الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الثَّالثُ: إذا مات المودَعُ ولم يُعَرِّفْ بالوَديعةِ 


إذا مات المودَعُ ولم يُعَرِّفْ بالوَديعةِ أو لم يوصِ بها، تصيرُ دَينًا واجِبَ الأداءِ مِن تَرِكتِه كباقي الدُّيونِ، وذلك باتِّفاقِ المذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ إجمالًا [311] المذاهِبُ لهم بعضُ التَّفاصيلِ في المسألةِ. : الحنفيَّةِ [312] ((البحر الرائق)) لابن نجيم (7/275). وينظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (6/213). ، والمالِكيَّةِ [313] اشتَرَط المالكيَّةُ ألَّا تتقادَمَ، كعَشرِ سِنين من يومِ الإيداعِ؛ إذ لا ضمانَ عليه حينَئذٍ؛ لأنَّه يُحمَلُ على أنَّه رَدَّها لرَبِّها، إلَّا أن تكونَ الوديعةُ ثابتةً بإشهادٍ قُصِد به التَّوثيقُ، فلا يسقُطُ الضَّمانُ بطُولِ الزَّمانِ، فإن أوصى بها ثمَّ لم توجَدْ، فإنَّه لا يضمَنُها، كما لو تَلِفَت بلا تعَدٍّ ولا تفريطٍ. ينظر: ((التاج والإكليل)) للمواق (5/258)، ((منح الجليل)) لعليش (7/23، 24). ، والشَّافِعيَّةِ [314] عند الشَّافعيَّةِ: من كانت عنده وديعةٌ، وهو في حالِ الصِّحَّةِ، ثمَّ مات فجأةً، ولم يتمَكَّنْ من الإيصاءِ، فلا ضمانَ؛ لأنَّه لا يُنسَبُ إلى التَّقصيرِ وإن كانت الوصيَّةُ من الدَّينِ، ولكِنَّ ترْكَها من بابِ تَركِ الأَولى، ولا يُوجِبُ الضَّمانَ. وإذا مَرِض المودَعُ مرضًا مَخوفًا، أو حُبِسَ ليُقتَلَ، وتمكَّن من الإيصاءِ، ثم ترَكَه، فإنَّ ذلك مُوجِبٌ للضَّمانِ؛ لأنَّه بتركِه للوَصيَّةِ يكونُ تاركًا للدَّلالةِ على الوديعةِ. ينظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (6/329) ((الغرر البهية)) لزكريا الأنصاري (4/47)، ((حاشية قليوبي)) (3/184). ، والحنابِلةِ [315] عندَ الحنابلةِ: إذا مات إنسانٌ، وثبت أنَّ عندَه وديعةً ونحوَها من الأماناتِ، ولم توجَدْ تلك الوديعةُ ونحوُها بعينِها في تَرِكتِه، فهي دينٌ عليه تَغرَمُها الوَرَثةُ من تَرِكتِه؛ فإن كان عليه دَينٌ سِواها فهما سواءٌ. ينظر: ((كشاف القناع)) للبهوتي (4/178)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (4/163). ، وهو قولُ طائِفةٍ مِن السَّلفِ [316] قال ابنُ قُدامةَ: (وجُملتُه أنَّ الرَّجُلَ إذا مات وثبت أنَّ عِندَه وديعةً لم توجَدْ بعَينِها، فهي دَينٌ عليه، يَغرَمُ مِن تركتِه، فإن كان عليه دَينٌ سِواها فهي والدَّينُ سَواءٌ، فإن وَفَت تركتُه بهما وإلَّا اقتَسَماها بالحِصَصِ. وبهذا قال الشَّعبيُّ، والنَّخَعيُّ، وداودُ بنُ أبي هندٍ، ومالِكٌ، والشَّافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، وإسحاقُ. ورُوِي ذلك عن شُرَيحٍ، ومسروقٍ، وعطاءٍ، وطاوسٍ، والزُّهريِّ، وأبي جَعفَرٍ محمَّدِ بنِ عَليٍّ) ((المغني)) (6/445). .
وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّه لمَّا مات مُجَهِّلًا للوَديعةِ فقد أتلَفها معنًى لخُروجِها مِن أن تكونَ مُنتفَعًا بها في حقِّ المالِكِ بالتَّجهيلِ، وهو تفسيرُ الإتلافِ [317] يُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (6/213). .
ثانيًا: لأنَّه لم يتحقَّقْ براءةُ المودَعِ منها، فتصيرُ دَينًا كبقيَّةِ الدُّيونِ [318] ينظر: ((كشاف القناع)) للبهوتي (4/178). .

انظر أيضا: