الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الثَّاني: الضَّمانُ بالمالِ


الضَّمانُ بالمالِ جائزٌ [24] كأن يكونَ شخصٌ مَدينًا لآخَرَ بمبلغٍ ماليٍّ، فيُمسِكَه صاحِبُ الدَّينِ ويُطالِبَه، فيأتيَ شَخصٌ آخَرُ ويقولَ: أنا أضمَنُ دَينَه. يُنظَر: ((الشرح الممتع)) لابن عُثَيمين (9/182). فحُكمُ هذا الضَّمانِ في حَقِّ المضمونِ عنه جائزٌ، أمَّا في حقِّ الضَّامِنِ فهو مُستحَبٌّ؛ لأنَّه من الإحسانِ. قال ابنُ عُثَيمين: (أمَّا حُكمُ الضَّمانِ فنَقولُ: في حقِّ المضمونِ عنه جائِزٌ؛ لأنَّه لو جاء شخصٌ وقال لآخَرَ: اضمَنِّي، جاز، كما يجوزُ أن يقولَ: أقرِضْني. أمَّا في حَقِّ الضَّامِنِ فهو سُنَّةٌ مُستحَبَّةٌ؛ لأنَّه من الإحسانِ، واللهُ يحِبُّ المحسِنين، ولكِنَّه سُنَّةٌ بقيدٍ، وهو قُدرةُ الضَّامِنِ على الوفاءِ، فإنْ لم يكُنْ قادِرًا فلا ينبغي أن تأخُذَه العاطفةُ في مساعدةِ أخيه لمضَرَّةٍ نفسِه). ((الشرح الممتع)) (9/183). .
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: من الكِتابِ
قولُه تعالى: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف: 72] .
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الزَّعيمَ: هو الكَفيلُ، ومنه قيل لرَئيسِ القومِ: زعيمٌ؛ لأنَّه هو المتكَفِّلُ بأمورِهم [25] يُنظَر: ((معالم السنن)) للخطَّابي (3/ 177). ، وما ثبت في شريعةِ مَن قَبْلَنا فهو ثابِتٌ في شريعتِنا ما لم يظهَرْ نَسخُه، والظَّاهرُ هنا التَّقريرُ؛ فإنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بُعِث والنَّاسُ يَكفُلون، فأقَرَّهم على ذلك [26] يُنظَر: ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (19/ 161). .
ثانيًا: من السُّنَّةِ
1- عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((العارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ، والمِنحةُ مردودةٌ، والدَّينُ مَقضيٌّ، والزَّعيمُ غارِمٌ)) [27] أخرجه أبو داود (3565)، والتِّرْمِذي (2120) واللَّفظُ لهما، وابن ماجه (2405، 2398) مفرَّقًا باختلافٍ يسيرٍ. صحَّحه التِّرْمِذي، والقرطبي المفسِّر في ((التفسير)) (6/426)، وابن المُلَقِّن في ((شرح البخاري)) (16/434)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (3565)، وصحَّحه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (3565). .
وَجهُ الدَّلالةِ:
قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((والزَّعيمُ غارِمٌ))، أي: الكفيلُ غارِمٌ، أي: أنَّه ضامِنٌ، ومَن ضَمِن دَينًا لزِمَه أداؤُه [28] يُنظَر:))مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) للمُلَّا علي القاري (5/ 1978). .
2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه ذكَر رجُلًا من بني إسرائيلَ سأل بعضَ بني إسرائيلَ أن يُسلِفَه ألفَ دينارٍ، فقال: ائتِني بالشُّهَداءِ أُشهِدُهم، فقال: كفى باللهِ شهيدًا، قال: فأْتِني بالكَفيلِ، قال: كفى باللهِ كَفيلًا، قال: صدَقْتَ... [29] أخرجه البخاري معلَّقًا بصيغة الجزم (2091) واللَّفظُ له، وأخرجه موصولًا في حديث (2063) دونَ ذِكرِ لَفظِه. .
وَجهُ الدَّلالةِ:
في الحديثِ ذِكْرُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للكَفالةِ وإقرارُه لها، وإنَّما ذَكَر ذلك ليُتأسَّى به فيه، وإلَّا لم يكُنْ لذِكْرِه فائدةٌ [30] يُنظَر: ((فتح الباري)) لابن حجر (4/ 472). .
ثالثًا: من الإجماعِ
نَقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ المُنذِرِ [31] قال ابنُ المُنذِرِ: (أجمعوا على أنَّ الرَّجُلَ إذا ضَمِن عن الرَّجُلِ لرَجُلٍ مالًا معلومًا بأمرِه، فإنَّ الضَّمانَ لازمٌ له، وله أن يأخُذَ ممَّن ضَمِن عنه). ((الإجماع)) (ص: 141). ، وابنُ رُشدٍ [32] قال ابنُ رُشدٍ: (أمَّا الحَمالةُ بالمالِ فثابتةٌ بالسُّنَّةِ، ومُجمَعٌ عليها من الصَّدرِ الأوَّلِ). ((بداية المجتهد)) (4/ 9). ، وابنُ قُدامةَ [33] قال ابنُ قُدامةَ: (وأجمَع المسلمون على جوازِ الضَّمانِ في الجُملةِ). ((المغني)) (4/ 400). .
رابعًا: لأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى الاستيثاقِ بضَمانِ المالِ [34] يُنظَر: ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مُفلِح (4/ 245). .

انظر أيضا: