موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيتان (159-160)

ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ

غريب الكلمات:


وَقَطَّعْنَاهُمُ: أي: فرَّقْناهم، وأصلُ (قطع): يدلُّ على صَرمٍ، وإبانةِ شَيءٍ مِن شيءٍ [1908] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 174)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/101)، ((الكليات)) لأبي البقاء الكفوي (ص: 740)، .
أَسْبَاطًا: أي: قبائِلَ، وأصلُ (سبط): يدلُّ على امتدادِ شَيءٍ [1909] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 394)، ((الكليات)) لأبي البقاء الكفوي (ص: 495)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/128). .
اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ: أي: طلَبُوا السُّقيا، والاستِسقاءُ: طلَبُ السَّقيِ، وأصلُ (سقي): إشرابُ الشَّيءِ الماءَ، وما أشبَهَه [1910] يُنظر: ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 88)، ((المفردات)) للراغب (ص: 416)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/84). .
فَانْبَجَسَتْ: أي: انفَجَرت، والبَجسُ: انشقاقٌ في قِربةٍ، أو حَجرٍ، أو أرضٍ يَنبُع منها ماءٌ [1911] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 173)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/199). .
عَيْنًا: العينُ هاهنا إشارةٌ إلى المكانِ الذي ينبُعُ أو يسيلُ منه الماءُ، لا إلى الماءِ بِعَينِه، وأصلُ (عين): يدلُّ على عضوٍ به يُبصَر ويُنظَر، ثم يُشتَقُّ منه، وإنَّما سُمِّيَتْ العَيْنُ الجاريَةُ النَّابِعَةُ مِنْ عُيونِ الماءِ عَيْنًا؛ تَشْبيهًا لها بالعَيْنِ النَّاظِرَةِ؛ لصَفائِها ومائِها [1912] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/6)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/199) ((المفردات)) للراغب (ص: 161، 599) .
مَشْرَبَهُمْ: أي: مَوضِعَ شُربِهم، وهو مَفعَلٌ مِن الشَّرابِ، يكونُ للمَصدَرِ والزَّمان والمكانِ [1913] يُنظر: ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 88)، ((المفردات)) للراغب (ص: 448). .
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ: أي: جَعَلْناه يُظلِّلُكم، والظِّلُّ: ما أظلَّك مِن سحابٍ ونَحوِه. وأصلُ (ظلل): يدلُّ على سَترِ شَيءٍ لشَيءٍ [1914] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/461)، ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 196) ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 535). .
الْغَمَامَ: جمعُ غمامةٍ، وهو سحابٌ أبيضُ، سُمِّي بذلك لأنَّه يغمُّ السَّماءَ، أي يستُرُها، وأصلُ الغَمِّ: سَترُ الشَّيءِ، وكُلُّ شيءٍ غطَّيتَه فقد غمَّمَتَه [1915] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 49)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/378)، ((المفردات)) للراغب (ص: 613)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 75-106)، ((الكليات)) لأبي البقاء الكفوي (ص: 671). .
المَنَّ: شيءٌ حُلوٌ كان يسقُطُ على شَجَرِهم، فيجتَنونَه فيأكلونَه، وقيل: المنُّ مصدرٌ يَعُمُّ جميعَ ما مَنَّ اللَّه به على عبادِه مِن غيرِ تَعَبٍ ولا زَرْعٍ، وأصلُ (منن): اصطِناعُ خَيْرٍ [1916] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 49)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 408)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/267)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 778)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 17)، ((تفسير القرطبي)) (1/406)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 87). .
وَالسَّلْوَى: طائِرٌ يُشبِهُ السُّمانَى، لا واحِدَ له مِن لفظِه، واشتقاقُ السَّلوى من السَّلوةِ؛ لأنَّه لطِيبِه يُسلِّي عن غَيرِه [1917] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 50)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/267)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 17)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 75). .

مشكل الإعراب:


قوله تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا
اثْنَتَيْ مَنصوبٌ، على أنَّه حالٌ مِن مفعولِ قَطَّعْنَاهُمْ، أي: فَرَّقْناهم معدودِينَ بهذا العددِ. أو يكون قَطَّعْنا متضمِّنًا معنى (صَيَّرنا)، فيَكونُ اثْنَتَيْ مَفعولًا ثَانيًا، وتمييزُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ محذوفٌ لِفَهمِ المعنى، وتقديره: اثنتَي عَشرةَ فرقةً أو أمَّةً، وأَسْبَاطًا بدلٌ مِن ذلك التَّمييزِ، وأُمَمًا: نَعتٌ لـ أَسْبَاطًا، أو بَدَلٌ مِنها بعدَ بدلٍ. ولم تُعرَبْ أَسْبَاطًا تمييزًا؛ لوَجهينِ؛ أحدُهما: أنَّ المعدودَ أَسْبَاطًا مُذكَّرٌ؛ لأنَّ أسباطًا جمعُ سِبْطٍ، فكان التَّركيبُ يكون (اثْنَيْ عَشَرَ). والثاني: أنَّ تمييزَ العَدَدِ المركَّب- وهو من أحدَ عَشَر إلى تسعةَ عشَرَ- مفردٌ منصوبٌ، وأسباطًا جَمْعٌ [1918] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن لمكي)) (1/303)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/599)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/484-487). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ الله تعالى أنَّ هناك جماعةً مِن قومِ موسى يهتدونَ بالحَقِّ الذي أنزلَه اللهُ، وبالعَدلِ يَحكمونَ، فلا يَظلمونَ النَّاسِ.
ويُخبِرُ تعالى أنَّه قسَّم قومَ مُوسى إلى اثنتي عشرةَ قبيلةً، تشمَلُ كلُّ قبيلةٍ جماعةً كثيرةً، وأوحى إلى موسى- لَمَّا طلب منه قَومُه أن يسقِيَهم، وهم في التِّيهِ- أن يَضرِبَ بعصاه الحَجَرَ، فانفجَرَت منه اثنتا عشرةَ عينًا مِن الماء، قد عَلِمَ كلُّ قبيلةٍ مِن تلك القبائِلِ العينَ التي تخصُّهم، فيشربونَ منها لا يشارِكُهم فيها غيرُهم، وظلَّلَ اللهُ عليهم السَّحابَ في التِّيهِ يقيهِم حرَّ الشَّمسِ، وأنزل عليهم المَنَّ والسَّلوى، وأمَرَهم بالأكلِ مِن طيباتِ الرِّزقِ، فخالفوا أمر الله وعصَوه سبحانه، وَمَا ظَلَمُوا الله تعالى بفعلِهم ذلك؛ لأنَّ اللهَ لا تضرُّه معصيةُ العاصينَ، وإنما ظَلَموا بذلك أنفُسَهم.

تفسير الآيتين:


وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أمر اللهُ تعالى بالإيمانِ باللهِ ورسولِه، وأمر باتِّباعِه، ذكر أنَّ مِن قَومِ موسى مَن وُفِّقَ للهدايةِ، وعَدَلَ ولم يَجُرْ، ولم تكن له هِدايةٌ إلَّا باتِّباعِ شريعةِ موسى قبل مَبعَثِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وباتِّباعِ شَريعةِ رَسولِ اللهِ بعد مَبعَثِه، فهذا إخبارٌ عمَّن كان مِن قَومِ موسى بهذه الأوصافِ [1919] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/198). .
وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
أي: ومِن أتباعِ موسى- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- مِن بني إسرائيلَ، جماعةٌ يهتدونَ بالحقِّ الذي شَرَعَه اللهُ عزَّ وجلَّ [1920] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/501)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/382)، ((تفسير البغوي)) (2/240)، ((تفسير ابن عطية)) (2/465)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/161)، ((تفسير القرطبي)) (7/302)، ((تفسير ابن كثير)) (3/491)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/222، 242، 243). وتفسير يَهْدُونَ بِالْحَقِّ بمعنى: يهتدونَ به فيستقيمونَ عليه، ويعملون به. هو اختيارُ ابنِ جريرٍ، وابنِ عطيةَ، وابنِ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/501)، ((تفسير ابن عطية)) (2/465)، ((تفسير ابن كثير)) (3/491). وقيل معناه: يرشدونَ النَّاسَ إليه. وهذا اختيارُ الزَّجاجِ، والبغويِّ، والقرطبيِّ، والسَّعدي، وابنِ عاشورٍ، والشنقيطيِّ. يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (2/382)، ((تفسير البغوي)) (2/240)، ((تفسير القرطبي)) (7/302)، ((تفسير السعدي)) (ص: 305)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/142)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/222، 242، 243). قال ابنُ عاشور: (وقَومُ مُوسى هم أتباعُ دِينِه مِن قَبلِ بَعثةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلم، فمَن بَقِيَ متمسِّكًا بدِينِ مُوسى بعد بلوغِ دَعوةِ الإسلامِ إليه، فليس مِن قَومِ موسى، ولكِن يقال: هو مِن بني إسرائيل، أو مِن اليهودِ؛ لأنَّ الإضافةَ في قومِ موسى تؤذِنُ بأنَّهم مُتَّبِعو دينِه الذي من جملةِ أصولِه ترقُّبُ مَجيءِ الرَّسولِ الأمِّيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم). ((تفسير ابن عاشور)) (9/142). .
كما قال تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: 113-114] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران: 199] .
وقال جلَّ جلاله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [البقرة: 121] .
وقال تبارك وتعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [القصص: 52-54] .
وَبِهِ يَعْدِلُونَ
أي: وبالحقِّ الذي أنزله الله تعالى يحكمونَ، وبالعَدلِ يقومونَ، فلا يظلمونَ النَّاس [1921] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/501)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/382)، ((تفسير البغوي)) (2/240)، ((تفسير القرطبي)) (7/302)، ((تفسير ابن كثير)) (3/491). قال السعدي: (وكأنَّ الإتيانَ بهذه الآيةِ الكريمةِ فيه نوعُ احترازٍ ممَّا تقَدَّم؛ فإنَّه تعالى ذكَر فيما تقدَّمَ جملةً مِن معايبِ بني إسرائيلَ، المُنافية للكمالِ، المُناقِضة للهِدايةِ، فربَّما توهَّمَ مُتوهِّمٌ أنَّ هذا يعمُّ جميعَهم، فذكر تعالى أنَّ منهم طائفةً مستقيمةً، هاديةً مَهدِيَّةً). ((تفسير السعدي)) (ص: 305). .
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا
أي: وقسَّمنا قومَ موسى- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- اثنتَي عَشرةَ قبيلةً، كلُّ قبيلةٍ عبارةٌ عن جماعةٍ كثيرةٍ [1922] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/502 - 503)، ((تفسير السعدي)) (ص: 306)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/142)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/248). قال الرازي: (والمرادُ أنَّه تعالى فرَّق بني إسرائيلَ اثنتي عشرةَ فِرقةً؛ لأنَّهم كانوا مِن اثنَي عشَر رجلًا مِن أولادِ يعقوبَ، فميَّزَهم، وفعل بهم ذلك؛ لئلًّا يتحاسَدوا، فيقَعَ فيهم الهَرج والمَرج). ((تفسير الرازي)) (15/388). .
كما قال تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ [الأعراف: 168] .
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ
أي: وقُلْنا لنبيِّنا موسى حينَ طلَب منه قَومُه أن يسقِيَهم ماءً، وهم في التِّيهِ: اضرِبْ بعصاك الحجَرَ [1923] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/504)، ((تفسير البغوي)) (2/241)، ((تفسير السعدي)) (ص: 306)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/253). قال السعدي: (يحتملُ أنَّه حجَرٌ مُعَيَّن، ويحتملُ أنَّه اسمُ جنسٍ، يشمَلُ أيَّ حجرٍ كان). ((تفسير السعدي)) (ص: 306). ويُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/254). .
كما قال تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ [البقرة: 60] .
فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا
أي: فانفجَرَت مِن الحَجَرِ الذي ضرَبَه موسى بعصاه اثنتا عشرةَ عينًا مِن الماء [1924] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/504)، ((البسيط)) للواحدي (9/406)، ((تفسير السعدي)) (ص: 306). .
كما قال تعالى: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [البقرة: 60] .
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ
أي: قد عرَف كُلُّ سِبطٍ- وهم بنو أبٍ واحدٍ- عينَهم التي تخرُجُ مِن الحَجَرِ، فيَشربونَ منها، ولا يشارِكُهم فيها غيرُهم مِن الأسباطِ [1925] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/504)، ((تفسير البغوي)) (2/241)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/256). قال السَّعدي: (أي: قد قَسَمَ على كلِّ قبيلةٍ من تلك القبائِلِ الاثنتَي عشرةَ، وجَعَلَ لكلٍّ منهم عينًا، فعَلِموها، واطمأنُّوا، واستراحوا من التَّعَبِ والمُزاحمة والمُخاصَمة، وهذا مِن تَمامِ نعمةِ اللهِ عليهم). ((تفسير السعدي)) (ص: 306). .
وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ
أي: وسَتَرْنا قومَ موسى بالسَّحابِ، يقيهِم مِن حَرِّ الشَّمسِ، وهم في التِّيهِ [1926] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/698) و (10/504)، ((تفسير البغوي)) (2/241)، ((تفسير السعدي)) (ص: 306)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/257). .
كما قال تعالى: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ [البقرة: 57] .
وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى
أي: وأنزَلْنا على قَومِ موسى، وهم في التِّيهِ، رِزقًا طيِّبًا سَهلًا، يحصُلون عليه بلا كُلفةٍ، ولا مشقَّةٍ، وهو المَنُّ: الذي قيل: إنَّه كل ما امتنَّ الله تعالى به عليهم مِن الطَّعامِ والشَّرابِ، ممَّا ليس في تحصيلِه كلفةٌ ولا مشقَّةٌ. قيل: هو التُّرَنجَبين، وهو شيءٌ أبيضُ ينزِلُ على الشَّجَرِ كالنَّدى، حُلوٌ، يُشبِه العَسلَ الأبيض، والسَّلوى: وهو طائر، قيل: هو السُّمَانَى، وقيل: يُشبِه السُّمَانَى [1927] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/704) و (10/504)، ((معاني القرآن)) للزجاج (1/138)، ((المفردات)) للراغب الأصفهاني (ص: 778)، ((تفسير الشوكاني)) (1/103)، ((تفسير السعدي)) (ص: 306)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/257). .
كما قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: 57] .
وعن سعيدِ بنِ زَيدٍ رَضيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((الكَمْأةُ مِن المَنِّ [1928] الكَمأةُ: نَباتٌ لا وَرَقَ لها ولا ساقَ، تُوجَدُ في الأرضِ مِن غَيرِ أن تُزرَعَ، وتُعرَف عندَ بعضِ الناسِ بالفقعِ. والمَنُّ: هو الذي أُنزِلَ على بني إسرائيلَ، وشَبَّهَ به الكَمأةَ؛ بجامِعِ ما بَينَهما من وجودِ كُلٍّ منهما عَفوًا بغيرِ عِلاجٍ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (10/163)، ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (6/710). ) [1929] رواه البخاري (4478) ومسلم (2049). .
كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ
أي: وقُلنا لقومِ موسى: كُلُوا مِن حَلالِ المُستلَذَّاتِ التي رزَقْناكم [1930] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/504)، ((تفسير القرطبي)) (1/408)، ((تفسير الشوكاني)) (2/291)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/258 - 259). .
وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
أي: فعَصَوني، ولم يشكُروا نِعمَتي عليهم، وما أدخَلوا علينا بذلك نقصًا في مُلكِنا، ولم يضرُّونا، ولكن كانوا يَنقُصونَ أنفُسَهم حُظوظَها مِن الخَيرِ، ويضرُّونها بتعريضِها لاستحقاقِ عِقابي [1931] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/505)، ((تفسير الرازي)) (15/388)، ((تفسير القرطبي)) (1/409)، ((تفسير السعدي)) (ص: 306)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/259). .

الفوائد التربوية:


المُكَلَّفُ إذا أقدَمَ على المعصيةِ، فهو ما أضَرَّ إلَّا نَفسَه؛ حيث سعى في صيرورةِ نَفسِه مُستحِقَّةً للعِقابِ العَظيمِ؛ يُبيِّنُ ذلك قولُ الله تعالى: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [1932] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/388، 389). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قال الله تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ فالأمَمُ العظيمةُ لا تخلو مِن أهلِ الحَقِّ والعَدلِ، فهذا مِن بَيانِ القرآنِ للحَقائِقِ، وعَدْلِه في الحُكم على الأمَمِ [1933] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/307). .
قولُ اللهِ تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا لَمَّا وصَفَهم بهذه الكثرةِ في قَولِه: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا، وكان ذلك مجرى لذِكرِ الإنعامِ عليهم بالكِفايةِ في الأكلِ والشُّربِ؛ ذكَرَ نعمةً خارقةً للعادةِ في الماءِ، وبدأ به؛ لأنَّه الأصلُ في الحياةِ [1934] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/133). .
قولُ اللهِ تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ، التعبيرُ بالقَومِ إشارةٌ إلى تبكيتِهم بكَونِهم أهلَ قُوَّةٍ، ولم يتأسَّوا بموسى عليه السَّلامُ، في الصَّبرِ إلى أن يأتيَ اللهُ- الذي أمَرَهم بهذا المسيرِ- بالفَرَجِ [1935] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/133). .
قولُ اللهِ تعالى: وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ لَمَّا أتمَّ تبريدَ الأكبادِ، أتبَعَه غذاءَ الأجسادِ [1936] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/134). .
قولُ اللهِ تعالى: وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ هنا قَولٌ مُقَدَّرٌ يكثُرُ مِثلُه في التَّنزيلِ وكلامِ العَرَبِ، أي: (وقُلْنا لهم: كُلُوا من طيِّباتِ ما رَزَقْناكم)، فوُضِعَ هذا الوصفُ للمَنِّ والسَّلوى موضِعَ الضَّميرِ؛ لتعظيمِ شأنِ المنَّةِ بهما [1937] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/311). .

بلاغة الآيتين:


قوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ فيه تَخصيصٌ لظاهِرِ العُمومِ الَّذي في قَولِه: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى... قُصِدَ به الاحتراسُ؛ لِئلَّا يُتَوهَّمَ أنَّ ذلك قد عَمِلَه قومُ موسى كلُّهم، وللتَّنبيهِ على دفْعِ هذا التوهُّمِ، قَدَّمَ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى على متعَلَّقِه. وفيه إشارةٌ إلى التَّقليلِ، وأنَّ مُعظَمَهم لا يهدي بالحَقِّ، ولا يَعدِلُ به، وهم إلى الآن كذلك؛ دخَل في الإسلامِ مِن النَّصارى عالَمٌ لا يعلَمُ عددَهم إلَّا اللهُ تعالى، وأمَّا اليَهودُ فقليلٌ مَن آمَنَ مِنهم [1938] يُنظر: ((البحر المحيط)) (5/198)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/142).  .
وتقديمُ المجرورِ في قَولِه: وَبِهِ يَعْدِلُونَ للاهتمامِ به ولرعايةِ الفاصِلةِ؛ إذ لا مُقتضيَ لإرادةِ القَصرِ، بقرينة قَولِه: يَهْدُونَ بِالْحَقِّ حيث لم يُقدِّمِ المجرورَ [1939] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/142). .
وجاء قولُه: يَهْدُونَ ويَعْدِلُونَ بصيغةِ المضارِعِ المفيدِ الاستمرارَ؛ لتصويرِ الماضي في صورة الحاضِرِ [1940] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/307).         .
قوله: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
جيءَ باسمِ العَدَدِ بصيغةِ التأنيثِ في قولِه: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا؛ لأنَّ السبطَ أُطلق هنا على الأُمَّة، فحذفَ تمييز العددِ؛ لدلالةِ قولِه: أُمَمًا عليه [1941] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/142، 143). .
وتعريفُ الحَجَر؛ لتعظيمِ جِرمِه [1942] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/309). .
قَولُه فَانْبَجَسَتْ عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكَلامُ قد حُذِفَ؛ أي: فضَرَب فانبجَسَت؛ تعويلًا على كَمالِ الظُّهورِ، وإيذانًا بغايةِ مُسارَعَتِه عليه السَّلامُ إلى الامتثالِ، وسُرعةِ التأثيرِ عن ضَربِه، وتنبيهًا على كَمالِ سرعةِ الانبجاسِ- وهو الانفجارُ، كأنَّه حصل إثرَ الأمرِ قبلَ تحقُّقِ الضَّربِ [1943] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/282)، وينظر أيضًا: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/133)، ((تفسير الشربيني)) (1/527). .
وقولُه هنا في سورةِ الأعرافِ: فَانْبَجَسَتْ، وفي سورةِ البقرةِ: فَانْفَجَرَتْ فيه مناسبةٌ حسنةٌ، فالانبجاسُ ابتداءُ الانفجارِ، والانفجارُ بعدَه غايةٌ له، فلما كان الواقعُ فى الأعرافِ طلبَ بنى إسرائيلَ مِن موسَى عليه السلامُ السُّقيا؛ قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ، ولما كان الواردُ فى سورةِ البقرةِ طلبَ موسَى عليه السلامُ مِن ربِّه، قال تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فطلبُهم ابتداءٌ، فناسَبه الابتداءُ، وطلبُ موسَى عليه السلامُ غايةٌ لطلبِهم؛ لأنَّه واقعٌ بعدَه، ومرتَّبٌ عليه، فناسب الابتداءُ الابتداءَ، والغايةُ الغايةَ، فقيل جوابًا لطلبِهم: فَانْبَجَسَتْ، وقيل إجابةً لطلبِه: فَانْفَجَرَتْ وتناسَب ذلك، وجاء على ما يجِبُ، ولم يكنْ ليناسبَ العكسُ [1944] يُنظر: ((ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل)) للغرناطي (1/40). ، وأيضًا لأنَّ الانفجارَ أبلغُ في كثرةِ الماءِ، فناسَبَ سِياقَ ذِكْرِ النِّعَمِ في سورةِ البقرةِ التعبيرُ به [1945] يُنظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/393). .
قولُ اللهِ تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ إسنادُ الرِّزقِ إلى ضميرِ جَمعِ العَظَمةِ تأكيدٌ؛ للتَّنبيه والتَّذكيرِ بما يجِبُ مِن شُكرِه تعالى على ذلك [1946] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/311). .
قَولُه: ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ تقديمُ المفعولِ أَنْفُسَهُمْ لإفادةِ القصْرِ الذي يقتضيه النفيُ السَّابقُ، وفيه ضَربٌ مِن التهكُّمِ بهم. والجمعُ بين صِيغَتي الماضي والمستقبَل؛ للدَّلالةِ على تمادِيهم فيمَا هُم فيهِ من الظُّلمِ والكُفرِ [1947] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/282-283).  .