موسوعة التفسير

سُورة الأنفالِ
الآيات (27-29)

ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ

غريب الكلمات:


فُرْقَانًا: أي: فَصلًا وفَرْقًا بَينَ الحَقِّ والباطِلِ، وأصلُه مِن الفَرْقِ، وهو الانفصالُ، والتَّمييزُ بين شَيئينِ [369] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 178)، ((تفسير ابن جرير)) (11/127)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/493-494)، ((المفردات)) للراغب (ص: 632-633)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 42، 128، 238)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 75). .
وَيُكَفِّرْ: أي: يَمحُ ويَستُرْ، ، وأصلُ (كفر) يدلُّ على السَّترِ والتَّغطيةِ [370] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (23/109)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/191)، ((المفردات)) للراغب (ص: 714). .

المعنى الإجمالي:


نهَى اللهُ عبادَه المُؤمنينَ عَن خِيانةِ اللهِ ورَسولِه، وعن خيانةِ كُلِّ ما اؤتُمِنوا عليه، وهم يَعلمونَ بكَونِها أمانةً يجِبُ الوفاءُ بها.
ثمَّ أمَرَهم أن يَعلَموا أنَّ أموالَهم وأولادَهم ابتلاءٌ واختبارٌ مِن اللهِ تعالى لهم؛ لِينظُرَ هل يؤدُّونَ حقَّ اللهِ تعالى فيها، أم سوفَ تَحمِلُهم محبَّتُها على تقديمِ هَوى أنفُسِهم، وأمَرهم أن يَعلَموا أنَّ اللهَ عِندَه ثوابٌ عَظيمٌ لِمَن امتثَلَ أمْرَه.
وبيَّن لِعبادِه المؤمنينَ أنَّهم إن يتَّقوه بامتثالِ أمْرِه واجتنابِ نَهْيِه، فسيجعَلُ لهم علمًا، يُفَرِّقُون به بينَ الحقِّ والباطلِ، ومَخرجًا مِن كُروبِ الدُّنيا ونجاةً، ونصرًا وتأييدًا، وسيمحو عنهم ما تقدَّمَ مِن ذُنوبِهم، ويستُرُها، ويتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، واللهُ ذو الفَضلِ العَظيمِ.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ختَمَ الله تعالى الآيةَ السَّابِقةَ بما هو في غايةِ النَّصيحةِ مِنه تعالى لهم؛ من الإيواءِ والنَّصرِ، والرِّزقِ الطَّيِّبِ المُشارِ به إلى الامتنانِ بإحلالِ المَغنَمِ، وختم ذلك بالحَثِّ على الشُّكرِ؛ نهى عن تضييعِ الشُّكرِ في ذلك بالخيانةِ في أوامِرِه بالغُلولِ أو غَيرِه [371] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/261). .
وأيضًا بعدَ أنْ أمَرَ اللهُ تعالى المُؤمنينَ بالطَّاعةِ والاستجابةِ للَّه ولِرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ حَذَّرَهم من أن يُظهِروا الطَّاعةَ والاستجابةَ في ظاهِرِ أمْرِهم، ويُبطِنوا المَعصيةَ والخِلافَ في باطِنِه، فقال تعالى [372] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/321). :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ.
أي: يا أيُّها المُؤمِنون لا تَنْقُصُوا [373] قال ابن عاشور: (الخَونُ والخيانةُ: إبطالُ ونَقضُ ما وقع عليه تعاقُدٌ مِن دونِ إعلانٍ بذلك النَّقضِ، قال تعالى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنفال: 58 والخيانةُ ضِدُّ الوفاءِ. قال الزمخشري: «وأصلُ معنى الخَونِ: النَّقصُ، كما أنَّ أصلَ الوَفاءِ التَّمامُ، ثم استُعمِلَ الخَونُ في ضِدِّ الوفاءِ؛ لأنَّك إذا خُنتَ الرَّجُلَ في شيءٍ فقد أدخَلْتَ عليه النُّقصانَ فيه» أي: واستُعمِلَ الوَفاءُ في الإتمامِ بالعَهدِ؛ لأنَّ مَن أنجَزَ بما عاهد عليه فقد أتمَّ عَهدَه، فلذلك يقال: أوفى بما عاهَدَ عليه، فالإيمانُ والطَّاعة لله ورَسولِه عَهدٌ بين المؤمِنِ وبين اللهِ ورَسولِه، فكما حُذِّروا من المعصيةِ العَلَنيَّةِ، حُذِّرُوا من المعصيةِ الخَفيَّةِ، وتشمَلُ الخيانةُ كُلَّ مَعصيةٍ خَفيَّةٍ، فهي داخلةٌ في (لا تخونوا)؛ لأنَّ الفِعلَ في سياقِ النَّهيِ يَعُمُّ، فكلُّ مَعصيةٍ خَفيَّةٍ، فهي مرادٌ من هذا النَّهيِ). ((تفسير ابن عاشور)) (9/322). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/126). ما ينبغي عليكم حِفظُه وأداؤُه تامًّا مِن حُقوقِ اللهِ تعالى عليكم، وذلك بِتَركِ فرائِضِه، وانتهاكِ حُرُماتِه، ولا تنقُصُوا حقوقَ رَسولِه بِتَركِ طاعَتِه واتِّباعِه [374] قال ابنُ عاشور: (روى جُمهورُ المُفَسِّرينَ وأهلُ السِّيَرِ... أنَّها نزلَت في أبي لُبابةَ بنِ عبدِ المُنذِر الأنصاريِّ، لَمَّا حاصرَ المُسلمونَ بني قُريظةَ... وهذا الخبَرُ لم يثبُتْ في الصَّحيحِ، ولكنَّه اشتَهَر بين أهلِ السِّيَرِ والمُفَسِّرينَ). ((تفسير ابن عاشور)) (9/321). قال ابنُ جريرٍ: (أولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللهَ نهى المؤمنينَ عَن خِيانَتِه وخيانةِ رَسولِه وخيانةِ أمانَتِه، وجائِزٌ أن تكونَ نَزَلت في أبي لُبابة، وجائِزٌ أن تكون نزَلَت في غَيرِه، ولا خبَرَ عندنا بأيِّ ذلك كان، يجِبُ التَّسليمُ له بصِحَّتِه). ((تفسير ابن جرير)) (11/122-123). وقال ابنُ كثيرٍ: (الصَّحيحُ أنَّ الآيةَ عامَّةٌ، وإن صحَّ أنَّها وردت على سببٍ خاصٍّ؛ فالأخذُ بِعُمومِ اللَّفظِ لا بخُصوصِ السَّببِ عند الجماهيرِ مِن العُلَماءِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/41). ، ولكِنْ أطيعُوا الله ورسولَه بامتثالِ الأمرِ، واجتنابِ النهيِ، دونَ تقصيرٍ في ذلك [375] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/120، 122، 123، 126)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 436)، ((تفسير ابن عطية)) (2/517)، ((تفسير ابن كثير)) (4/41)، ((تفسير السعدي)) (ص: 319)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/566-567). .
عن عليِّ بن أبي طالبٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ((بَعثَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبا مَرثَدٍ الغنَويَّ والزُّبيرَ بنَ العوَّامِ، وكلُّنا فارِسٌ، قال: انطلِقوا حتى تأتُوا روضةَ خاخٍ؛ فإنَّ بها امرأةً مِن المُشرِكينَ، معها كتابٌ مِن حاطبِ ابنِ أبي بلتَعةَ إلى المُشرِكينَ، فأدرَكْناها تسيرُ على بَعيرٍ لها، حيثُ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْنا: الكتابَ، فقالتْ: ما مَعَنا كتابٌ، فأنَخْناها، فالتَمَسْنا فلم نَرَ كِتابًا، فقُلْنا: ما كذَبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لتُخرِجِنَّ الكتابَ أو لنُجَرِّدنَّكِ، فلما رأتِ الجِدَّ أهوتْ إلى حُجْزَتِها [376] حُجْزَتِها: أي: مَعْقِد الإزار. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (6/256). ، وهي مُحتَجِزةٌ بكِساءٍ، فأخرَجَتْه، فانطلَقْنا بها إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال عمرُ: يا رسولَ اللهِ، قد خان اللهَ ورسولَه والمؤمنينَ، فدعْني فلْأَضرِبْ عُنقَه. فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما حمَلَك على ما صنعْتَ؟ قال حاطِبٌ: واللهِ ما بي ألَّا أكونَ مُؤمِنًا باللهِ ورسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أردتُ أن يكونَ لي عند القومِ يدٌ، يدفَعُ اللهُ بها عن أهلي ومالي، وليسَ أحدٌ مِن أصحابِك إلَّا له هناك مِن عَشيرَتِه مَن يَدفَعُ اللهُ به عن أهلِه ومالِه. فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: صدَقَ، ولا تقولوا له إلَّا خَيرًا. فقال عمرُ: إنَّه قد خان اللهَ ورسولَه والمؤمنينَ، فدعْني فلْأضرِبْ عُنقَه. فقال: أليسَ مِن أهلِ بَدْرٍ؟ فقال: لعلَّ اللهَ اطَّلَعَ إلى أهلِ بدرٍ، فقال: اعمَلُوا ما شئتُم؛ فقد وجَبَتْ لكم الجنَّةُ، أو فقد غَفَرْتُ لكم. فدمَعَت عينَا عُمرَ، وقال: اللهُ ورسولُه أعلمُ )) [377] رواه البخاري (3983)، ومسلم (2494). .
وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ.
أي: ولا تخونوا ما اؤتُمِنتُم عليه [378] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/126)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 436)، ((تفسير الزمخشري)) (2/213)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/203)، ((تفسير أبي حيان)) (5/307)، ((تفسير القاسمي)) (5/279)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/534-535)، ((تفسير السعدي)) (ص: 319)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/322)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/566-567). قال القرطبي: (الأماناتُ: الأعمالُ التي ائتَمَن اللهُ عليها العبادَ، وسُمِّيَت أمانةً؛ لأنَّها يُؤمَنُ معها مِن مَنْعِ الحقِّ، مأخوذٌ مِن الأمْنِ). ((تفسير القرطبي)) (7/395). .
قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72].
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: 58].
وقال سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون: 8].
وقال تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [البقرة: 283].
وعن حذيفة رضي الله عنه، قال: ((حدَّثَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حديثَينِ، رأيتُ أحدَهما، وأنا أنتظِرُ الآخَرَ: حدَّثَنا: أنَّ الأمانةَ نزَلَتْ في جَذرِ [379] الجَذرُ: الأصلُ مِن كلِّ شَيء. يُنظر: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) للقاضي عياض (1/448). قلوبِ الرجالِ، ثم علِموا منَ القرآنِ، ثم علِموا منَ السُّنَّةِ. وحدَّثَنا عن رفعِها قال: ينامُ الرجلُ النومةَ فتُقبَضُ الأمانةُ من قلبِه، فيظَلُّ أثرُها مثلَ أثرِ الوَكتِ [380] الوَكت: الأثرُ اليسيرُ، وقيل: هو سوادٌ يسيرٌ، وقيل: هو لونٌ يحدثُ مخالفٌ للونِ الذي كان قبلَه. يُنظر: ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض (2/285)، ((شرح النووي على مسلم)) (2/168). ، ثم ينامُ النومةَ فتُقبَضُ فيَبقى فيها أثرُها مثلَ أثرِ المَجْلِ [381] المَجْلُ: هو التنَفُّطُ الذي يصيرُ في اليَدِ مِن العمَلِ بفأسٍ أو نحوِها، ويصيرُ كالقبَّة فيه ماءٌ قليلٌ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (2/169). ، كجمرٍ دحرَجتَه على رِجلِك فنفِط [382] نَفِطَ، أي: ظهَرَ برِجْلِه نفطةٌ، أي: بَثرةٌ مُجَوَّفةٌ. يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (5/348). ، فتَراه مُنتَبِرًا [383] مُنتَبِرًا: أي: مُرتَفِعًا. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (2/169). ، وليس فيه شيءٌ، ويُصبِحُ الناسُ يتَبايَعونَ، فلا يَكادُ أحدٌ يؤدِّي الأمانةَ، فيُقالُ: إنَّ في بني فلانٍ رجلًا أمينًا، ويُقالُ للرجلِ: ما أعقَلَه! وما أظرَفَه! وما أجلَدَه! وما في قلبِه مِثقالُ حبةِ خَردَلٍ من إيمانٍ، ولقد أتى عليَّ زمانٌ، ولا أُبالي أيُّكم بايَعتُ، لئن كان مسلمًا ردَّه عليَّ الإسلامُ، وإن كان نصرانيًّا ردَّه عليَّ ساعيه، وأما اليومَ: فما كنتُ أُبايِعُ إلا فلانًا وفلانًا )) [384] رواه البخاري (7086) واللفظ له، ومسلم (143). .
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مِن علاماتِ المنافقِ ثلاثةٌ: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخْلَف، وإذا ائتُمنَ خانَ )) [385] رواه البخاري (33)، ومسلم (59) واللفظ له. .
وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ.
أي: والحالُ أنَّكم تعلمونَ عِلمًا لا لَبْسَ فيه أنَّها أماناتٌ يجِبُ الوفاءُ بها، وعَدَمُ تَعمُّدِ التَّفريطِ فيها، وتعلمونَ مَفاسِدَ خِيانَتِها، وقُبْحَ ذلك [386] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/126)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 436)، ((تفسير الرازي)) (15/475)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/535)، ((تفسير السعدي)) (ص: 319). .
وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا كان الدَّاعي إلى الإقدامِ على الخِيانةِ هو حُبَّ الأموالِ والأولادِ؛ نبَّهَ تعالى على أنَّه يجِبُ على العاقِلِ أن يَحتَرِزَ عن المضارِّ المُتولِّدةِ من ذلك الحُبِّ، فقال تعالى [387] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/475). :
وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ.
أي: واعلَمُوا- أيُّها المُؤمِنونَ- أنَّ أموالَكم التي رزَقَكم اللهُ تعالى إيَّاها، وأولادَكم الذين وهَبَهم اللهُ لكم- اختبارٌ يَبتليكم اللَّهُ به؛ لِينظُرَ هل تؤدُّونَ حَقَّ اللهِ عليكم فيها: بامتثالِ أمْرِه واجتنابِ نَهْيِه فيها، وهل تَشْكُرونَه عليها، أم تَحمِلُكم محبَّةُ ذلك على تقديمِ هَوى أنفُسِكم على أداءِ ما ائتَمَنكم عليه، وتَشتغِلون بها عنه سبحانَه [388] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/126)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/454)، ((تفسير ابن كثير)) (4/42)، ((تفسير السعدي)) (ص: 319)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/567). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التغابن: 14-16].
وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
أي: واعلَموا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عِندَه ثوابٌ عظيمٌ، وهو خيرٌ لكم من الأموالِ والأولادِ؛ فآثِرُوا فَضْلَه العظيمَ الباقيَ، على لذَّةٍ صَغيرةٍ فانيةٍ مُضمحِلَّةٍ [389] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/126)، ((تفسير ابن كثير)) (4/42)، ((تفسير السعدي)) (ص: 319)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/567-568). .
يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه تعالى لَمَّا حذَّرَ عن الفِتنةِ بالأموالِ والأولادِ؛ رغَّبَ في التَّقوى التي تُوجِبُ تَركَ المَيلِ والهَوى في محبَّةِ الأموالِ والأولادِ [390] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/476)، ((تفسير الشربيني)) (1/566). ، فقال:
يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً.
أي: يا أيُّها المؤمنونَ، إن تتَّقوا اللهَ بامتثالِ أوامِرِه، واجتنابِ نَواهِيه، وترْكِ خيانَتِه، وخيانةِ رَسولِه، وخيانةِ أماناتِكم؛ يجعَلْ لكم علمًا، تُفَرِّقُون به بينَ الحقِّ والباطلِ، ومَخرجًا لكم مِن كُروبِ الدُّنيا ونجاةً، ونصرًا وتأييدًا [391] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/127)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/454)، ((تفسير ابن كثير)) (4/42-43)، ((تفسير السعدي)) (ص: 319)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/568-569). قال الشنقيطيُّ في تفسيرِ قولِه: فُرْقَانًا : (معناه: يجعلْ لكم مخرجًا، وقال بعضُ العلماءِ: فُرْقَانًا: نصرًا وتأييدًا؛ وقال بعضُ العلماءِ: فرقانًا: فَتْحًا. وقال بعضُ العلماءِ: يجعلِ الله لكم بسببِ تقوَى الله فُرْقَانًا، أي: علمًا تُفَرِّقُون به بينَ الحقِّ والباطلِ، والحسنِ والقبيحِ. والأقوالُ متقاربةٌ). ((العذب النمير)) (4/568) بتصرف، ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/128). .
قال الله سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق: 2].
وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ.
أي: ويمحُ عَنكم ما تقَدَّمَ مِن ذُنوبِكم [392] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/127)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/454)، ((تفسير ابن كثير)) (4/43). .
وَيَغْفِرْ لَكُمْ .
أي: ويستُرْ ذُنوبَكم عن النَّاسِ، ويتجاوَزْ عن مؤاخَذتِكم بها [393] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/127)، ((تفسير ابن كثير)) (4/43). .
وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
أي: واللهُ- الذي يمنَحُكم كلَّ هذه الهِباتِ والمَكرُماتِ- صاحِبُ الأجرِ العَظيمِ، والثَّوابِ الجزيلِ لِمَن اتَّقاه، وله- وحدَه- الفَضلُ العظيمُ عليكم، وعلى غَيرِكم مِن خَلْقِه، فاكتفوا بطلبِه منه دونَ غيرِه [394] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/127- 128)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/454)، ((تفسير ابن كثير)) (4/43)، ((تفسير السعدي)) (ص: 319). .

الفوائد التربوية:


1- قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ خِطابٌ لجميعِ المؤمنينَ إلى يومِ القيامةِ، وهو يجمعُ أنواعَ الخياناتِ كلِّها؛ قليلَها وكثيرَها [395] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/517). .
2- سعاداتُ الآخرةِ خَيرٌ مِن سعاداتِ الدُّنيا؛ فهي أعظَمُ في الشَّرفِ، وأعظَمُ في الفَوزِ، وأعظَمُ في المدَّةِ؛ لأنَّها تبقَى بقاءً لا نهايةَ له؛ يُبَيِّن ذلك قولُ الله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ بعد أنْ ذَكرَ الأموالَ والأولادَ [397] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/476). .
3- امتثالُ العبدِ لِتقوى ربِّه، عُنوانُ السَّعادةِ، وعلامةُ الفلاحِ؛ فقد رتَّب اللهُ على التَّقوى مِن خيرِ الدُّنيا والآخرةِ شَيئًا كثيرًا؛ يُبيِّنُ ذلك قولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [398] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 319). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُ اللهِ تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فيه أنَّ ما خَفِيَ حُكمُه، فالجَهلُ له عُذرٌ؛ إذا لم يكُن ممَّا عُلِمَ مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ، أو ممَّا يُعلم ببداهةِ العَقلِ، أو استفتاءِ القَلبِ [399] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/535). .
2- قولُ اللهِ تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ جُعِلَ نَفسُ الأموالِ والأولادِ فتنةً؛ لكثرةِ حُدوثِ فِتنةِ المَرءِ مِن جرَّاءِ أحوالِهما، مبالغةً في التَّحذيرِ مِن تلك الأحوالِ وما ينشَأُ عنها، فكأنَّ وُجودَ الأموالِ والأولادِ نفسُ الفِتنةِ [400] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/325). .
3- قولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا فيه بيانُ ارتباطِ الخيرِ والشَّرِّ بالعَملِ؛ فقد رتَّبَ اللهُ سُبحانَه حُصولَ الخَيراتِ في الدُّنيا والآخرةِ، وحصولَ السُّرورِ في الدُّنيا والآخرةِ في كتابِه، على الأعمالِ، ترتُّبَ الجزاءِ على الشَّرطِ، والمعلولِ على العِلَّة، والمسبَّبِ على السَّبَبِ [401] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 18). .
4- قولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا تنكيرُ الفُرقانِ؛ للتَّنويعِ التَّابِعِ لأنواع التقوى: كالفَتْنِ في السِّياسةِ والرِّياسةِ، والحَلالِ والحرامِ، والعَدلِ والظُّلمِ؛ فكلُّ مُتَّقٍ للهِ في شيءٍ، يؤتيه فرقانًا فيه [402] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/539). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
- استئنافُ خِطابٍ للمُؤمنينَ يُحذِّرُهم مِن العِصيانِ الخفيِّ [403] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/321). .
- قَولُه: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ فيه عُدولٌ عن ذكرِ المَفعولِ الأصليِّ، إلى ذِكرِ المفعولِ المتَّسَعِ فيه؛ لِقَصدِ تَبشيعِ الخيانةِ بأنَّها نَقضٌ للأمانةِ؛ فإنَّ الأمانةَ وَصفٌ مَحمودٌ مَشهورٌ بالحُسنِ بين النَّاسِ، فما يكونُ نقضًا له يكونُ قَبيحًا فظيعًا؛ ولأجلِ هذا لم يَقُلْ: (وتخونُوا النَّاسَ في أماناتِهم) فهذا حذفٌ مِن الإيجازِ [404] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/323). .
- وقوله: وَتَخُونُوا عطفٌ على قَولِه: لَا تَخُونُوا فهو في حَيِّزِ النَّهيِ، والتَّقديرُ: (ولا تَخونوا أماناتِكم) وأُعيدَ فِعلُ (تَخونُوا) ولم يُكتَفَ بحَرفِ العَطفِ الصَّالِحِ للنِّيابةِ عَن العامِلِ في المعطوفِ؛ للتَّنبيهِ على نوعٍ آخَرَ مِن الخيانةِ؛ فإنَّ خيانَتَهم اللهَ ورَسولَه نقضُ الوفاءِ لهما بالطَّاعةِ والامتثالِ، وخيانةَ الأمانةِ نقضُ الوفاءِ بأداءِ ما اؤتُمِنوا عليه [405] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/324). .
- وجملة وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ في موضِعِ الحالِ مِن ضميرِ تخونوا، وهي حالٌ كاشِفةٌ، والمقصودُ منها تشديدُ النَّهيِ، أو تشنيعُ المنهِيِّ عنه؛ لأنَّ النَّهيَ عن القَبيحِ في حالِ مَعرفةِ المنهيِّ أنَّه قبيحٌ، يكونُ أشَدَّ، ولأنَّ القبيحَ في حالِ عِلم ِفاعِلِه بقُبحِه، يكونُ أشنَعَ، وليس المُرادُ تقييدَ النَّهيِ عن الخيانةِ بحالةِ العِلمِ بها؛ لأنَّ ذلك قليلُ الجدوى، فإنَّ كلَّ تكليفٍ مَشروطٌ بالعِلمِ، وكونُ الخيانةِ قَبيحةً أمرٌ مَعلومٌ [406] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/324). .
2- قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
- جيءَ في الإخبارِ عن كَونِ الأموالِ والأولادِ فِتنةً بطريقِ القَصرِ قَصرًا ادعائيًّا؛ لِقَصدِ المبالغةِ في إثباتِ أنَّهم فِتنةٌ [407] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/325). .
- وقَدَّمَ الأموالَ؛ لأنَّها مَظِنَّةُ الحَملِ على الخيانةِ في هذا المقامِ، وعُطِفَ الأولادُ على الأموالِ؛ لاستيفاءِ أقوى دواعي الخِيانةِ؛ فإنَّ غَرَض جمهورِ النَّاسِ في جَمعِ الأموالِ أن يَترُكوها لأبنائِهم مِن بَعدِهم [408] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/324-325). .
3- قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
- قولُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فيه تكريرُ الخطابِ والوَصفِ بالإيمانِ؛ لإظهارِ كمالِ العنايةِ بما بَعدَه، والإيذانِ بأنَّه مما يقتضي الإيمانُ مُراعاتَه والمُحافظةَ عليه [409] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/18). .
- وفعلُ الشَّرطِ تَتَّقُوا مرادٌ به الدَّوامُ؛ فإنَّهم كانوا مُتَّقينَ، ولكنَّهم لَمَّا حُذِّروا مِن المخالفةِ والخيانةِ، ناسبَ أن تُفرَضَ لهم الطَّاعةُ في مُقابِلِ ذلك [410] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/325). .
- واختيارُ (الفُرقان) في قَولِه: يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا هنا؛ لقَصدِ شُمولِه ما يصلُحُ لِلمقامِ مِن معانِيه، لأنَّه اللَّفظُ الذي لا يؤدِّي غيرُه مُؤدَّاه في هذا الغَرَضِ، وذلك من تمامِ الفَصاحةِ [411] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/326).   .
- وقوله: لكم يُشعِرُ أنَّ الفُرقانَ شَيءٌ نافِعٌ لهم، فالظَّاهِرُ أنَّ المُرادَ منه كلُّ ما فيه مَخرجٌ لهم ونجاةٌ مِن الْتباسِ الأحوالِ، وارتِباكِ الأمورِ، وانبِهامِ المقاصد، فيَؤُولُ إلى استقامةِ أحوالِ الحياةِ [412] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/326).   .
- قولُه: وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ تذييلٌ وتكميلٌ، وهو كنايةٌ عن حصولِ منافِعَ أخرى لهم مِن جرَّاءِ التَّقوى [413] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/327). .