِ غَيْرِ الظِّئْرِ مُقابِلَ الطَّعامِ والكِسْوةِ إذا لم يكُنْ مَعْلومًا أو مَوْصوفًا
يَصِحُّ اسْتِئْجارُ الأجيرِ مُقابِلَ الطَّعامِ والكِسْوةِ حتَّى لو لم يُعلَمْ وَصْفُه ومِقْدارُه [200] فإن تَنازَعا في مِقْدارِ الطَّعامِ والكِسْوةِ، فنَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّ له مُدًّا مِن الطَّعامِ قِياسًا على إطْعامِ المَساكينِ في الكَفَّارةِ، وفي الكِسْوةِ: له أقَلُّ مَلْبوسٍ لمِثلِه. يُنظَرُ: ((المغني)) لابن قُدامةَ (5/365). وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: يَرجِعُ إلى العُرْفِ. يُنظَرُ: ((القوانين الفقهية)) لابن جزي (ص 181). ، وهو مَذهَبُ المالِكِيَّةِ [201] ((التاج والإكليل)) للمواق (5/436). ويُنظَرُ: ((القوانين الفقهية)) لابن جزي (ص 181). ، والحَنابِلةِ [202] ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (5/7)، ((الإنصاف)) للمرداوي (6/11). ، وهو قَوْلُ بعضِ السَّلَفِ [203] قالَ ابنُ قُدامةَ: (اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحْمَدَ فيمَن اسْتأجَرَ أجيرًا بطَعامِه وكِسْوتِه، أو جَعَلَ له أجْرًا، وشَرَطَ طَعامَه وكِسْوتَه، فرُوِيَ عنه جَوازُ ذلك، وهو مَذهَبُ مالِكٍ، وإسْحاقَ. ورُوِيَ عن أبي بَكْرٍ وعُمَرَ وأبي موسى رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّهم اسْتأجَروا الأُجَراءَ بطَعامِهم وكِسْوتِهم). ((المغني)) (5/364). ، واخْتارَه ابنُ تَيْمِيَّةَ [204] قالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ: (ويَصِحُّ أن يَسْتأجِرَ الدَّابَّةَ بعَلَفِها، وهو رِوايةٌ عن أحْمَدَ، وجَزَمَ به القاضي في التَّعْليقِ). ((الفتاوى الكبرى)) (5/407). ، وابنُ عُثَيْمينَ [205] قالَ ابنُ عُثَيْمينَ: (قَوْلُه: «وتَصِحُّ في الأجيرِ والظِّئْرِ بطَعامِهما وكِسْوتِهما» أي: تَصِحُّ الإجارةُ في الأجيرِ بطَعامِه وكِسْوتِه، بأن تَسْتأجِرَ شَخْصًا يَعمَلُ عنْدَك بأكْلِه وشُرْبِه وكِسْوتِه ومَنزِلِه، وعِلْمُ الأُجْرةِ هنا بالعُرْفِ، فيُحمَلُ على العُرْفِ وهو أَدْنى الكِفايةِ، فلو قالَ العامِلُ: أنا اسْتُؤجِرْتُ بالطَّعامِ وأنا أُريدَ طَعامَ المُلوكِ، أي: أَعْلى ما يكونُ مِن الطَّعامِ، فإنَّه لا يُجابُ، وإنَّما يُعْطى طَعامَ مِثلِه). ((الشرح الممتع)) (10/12). .
وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّ العادةَ جارِيةٌ به مِن غَيْرِ نَكيرٍ، فكانَ كالإجْماعِ [206] ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (5/7). .
ثانِيًا: لأنَّه مَقيسٌ على الظِّئْرِ المَنْصوصِ عليه [207] ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (5/7). .
ثالِثًا: لأنَّه عِوَضُ مَنْفَعةٍ، فيُقَدَّرُ بالعُرْفِ كنَفَقةِ الزَّوْجةِ [208] يُنظَرُ: ((المغني)) لابن قُدامةَ (5/365). .

انظر أيضا: