الموسوعة الفقهية

المَبحَثُ الأوَّلُ: هل يُرَدُّ بَدَلُ القَرْضِ بقيمتِه أم بمِثلِه؟


 المُقْترِضُ يَرُدُّ على المُقرِضِ بمِثلِ الَّذي اقْتَرَضَ [64] ويُعَبَّرُ عنه ببَدَلِ القَرْضِ: وهو المالُ الَّذي يَرُدُّه المُقْترِضُ إلى المُقرِضِ عِوَضًا عن القَرْضِ الَّذي أخَذَه مِنه مُماثِلًا له أو بقيمتِه. ، وله أن يَرُدَّ عَيْنَه ما لم تَتَغَيَّرْ، سَواءٌ كانَ القَرْضُ مِثْلِيًّا أو قِيميًّا [65] المِثْلِيُّ: هو كلُّ ما يوجَدُ له مِثلٌ في السُّوقِ بلا تَفاوُتٍ يُعْتَدُّ به؛ كالمَكيلِ والمَوْزونِ، والمَعْدودِ والنُّقودِ. والقِيميُّ: هو ما لا يوجَدُ له مِثلٌ في السُّوقِ أو يوجَدُ لكن معَ التَّفاوُتِ المُعتَدِّ به في القيمةِ، كالأشْياءِ الَّتي يوجَدُ تَفاوُتٌ بَيْنَ أفْرادِها بحيثُ تَتَفاوَتُ في الأثْمانِ تَفاوتًا بَعيدًا؛ كالحَيَوانِ والأراضي والأشْجارِ. يُنظر: ((الدر المختار للحصكفي وحاشية ابن عابدين)) (6/185)، ((درر الحكام شرح مجلة الأحكام)) لعلي حيدر (1/121). وبعضُ العُلَماءِ يَرى أنَّ المِثْلِيَّ هو كلُّ ما كانَ له مِثْلٌ أو مَثيلٌ مُقارِبٌ كالحَيَوانِ. يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (9/106). ، وهو مَذهَبُ المالِكِيَّةِ [66] ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني)) (2/164)، ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (3/226). ويُنظَرُ: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (5/232). ، والشَّافِعِيَّةِ [67] نَصَّ الشَّافِعيَّةُ على أنَّ الواجِبَ في رَدِّ المالِ المُتَقَوِّمِ أنَّه يُرَدُّ بمِثلِه صورةً؛ كاقْتِراضِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الإبِلَ بَكْرًا ورَدِّ بَدَلِه رَباعِيًا، وهو الجَمَلُ الَّذي أتَتْ عليه سِتُّ سِنينَ، ودَخَلَ في السَّنَةِ السَّابِعةِ. ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (5/44،49)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/120،119)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (4/232،228). ، ووَجْهٌ للحَنابِلةِ [68] ((الكافي في فقه الإمام أحمد)) لابن قُدامةَ (2/71). .
الأَدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِن السُّنَّةِ
1- عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ عن أبي رافِعٍ: ((أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اسْتَسْلَفَ مِن رَجُلٍ بَكْرًا، فقَدِمَتْ عليه إبِلٌ مِن إبِلِ الصَّدَقةِ، فأمَرَ أبا رافِعٍ أن يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَه، فرَجَعَ إليه أبو رافِعٍ، فقالَ: لم أجِدْ فيها إلا خِيارًا رَباعِيًا، فقالَ: أَعْطِه إيَّاه، إنَّ خِيارَ النَّاسِ أَحسَنُهم قَضاءً)) [69] أخرجه مسلم (1600). .
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اقْتَرَضَ بَكْرًا وَرَدَّ رَباعِيًا، وجَعَلَه مِثْلِيًّا معَ أنَّه حَيَوانٌ [70] ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/119)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (9/106). .
2- عن أَنَسٍ رَضِيَ الله عنه قالَ: ((أَهْدَتْ بعضُ أزْواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ طَعامًا في قَصْعةٍ، فضَرَبَتْ عائِشةُ القَصْعةَ بيَدِها، فألْقَتْ ما فيها، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: طَعامٌ بطَعامٍ، وإناءٌ بإناءٍ)) [71] أخرجه الترمذي (1359) واللَّفظُ له، والطوسي في ((مختصر الأحكام)) (1263)، وابن بشكوال في ((غوامض الأسماء المبهمة)) (2/633).      قال الترمذيُّ: حَسَنٌ صحيحٌ. وصحَّحه الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (1359). .
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضَمِنَ الإناءَ بالمِثلِ وجَعَلَه مِثْلِيًّا معَ أنَّ فيه صِناعةً [72] ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (9/106). .
ثانِيًا: أنَّ المِثلَ أَقرَبُ إلى حَقِّ المُقرِضِ [73] ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/119). .
ثالِثًا: يَجوزُ رَدُّ العَيْنِ؛ لأنَّ للمُقرِضِ طَلَبَ بَدَلِه عنْدَ فَقْدِه، فرَدُّ عَيْنِه أَولى لأنَّه أَقرَبُ مِن بَدَلِه [74] ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/120). .

انظر أيضا: