الموسوعة الفقهية

المَبحَثُ الأوَّلُ: الضَّمانُ عن الميِّتِ إذا لم يَترُكْ وفاءً لدَينِه


يَصِحُّ ضمانُ الميِّتِ إذا لم يترُكْ وَفاءً لدَينِه، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: المالِكيَّةِ [297] ((مواهب الجليل)) للحَطَّاب (5/ 98)، ((الشرح الكبير)) للدَّرْدير (3/ 331). ، والشَّافِعيَّةِ [298] ((فتح العزيز بشرح الوجيز)) للرافعي (10/ 355(، ((روضة الطالبين)) للنَّوَوي (4/ 240(. ، والحَنابِلةِ [299] ((المبدع في شرح المقنع)) لبرهان الدين ابن مُفلِح (4/ 238)، ((الإنصاف)) للمَرْداوي (5/ 197). ، وهو قَولُ أبي يوسُفَ ومحمَّدِ بنِ الحَسَنِ من الحَنَفيَّةِ [300] ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (20/94)، ((تبيين الحقائق)) للزَّيْلَعي (4/ 159). ، والظَّاهِريَّةِ [301] ((المحلى بالآثار)) لابن حزم (6/ 396 - 398). .
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: من السُّنَّةِ
عن سَلمةَ بنِ الأكوَعِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كُنَّا جُلوسًا عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، إذ أُتِيَ بجَنازةٍ، فقالوا: صَلِّ عليها، فقال: هل عليه دَينٌ؟ قالوا: لا، قال: فهل تَرَك شيئًا؟ قالوا: لا، فصلَّى عليه، ثمَّ أُتِيَ بجَنازةٍ أُخرى، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، صَلِّ عليها، قال: هل عليه دَينٌ؟ قيل: نعم، قال: فهل تَرَك شَيئًا؟ قالوا: ثلاثةَ دنانيرَ، فصلَّى عليها، ثمَّ أُتِيَ بالثَّالثةِ، فقالوا: صلِّ عليها، قال: هل تَرَك شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دَينٌ؟ قالوا: ثلاثةُ دنانيرَ، قال: صَلُّوا على صاحِبِكم، قال أبو قتادةَ صَلِّ عليه يا رسولَ اللهِ، وعَلَيَّ دَينُه، فصلَّى عليه)) [302] أخرجه البخاري (2289). .
وَجهُ الدَّلالةِ:
في الحديثِ دلالةٌ على أنَّ دَينَ الميِّتِ لا يَسقُطُ بإعسارِه، وأنَّه يجوزُ ضَمانُ دَينِه مع إعسارِه [303] يُنظَر: ((الحاوي الكبير)) للماوَرْدي (6/ 454). .
ثانيًا: لأنَّ كُلَّ مَن صَحَّ ضمانُ دَينِه إذا كان حَيًّا صَحَّ ضمانُ دينِه إذا كان مَيِّتًا، كالموسِرِ [304] يُنظَر: ((الحاوي الكبير)) للماوَرْدي (6/ 455(. .
ثالثًا: لأنَّ الحَقَّ لا يَخرُجُ من أن يكونَ مطلوبًا في نفسِه، كما لو أفلَسَ في حالِ الحياةِ [305] يُنظَر: ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (20/94). .
رابعًا: قياسًا على العبدِ إذا أقَرَّ على نفسِه بدَينٍ ثمَّ كَفَل عنه كَفيلٌ به، صَحَّ، وإن كان هو لا يُطالِبُه في حالِ رِقِّه؛ لأنَّ الحَقَّ مطلوبٌ في نفسِه [306] يُنظَر: ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (20/94). .
خامسًا: لأنَّ ذِمَّتَه باقيةٌ بعدَ الموتِ حُكمًا؛ لأنَّها كرامةٌ اختَصَّ بها الآدَميُّ، وبموتِه لا يَخرُجُ من أن يكونَ محتَرَمًا مُستَحِقًّا لكراماتِ بني آدَمَ [307] يُنظَر: ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (20/94). .

انظر أيضا: