موسوعة التفسير

سورةُ العَنكَبوتِ
الآيات (38-40)

ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ

غَريبُ الكَلِماتِ:


مُسْتَبْصِرِينَ: أي: ذَوي بصائِرَ تُمكِّنُهم مِن تمييزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، وأصلُ (بصر): يدُلُّ على عِلمٍ بالشَّيءِ [487] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/253)، ((المفردات)) للراغب (ص: 128)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 287)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 332). .
حَاصِبًا: أي: ريحًا شَديدةً تَرميهم بالحَصى، والحَصباءُ: جِنسٌ مِن الحَصى، والحَصْبُ: الرَّميُ [488] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 338)، ((البسيط)) للواحدي (13/398)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 206)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 267)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 412). .
الصَّيْحَةُ: أي: الصَّوتُ الشَّديدُ، وأصلُ (صيح): يدُلُّ على الصَّوتِ العالي [489] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/33)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/324)، ((المفردات)) للراغب (ص: 496)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 560). .
خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ: أي: غَيَّبناه فيها، يُقالُ: خسَفَ اللهُ به الأرضَ، أي: غابَ به فيها، وأصلُ (خسف): يدُلُّ على ذَهابٍ وغُؤورٍ [490] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/334)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/180)، ((البسيط)) للواحدي (13/398)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 771). .

المَعنى الإجماليُّ:


يقولُ تعالى: وأهلَكْنا عادًا وثَمودَ، وقد ظهَرَ لكم هَلاكُهم مِن آثارِ مَساكِنِهم الخاليةِ مِنهم، وحسَّنَ الشَّيطانُ لهم سُوءَ أعمالِهم، فصَرَفَهم عن طريقِ الحَقِّ، وكانوا قَومًا عُقَلاءَ بُصَراءَ يَتمكَّنونَ مِنَ النَّظَرِ والفِكرِ!
وأهلَكْنا قارونَ وفِرعَونَ وهامانَ، ولقد جاءَهم موسى بالدَّلالاتِ الواضِحةِ، فاستكبَروا عن قَبولِها، وما كانوا فائِتينَ اللهَ ولا مُفلِتينَ مِن عذابِه، فكُلًّا منهم أهلَكْنا بسبَبِ ذَنْبِه؛ فمِنهم مَن أرسَلْنا عليهم ريحًا شَديدةً ترميهم بالحَصى حتَّى هلَكوا، وهم عادٌ، ومنهم مَن أرسَلَ اللهُ عليه الصَّيحةَ الشَّديدةَ، وهم ثَمودُ، ومِنهم مَن خَسَف اللهُ به الأرضَ، وهو قارونُ، ومِنهم مَن أغرَقَه اللهُ، وهما فِرعَونُ وهامانُ، وما كان اللهُ تعالى ظالِمًا لهم بعُقوبتِهم، ولكِنْ كانوا يَظلِمونَ أنفُسَهم بشِركِهم باللهِ، وتَكذيبِهم رُسُلَه.

تَفسيرُ الآياتِ:


وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا جرَى ذِكرُ أهلِ مَدْيَنَ وقَومِ لُوطٍ؛ أُكمِلَت القِصصُ بالإشارةِ إلى عادٍ وثمودَ؛ إذ قد عُرِف في القُرآنِ اقتِرانُ هذه الأُمَمِ في نَسَقِ القَصَصِ [491] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/248). .
وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ.
أي: وأهلَكْنا [492] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/168)، ((تفسير الزمخشري)) (3/454)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/248)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 188). قال الرازي: (قال تعالَى: وَعَادًا وَثَمُودَ أي: وأهلَكْنا عادًا وثمودَ؛ لأنَّ قولَه تعالَى: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ دلَّ على الإهلاكِ). يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/56). وقيل: الفعلُ المحذوفُ تقديرُه: واذكروا. وقيل غيرُ ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/398)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/248). عادًا قَومَ هُودٍ، وثمودَ قَومَ صالحٍ، وقد ظهَرَ لكم هلاكُهم مِن آثارِ مَساكِنِهم الخاويةِ منهم [493] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/398)، ((تفسير الزمخشري)) (3/454)، ((تفسير ابن كثير)) (6/278)، ((تفسير السعدي)) (ص: 630)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/248، 249)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 188، 189). !
ثُمَّ بَيَّن سببَ ما جرَى عليهم، فقالَ [494] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/56). :
وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ.
أي: وحسَّن الشَّيطانُ لعادٍ وثمودَ أعمالَهم الشَّنيعةَ مِن الكُفرِ والتَّكذيبِ والمعاصي، فردَّهم وصرَفَهم عن طَريقِ الحَقِّ [495] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/398)، ((تفسير السمرقندي)) (2/633)، ((تفسير القرطبي)) (13/344)، ((تفسير البيضاوي)) (4/194)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/249)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 190، 191). .
وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ.
أي: صدَّهم الشَّيطانُ عن الحَقِّ، والحالُ أنَّهم كانوا عُقَلاءَ بُصَراءَ، مُتمَكِّنينَ مِنَ النَّظَرِ والفِكرِ، وقد عَرَفوا الحَقَّ مِنَ الباطِلِ بواسطةِ الرُّسُلِ والأدِلَّةِ؛ فلا عُذرَ لهم في مخالفةِ طَريقِ الحَقِّ [496] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/454)، ((تفسير الرازي)) (25/56)، ((تفسير القرطبي)) (13/344)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 26، 27)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/249)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 192-194). قال ابن جُزَي: (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ قيل: معناه: لهم بصيرةٌ في كفرِهم، وإعجابٌ به. وقيل: لهم بصيرةٌ في الإيمانِ، ولكنَّهم كفَروا عنادًا. وقيل: معنى مُسْتَبْصِرِينَ: عقلاءَ متمكِّنينَ مِن النَّظرِ والاستدلالِ، ولكنَّهم لم يفعلوا). ((تفسير ابن جزي)) (2/126). وقال ابنُ جرير: (وكانوا مُستبصرينَ في ضلالتِهم، مُعجَبينَ بها، يَحسَبون أنَّهم على هُدًى وصوابٍ، وهم على الضَّلالِ). ((تفسير ابن جرير)) (18/399). وقال الزجاج: (أتَوْا ما أَتَوْه وقدْ بَيَّن لهم أنَّ عاقبتَه عذابُهم). ((معاني القرآن وإعرابه)) (4/169). !
وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39).
وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ.
أي: وأهلَكْنا [497] يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/630)، ((تفسير السمعاني)) (4/180)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/438). وقيل: التَّقديرُ: واذكُرْ -يا محمَّدُ- قارونَ وفِرعونَ وهامانَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/398). قارونَ صاحِبَ الكُنوزِ الكثيرةِ، وأهلَكْنا فِرعَونَ مَلِكَ مِصرَ، وأهلَكْنا هامانَ [498] يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/630)، ((تفسير السمعاني)) (4/180)، ((تفسير القرطبي)) (13/344)، ((تفسير ابن كثير)) (6/278). قال ابنُ عطيةَ: (وهامانُ هو وزيرُ فرعونَ، وأكبرُ رجالِه...). ((تفسير ابن عطية)) (4/276). .
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ.
أي: ولقد جاء موسى كلًّا مِن قارونَ وفِرعَونَ وهامانَ بالمُعجِزاتِ والدَّلالاتِ الواضِحاتِ [499] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/400)، ((تفسير ابن عطية)) (4/317)، ((تفسير الخازن)) (3/380)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/250). .
فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ.
أي: فاستَكبَروا عن الحَقِّ الَّذي جاءَهم به موسى [500] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/400)، ((تفسير القرطبي)) (13/344)، ((تفسير الشوكاني)) (4/234). .
وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ.
أي: وما كان قارونُ وفِرعَونُ وهامانُ فائِتينَ اللهَ، ولا مُفلِتينَ مِن عَذابِه وحُكمِه فيهم [501] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/400)، ((تفسير القرطبي)) (13/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 631)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/250). .
فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40).
فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ.
أي: فأهلَكْنا عادًا وثمودَ وقارونَ وفِرعَونَ وهامانَ؛ كُلًّا بسَبَبِ ذَنْبِه، وعلى قَدْرِه، وبِعُقوبةٍ تُناسِبُه [502] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/400)، ((مراح لبيد)) للجاوي (2/217)، ((تفسير السعدي)) (ص: 631)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 200، 201). .
فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا.
أي: فمِنهم مَن أرسَلْنا عليه ريحًا شَديدةً تَرميهم بالحَصى حتَّى هَلَكوا، وهم عادٌ [503] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/344)، ((تفسير ابن كثير)) (6/278)، ((تفسير السعدي)) (ص: 631)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/251)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/160). وممَّن قال بأنَّ المرادَ بهم قومُ عادٍ: ابنُ كثير، وابنُ عاشور، والشنقيطيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/278)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/251)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/160). وقيل: المرادُ بهم: قومُ لوطٍ. وممَّن ذهب إلى ذلك: ابنُ جرير، والقرطبيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/400)، ((تفسير القرطبي)) (13/344). قال ابن عثيمين: (هذا فيه نظرٌ؛ لأنَّ قَومَ لوطٍ أرسَلَ الله عليهم حاصبًا مِن السَّماءِ، وهي حجارةٌ مِن سِجِّيلٍ تحصِبُهم، كالَّتي أُرسِلَت على أصحابِ الفيلِ، وليست هي الحَصباءَ الَّتي تَذريها الرِّياحُ، وليس في عِلْمِنا أنَّ الله تعالى أرسل الرياحَ على قَومِ لوطٍ، ولو كانت رياحًا تحمِلُ الحَصباءَ لَبَيَّنَها الله عزَّ وجَلَّ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 201). وقال ابن جُزَي: (الحاصِبُ: الحِجارةُ، والحاصِبُ أيضًا: الرِّيحُ الشَّديدةُ، ويحتَمِلُ عندي أنَّه أراد به المعنيَينِ؛ لأنَّ قَومَ سيِّدِنا لوطٍ أُهلِكوا بالحِجارةِ، وعادٌ أُهلِكوا بالرِّيحِ... لأنَّ المقصودَ هنا ذِكرُ عمومِ أخْذِ أصنافِ الكُفَّارِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/126). .
كما قال تعالى: كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: 18 - 20].
وقال سُبحانَه: أَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة: 6، 7].
وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ.
أي: ومِنهم مَن أهلَكَهم اللهُ بالصَّيحةِ الشَّديدةِ، وهم ثمودُ [504] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/278)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/251)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/160). وممَّن قال بأنَّ المرادَ بهم: ثمودُ: ابنُ كثير، وابن عاشور، والشنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة. وقيل: المرادُ بهم: ثمودُ ومَدْيَنُ. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، والقرطبيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/401)، ((تفسير القرطبي)) (13/345). .
كما قال تعالى: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ [هود: 67، 68].
وقال سُبحانَه: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ [القمر: 31].
وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ.
أي: ومِنهم مَن أهلَكَه اللهُ بأنْ غيَّبَه في الأرضِ، وهو قارونُ [505] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/402)، ((تفسير القرطبي)) (13/345)، ((تفسير ابن كثير)) (6/278)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/440)، ((تفسير السعدي)) (ص: 631)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/160). .
كما قال تعالى: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ [القصص: 81].
وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا.
أي: ومِنهم مَن أهلَكَه اللهُ بالغَرَقِ، وهما فِرعَونُ وهامانُ [506] يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/633)، ((تفسير ابن كثير)) (6/278)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/251)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/160). وممَّن قال بأنَّهم فِرعونُ ومَن معه: السمرقنديُّ، وابن كثير، وابن عاشور، والشنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة. وقيل: المرادُ بهم: قومُ نوحٍ، وفِرعونُ وقَومُه. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، والقرطبيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/403)، ((تفسير القرطبي)) (13/345). .
كما قال تعالى: فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [الأعراف: 136].
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
أي: وما يَنبغي لله سُبحانَه أن يُهلِكَهم ظُلمًا مِن غيرِ ذَنبٍ منهم، أو يُهلِكَهم بذُنوبِ غيرِهم، أو يُهلِكَهم مِن غيرِ إنذارِهم وإمهالِهم، وبعْثِ الرُّسلِ إليهم، وإقامةِ الحُجَّةِ عليهم، ولكِنْ كانوا يَظلِمونَ أنفُسَهم؛ إذ تَسَبَّبوا في عذابِها بوُقوعِهم في الشِّركِ باللهِ، ومَعصيتِه، وتَكذيبِ رُسُلِه؛ فاستَحَقُّوا عِقابَه [507] يُنظر: ((تفسير مقاتل)) (3/384)، ((تفسير ابن جرير)) (18/403)، ((تفسير القرطبي)) (13/345)، ((تفسير ابن كثير)) (6/278، 279)، ((تفسير السعدي)) (ص: 631)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/252). .

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- قال الله تعالى: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ فيه أنَّه ينبغي الاعتِبارُ بأحوالِ مَن مضَى؛ لِقَولِه تعالى: وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ يعني: فاعتَبِروا واتَّعِظوا [508] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 193). .
2- في قَولِه تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ التَّحذيرُ مِن تَزيينِ الأعمالِ، ويُفهَمُ مِن قَولِه تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ أنَّ هذه الأعمالَ أصلُها قَبيحٌ لكِنَّها زُيِّنَتْ؛ فيَجِبُ الحَذَرُ مِن تَزيينِ الشَّيطانِ [509] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 193). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- مَن عَرَفَ اللهَ بقَلْبِه ولم يُقِرَّ بلِسانِه لم يَكُنْ مُؤمِنًا، كما قال تعالى عن قَومِ عادٍ وقَومِ صالحٍ: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ، وكما قال تعالى عن قَومِ فِرعَونَ: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [510] يُنظر: ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 109). [النمل: 14].
2- في قَولِه تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ أنَّه أضاف التَّزيينَ إلى الشَّيطانِ؛ وفي آيةٍ أُخرى أضاف التَّزيينَ إلى نفْسِه عزَّ وجلَّ، فقال: إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ [النمل: 4]، والجَمعُ بيْنَ الآيتَينِ: أنَّ الإضافةَ باعتِبارِ السَّبَبِ وباعتِبارِ الفاعلِ الحَقيقيِّ؛ فالفاعِلُ الحقيقيُّ هو اللهُ سُبحانَه وتعالى؛ لأنَّ كلَّ شَيءٍ بقَضاءِ اللهِ وقَدَرِه، والسَّببُ هو الشَّيطانُ، وأُضيفَ التَّزيينُ إليه لأنَّه مُباشِرٌ له؛ فيُضافُ إلى اللهِ تعالى خَلْقًا وتَقديرًا، ويُضافُ إلى الشَّيطانِ على سَبيلِ المباشَرةِ [511] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 191). .
وهذا التَّزيينُ منه سُبحانَه خَلقًا ومشيئةً، وهو منه حَسَنٌ؛ إذ هو ابتلاءٌ واختبارٌ؛ ليتميَّزَ المطيعُ منهم من العاصي، والمؤمِنُ مِن الكافِرِ، وهو من الشَّيطانِ قَبيحٌ، وأيضًا فتزيينُه سُبحانَه للعَبدِ عَمَلَه السَّيِّئَ: عُقوبةٌ منه له على إعراضِه عن توحيدِه وعبوديَّتِه، وإيثارِ سَيِّئِ العمَلِ على حَسَنِه؛ فإنَّه لا بدَّ أن يُعَرِّفَه سُبحانَه السَّيِّئَ مِن الحَسَنِ، فإذا آثرَ القبيحَ واختاره وأحبَّه ورَضِيَه لنَفسِه، زيَّنه سُبحانَه له وأعماه عن رؤيةِ قُبحِه بعد أن رآه قبيحًا، وكُلُّ ظالمٍ وفاجرٍ وفاسِقٍ لا بدَّ أن يرُيهَ اللهُ تعالى ظُلمَه وفُجورَه وفِسقَه قَبيحًا، فإذا تمادى عليه ارتفَعَت رؤيةُ قُبحِه مِن قَلبِه، فربَّما رآه حسَنًا عُقوبةً له؛ فتزيينُ الرَّبِّ تعالى عَدلٌ، وعُقوبتُه حِكمةٌ، وتزيينُ الشَّيطانِ إغواءٌ وظُلمٌ، وهو السَّبَبُ الخارجُ عن العبدِ، والسَّبَبُ الداخِلُ فيه حُبُّه وبُغضُه وإعراضُه، والرَّبُّ سُبحانَه خالِقُ الجميعِ، والجميعُ واقِعٌ بمشيئتِه وقُدرتِه، ولو شاء لهدَى خَلْقَه أجمعينَ، والمعصومُ مَن عَصمَه اللهُ، والمخذولُ من خذَلَه اللهُ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [512] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 103، 104). [الأعراف: 54].
3- في قَولِه تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ الرَّدُّ على الجَبْريَّةِ، فقد نسَب الله تعالى الأعمالَ إلى الخَلْقِ؛ فإذا نُسِبَ العملُ إليهم فمعنى ذلك أنَّهم فاعِلونَ حَقيقةً [513] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 194). .
4- في قَولِه تعالى: فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ بَشاعةُ الصَّدِّ عن سَبيلِ اللهِ مع البَصيرةِ؛ فإنَّ الجُملةَ هنا حاليَّةٌ على تقديرِ «قد»، يعني: فصَدَّهم وقد كانوا مُستبصِرينَ! والمُستبصِرُ كان بصَدَدِ ألَّا يُصَدَّ، لكنَّ قوَّةَ السَّببِ وضَعْفَ المانعِ هو الَّذي أوجَبَ لهم ذلك، والعياذُ باللهِ [514] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 194). .
5- قَولُ الله تعالى: فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ قَولُه: فِي الْأَرْضِ إشارةٌ إلى ما يُوضِّحُ قِلَّةَ عَقلِهم في استكبارِهم؛ وذلك لأنَّ مَن في الأرضِ أضعَفُ أقسامِ المكَلَّفينَ، ومَن في السَّماءِ أقواهم، ثم إنَّ مَن في السَّماءِ لا يَستكبِرُ على اللهِ وعن عبادتِه، فكيف يَستكبِرُ مَن في الأرضِ [515] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/56). ؟!
6- في قَولِه تعالى: أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ إثباتُ الأسبابِ، وكلُّ ما جاء في القرآنِ مِن «لامٍ» للتَّعليلِ أو «باءٍ» للسَّبَبِيَّةِ فإنَّها تدُلُّ على إثباتِ الأسبابِ والحِكَمِ، وفي هذا ردٌّ على الجبريَّةِ ومَن وافَقَهم مِن الأشعريَّةِ الَّذين يُنْكِرون الأسبابَ، وأمَّا نحنُ -أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ- فنؤمنُ بالأسبابِ؛ لكنَّنا لا نقولُ: إنَّ هذه أسبابٌ مؤثِّرةٌ بنَفْسِها، لكنْ بخَلْقِ اللهِ سبحانه وتعالى فيها التَّأثيرَ [516] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 204، 205)، ويُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 188). .
7- في قَولِه تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا أنَّ العقوباتِ لا تأتي مِن نوعٍ واحدٍ، بل تأتي مِن أنواعٍ متعددةٍ بحسَبِ حالِ المعاقَبِ، فهذه الأنواعُ الأربعةُ ذِكْرُها له حكمةٌ؛ لأنَّ قولَه عزَّ وجلَّ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا هذا إهلاكٌ مِن فوقٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ هذا إهلاكٌ مِن تحتٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ هذا إهلاكٌ بالقولِ والصَّوتِ، وقولُه عزَّ وجلَّ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا هذا إهلاكٌ بالماءِ [517] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 205). .
8- قَولُه تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ فيه كَمالُ عَدلِه سُبحانه وتعالى، وهذه الصِّفةُ مِن الصِّفاتِ السَّلبيةِ، والصِّفاتُ السَّلبيةُ لا تكونُ مَدحًا إلَّا إذا تضَمَّنتْ ثُبوتًا؛ فمُجَرَّدُ النَّفيِ ليس بمَدحٍ إلَّا إذا تَضَمَّنَ ثُبوتًا؛ إذا نفى اللهُ الظُّلمَ عن نفْسِه فليس معناه أنَّه لا يَظْلِمُ فقط، بل لِكَمالِ عَدْلِه لا يَظلِمُ، وليس المعنى أنَّه غيرُ قادرٍ على الظُّلمِ، بل هو قادِرٌ سُبحانه وتعالى على أنْ يَظلِمَ، لكِنَّه لِكَمالِ عَدْلِه لا يَظلِمُ، بل لا يُريدُ الظُّلمَ، ولو كان غيرَ قادرٍ على الظُّلمِ لم يكُنْ نَفْيُ الظُّلمِ عن نفْسِه مَدْحًا [518] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 205، 206). !

بلاغةُ الآياتِ:


1- قوله تعالى: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ
- قولُه: وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ الاستِبصارُ: البَصارةُ بالأُمورِ، والسِّينُ والتَّاءُ للتَّأكيدِ [519] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/249). .
2- قولُه: وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ
- قولُه: وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ معطوفٌ على وَعَادًا [العنكبوت: 38]، وتَقديمُ قارُونَ؛ لشَرفِ نَسَبِه [520] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/195)، ((تفسير أبي السعود)) (7/40). ، وقُدِّمَ فرعونُ على هامانَ؛ لعُلُوِّ مرتبتِه، وليس هذا التَّرتيبُ مِن بابِ البُداءةِ بالأدنى؛ لأنَّه لو كان كذلك لقال: «قارونُ وهامانُ وفرعونُ» [521] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة العنكبوت)) (ص: 195). .
- وتَعليقُ قولِه: فِي الْأَرْضِ بـ فَاسْتَكْبَرُوا؛ للإشعارِ بأنَّ استِكبارَ كلٍّ منهم كان في جَميعِ البِلادِ الَّتي هو منها، فيُومِئُ ذلك أنَّ كلَّ واحدٍ مِن هؤلاء كان سيِّدًا مُطاعًا في الأرضِ؛ فالتَّعريفُ في (الأرض) للعهْدِ، فيَصِحُّ أنْ يكونَ المعهودُ هو أرضَ كلٍّ منهم، أو أنْ يكونَ المعهودُ الكُرَةَ الأرضيَّةَ؛ مُبالَغةً في انتشارِ استكبارِ كلٍّ منهم في البلادِ، حتَّى كأنَّه يعُمُّ الدُّنيا كلَّها [522] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/250). .
- وذِكرُ فِعلِ الكَونِ بعدَ النَّفيِ في قولِه: وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ؛ لأنَّ المَنْفيَّ هو ما حَسِبوه نَتيجةَ استِكبارِهم، أي: أنَّهم لا يَنالُهم أحدٌ لِعَظمَتِهم [523] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/250). .
3- قوله تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
- قولُه: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ تَفسيرٌ لِمَا يُنبِئُ عنه عدَمُ سبْقِهم بطريقِ الإبهامِ، أي: فكلَّ واحدٍ مِنَ المذكورينَ [524] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/40). ، وأفادتِ الفاءُ التَّفريعَ على الكلامِ السَّابقِ؛ لِمَا اشتمَلَ عليه مِن أنَّ الشَّيطانَ زيَّنَ لهم أعمالَهم، ومِن استِكبارِ الآخَرينَ، أي: فكان مِن عاقبةِ ذلك أنْ أخَذَهم اللهُ بذُنوبِهم العظيمةِ النَّاشئةِ عن تَزيينِ الشَّيطانِ لهم أعمالَهم، وعن استِكبارِهم في الأرضِ، وليس المُفرَّعُ هو أخْذَ اللهِ إيَّاهم بذُنوبِهم؛ لأنَّ ذلك قد أشعَرَ به ما قبْلَ التَّفريعِ، ولكنَّه ذُكِرَ لِيُفْضَى بذِكْرِه إلى تفصيلِ أنواعِ أخْذِهم، وهو قولُه: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا إلى آخِرِه؛ فالفاءُ في قولِه: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ ... لِتَفريعِ ذلك التَّفصيلِ على الإجمالِ الَّذي تَقدَّمَه، فتَحصُلُ خُصوصيَّةُ الإجمالِ ثمَّ التَّفصيلِ، وللدَّلالةِ على عَظيمِ تصرُّفِ اللهِ [525] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/251). .
- قولُه: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا فأمَّا الَّذينَ أُرسِل عليهم حاصِبٌ فهم عادٌ، والَّذينَ أخذَتْهم الصَّيحةُ هم ثمودُ، والَّذينَ خَسَفَتْ بهم الأرضُ هو قارونُ وأهلُه، والَّذين أغرَقَهم: فرعونُ وهامانُ ومَن معَهما مِن قَومِهما؛ جاء هذا على طَريقةِ النَّشرِ على تَرتيبِ اللَّفِّ [526] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/251). اللَّفُّ والنَّشْرُ: هو ذِكرُ شيئَينِ أو أشياءَ؛ إمَّا تفصيلًا -بالنَّصِّ على كلِّ واحدٍ، أو إجمالًا -بأن يُؤتَى بلَفظٍ يَشتمِلُ على متعدِّدٍ- ثم يذكرُ أشياءَ على عدَدِ ذلك، كلُّ واحدٍ يرجِعُ إلى واحدٍ مِن المتقدِّمِ، ويُفوَّضُ إلى عقلِ السَّامعِ ردُّ كلِّ واحدٍ إلى ما يَليقُ به. فاللَّفُّ يُشارُ به إلى المتعدِّدِ الَّذي يُؤتَى به أوَّلًا، والنَّشرُ يُشارُ به إلى المتعدِّدِ اللَّاحقِ الَّذي يَتعلَّقُ كلُّ واحدٍ منه بواحدٍ مِن السَّابقِ دونَ تعيينٍ. مثل قولِه تعالى: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة: 111]، أي: وقالت اليهودُ: لن يَدخُلَ الجنَّةَ إلَّا اليهودُ، وقالت النَّصارى: لن يدخُلَ الجنةَ إلَّا النَّصارى، وهذا لفٌّ ونَشْرٌ إجماليٌّ. واللَّفُّ المُفصَّلُ يأتي النَّشرُ اللَّاحقُ له على وجهَينِ؛ الوجهُ الأوَّلُ: أنْ يأتيَ النَّشرُ على وَفْقِ ترتيبِ اللَّفِّ، ويُسَمَّى «اللَّفَّ والنَّشرَ المرتَّبَ». الوجهُ الثَّاني: أنْ يأتيَ النَّشرُ على غيرِ تَرتيبِ اللَّفِّ، ويُسمَّى «اللَّفَّ والنَّشرَ غيرَ المُرتَّبِ»، وقد يُعَبَّرُ عنه بـ «اللَّفِ والنَّشرِ المُشَوَّشِ»، أو «المعكوسِ». يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 425)، ((التبيان في البيان)) للطيبي (ص: 231، 232)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/320)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/403). .
- والاستِدراكُ في قولِه: وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ناشئٌ عن نفْيِ الظُّلمِ عن اللهِ في عِقابِهم؛ لأنَّه يُتوهَّمُ منه انتِفاءُ مُوجِبِ العِقابِ؛ فالاستِدراكُ لرفْعِ هذا التَّوهُّمِ [527] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/252). .