موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (158-163)

ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ

غريب الكلمات:


شَعَائِرِ: جمْع شَعيرَة، وهي مَا جعَله الله تعالى عَلَمًا لطاعتِه [1427] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 286)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/194)، ((المفردات)) للراغب (ص: 456)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 24)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 98)، . .
لا جُناحَ: لَا بَأْس، والجُناحَ: الإثم، وأصل الجنوح: المَيل والعدوان [1428] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/484)، ((المفردات)) للراغب (ص: 491)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 98)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 553، 970). .
تَطَوَّعَ: فَعَل خيرًا غيرَ واجب عليه [1429] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/431)، ((المفردات)) للراغب (ص: 530)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 27). .
يُنْظَرُونَ: يُنتَظرون، ويُؤخَّرون [1430] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 813)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 31). .

المعنى الإجمالي:


أخبَر الله تعالى أنَّ السَّعي بين الصَّفا والمروة من معالِم دِينه الظاهِرة، التي شُرِعت في الحجِّ، فمَن قصَدَ البيتَ ناويًا أداء النُّسك من حجٍّ أو عُمرةٍ، فلا يَتحرجنَّ من الطَّواف بينهما؛ لأجْل أنَّهم في الجاهليَّة يَعبُدون الأصنام عِندهما.
وتَرغيبًا في فِعل الطاعة والاستزادة منها أخْبَر تعالى أنَّ مَن يأتي بالطاعات، سواء ما كان منها مَفروضًا أو مستحبًّا، ويَزداد منها؛ فإنَّ الله مُجازيه على عمَله خيرَ الجزاء، فهو سبحانه شاكرٌ لا يُضيع أجْرَ مَن أحسن عملًا، عليمٌ لا يَخفَى عليه ذاك الإحسانُ.
ثم ذكَر الله- في معرِض الذمِّ- عُلماءَ اليهود والنَّصارى الذين يُخفون عن النَّاس ما في التوراة والإنجيل من الأدلَّة الواضحة، التي تُثبِت نبوَّةَ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وتبيِّن وصْفَه، وهذا الذمُّ يعمُّ كلَّ مَن فعَل فِعلهم فأخْفى الحقَّ الذي أنزله الله في القرآن الكريم من بعدِ أن بيَّنه سبحانه، هؤلاء جميعًا جزاؤهم الطردُ من رحمة الله تعالى، وأنْ تُلاحِقَهم اللَّعَناتُ من الملائكة والمؤمنين- وقيل: من جميع الخَلق- إلَّا مَن تراجع عن هذا الكِتمان للحق البيِّن، وعاد إلى ربِّه تائبًا مقرًّا بذنبه، وبيَّنَ ما كان أخْفاه من الحقِّ عن النَّاس- فأولئك يتوبُ الله عليهم كما أخبر، فهو سبحانه المتقبِّل لتوبة عِباده، بعد أن يُوفِّقهم لها، رحيمٌ بهم سبحانه وتعالى.
ثم أخبَر جلَّ وعلا أنَّ الذين جَحدوا دِين الله تعالى، فلم يَقبلوا به، ولم يَنقادوا إليه، ولم يتوبوا في حَياتهم، بل استمرُّوا على الكُفر حتى ماتوا عليه- أخْبَر أنَّ أولئك سيطردهم اللهُ تعالى من رحمته طردًا دائمًا، وتُلاحقَهم اللَّعنة من الله والملائكة وجميعِ النَّاس، وسَيُخلَّدون في تلك اللَّعنة والتي ستُصاحبهم في دُنياهم وحتى يوم القِيامة؛ لتظلَّ معهم وتلازمهم في جهنَّم، حيث لا يُخفَّف عنهم عذابُها، ولا هم يُمهلون فيُؤخَّر عنهم العذاب.
ثم أخْبَر تعالى أنَّ الإلهَ المستحِقَّ للعبادة واحدٌ، لا شريكَ له سبحانه، ولا معبودَ سواه، وهو الله سبحانه ذو الرَّحمات، التي أوْصَلها وعمَّ بها كلَّ البريَّات.

تفسير الآيات:


إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
قيل: لَمَّا بيَّن الله تعالى أنه إنما حوَّل القبلة إلى الكعبة، وكان في ذلك إحياءٌ لشرائع إبراهيم ودِينه، وكان السعيُ بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذُكِر في قصة بناء الكعبة، وسعي هاجر بين الجبلين- فلما كان الأمر كذلك ذكَر الله تعالى هذا الحُكم.
وقيل: لأنَّه تعالى لَمَّا قال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ...، إلى قوله: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، قال: إنَّ الصَّفا والمروة من شعائر الله؛ وإنَّما جعلهما كذلك لأنَّهما من آثار هاجر وإسماعيل ممَّا جرى عليهما مِن البلوى [1431] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (4/134). .
سبب النُّزول:
عن عُروةَ بن الزُّبَير قال: ((سألتُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، فقلتُ لها: أَرأيتِ قَوْلَ اللهِ تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا؛ فواللهِ ما على أَحَدٍ جُنَاحٌ أنْ لا يطوفَ بالصَّفا والمروةِ، قالت: بَئْسَ ما قلتَ يا ابنَ أختي! إنَّ هذهِ لو كانت كَمَا أَوَّلْتَهَا عليه، كانت: لا جُنَاحَ عليهِ أنْ لا يَتَطَوَّفَ بهما، ولكنَّها أُنْزِلَتْ في الأنصارِ، كانوا قبلَ أن يُسلِموا، يُهِلُّونَ لـمَناةَ الطَّاغية، التي كانوا يَعبُدونها عندَ المُشلَّلِ، فكان مَن أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أنْ يطوفَ بالصَّفا والمروةِ، فلمَّا أسلموا، سألوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن ذلكَ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا نتحرَّجُ أن نطوفَ بينَ الصَّفا والمروةِ، فأنزَلَ اللهُ تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ الآية، قالت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: وقد سَنَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الطَّوافَ بينهما، فليس لِأَحَدٍ أن يترُكَ الطوافَ بينهما، ثم أَخْبَرْتُ أبا بكرِ بنَ عبدِ الرَّحمنِ فقال: إنَّ هذا لَعِلْمٌ ما كنتُ سمعتُهُ، ولقد سمعتُ رِجالًا من أهلِ العِلم يَذكرونَ: أنَّ النَّاسَ- إلَّا مَن ذَكرتْ عائشةُ- ممَّن كان يُهِلُّ بمناةَ، كانوا يطوفونَ كلُّهم بالصَّفا والمروةِ، فلمَّا ذكرَ اللهُ تعالى الطَّوافَ بالبيتِ، ولم يذكُرِ الصَّفا والمروةَ في القرآنِ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، كُنَّا نطوفُ بالصَّفا والمروةِ، وإنَّ اللهَ أنزَلَ الطوافَ بالبيتِ فلمْ يذكُرِ الصَّفا، فهل علينا من حَرَجٍ أن نطوفَ بالصَّفا والمروةِ، فأنزلَ اللهُ تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ الآيةُ. قال أبو بكرٍ: فأسمعُ هذهِ الآيةَ نزلتْ في الفَريقيْنِ كِلَيهما، في الَّذين كانوا يَتحرَّجونَ أن يَطوفوا بالجاهليةِ بالصَّفا والمروةِ، والذينَ يَطوفونَ ثم تَحرَّجوا أن يَطوفوا بهما في الإسلامِ؛ من أَجْلِ أنَّ اللهَ تعالى أَمَرَ بالطَّوافِ بالبيتِ، ولم يذكُرِ الصَّفا، حتى ذَكرَ ذلكَ بعدَما ذكرَ الطَّوافَ بالبيتِ )) [1432] رواه البخاريُّ (1643)، واللَّفظ له، وروى مسلمٌ بعضَه (1277). .
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ.
أي: إنَّ السَّعي بين الصَّفا والمروة من معالم الدِّين الظاهِرة، التي شرَعها الله تعالى لعباده في الحجِّ [1433] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/711)، ((تفسير ابن كثير)) (1/471-472)، ((تفسير السعدي)) (ص: 76). .
وفي حديث جابِرٍ الطويلِ في صِفة حَجَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، قال رضي الله عنه: ((ثمَّ خرَج من الباب إلى الصَّفا، فلمَّا دنا مِن الصَّفا قرأ: إنَّ الصَّفَا وَالمْرَوْةَ َمِنْ شَعَائِرِ اللهِ أبدأُ بما بدأَ اللهُ به، فبدأ بالصَّفا، فرقِيَ عليه )) [1434] رواه مسلم (1218). .
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا.
أي: مَن قصَد البيت الحرام لأداء مناسك الحجِّ، أو العمرة، فلا يَتحرَّجَنَّ من الطواف بين الصَّفا والمروة؛ لشُبهة أنَّه من أفعال الجاهليَّة وأنَّهم كانوا يُعظِّمونهما، ويطوفون بينهما [1435] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/713)، ((تفسير ابن عطية)) (1/229)، ((جامع المسائل)) لابن تيميَّة (1/202)، ((تفسير السعدي)) (ص: 76). .
وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ.
أي: مَن أتى بالطَّاعات المفروضة والمستحبَّة وازداد منها، فلْيعلمْ بأنَّ الله تعالى سيُجازيه بإحسانه؛ لأنَّ الله شاكِر لا يُضيع أجْرَ محسِن، عليمٌ لا يَخفى عنه إحسانُه [1436] يُنظر: ((شرح عمدة الفقه-كتاب الطهارة والحج)) لابن تيميَّة (3/632-633)، ((تفسير السعدي)) (ص: 77)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/64-65)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/185-186). .
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159).
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ.
أي: إنَّ عُلماءَ اليهود والنَّصارى الذين أخْفَوا عن النَّاس ما في التَّوراة والإنجيل، من دَلائل إثبات مَبعث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وبيان صِفاته، الذي بيَّنه الله تعالى فيهما بوضوحٍ تامٍّ.
وهذه الآية تعمُّ كلَّ مَن كتَم عن النَّاس ما أوْضحَه الله تعالى في القرآن من البيِّنات، وهي الأدلَّةُ والبَراهين الواضِحة التي تُظهر الحقَّ وتُثبِته، والهدى- وهو العلمُ النَّافع المرشِد لطريق الحقِّ [1437] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/729-731)، ((تفسير ابن عطية)) (1/231)، ((النبوات)) لابن تيميَّة (2/640-641)، ((تفسير ابن كثير)) (1/472)، ((تفسير السعدي)) (ص: 77). وممَّن ذهب من السَّلف إلى أنَّ المقصود بالآية أهل الكتاب: ابن عبَّاس، ومجاهد، وأبو العالية، وقَتادة، والسُّدِّي، والرَّبيع بن أنس. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/730)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/268). .
أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.
أي: يطردُهم الله عزَّ وجلَّ من رحمته، ويطلُب اللاعنون من الله تعالى أن يلعنَهم، واللاعنون قيل: هم الملائكة والمؤمِنون [1438] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/732-737)، ((تفسير ابن عطية)) (1/231)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/46-47). وممَّن قال من السَّلف بأنَّ المقصود بـاللاعنون الملائكة والمؤمنون: أبو العالية، وقَتادة، والرَّبيع بن أنس. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/736)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/269). ، وقيل: هم جميعُ الخلائق، حتى البَهائم تلعنهم [1439] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (28/187)، ((تفسير ابن كثير)) (1/472)، ((تفسير السعدي)) (ص: 77). .
عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((مَن سُئِلَ عن علْمٍ علِمَهُ، ثُمَّ كتَمَه، أُلجِمَ يومَ القِيامَة بلِجامٍ من نارٍ )) [1440] أخرجه أبو داود (3658)، والترمذي (2649)، وابن ماجه (266)، وأحمد (7561). حسَّنه الترمذيُّ، وقال ابن القطان في ((الوهم والإيهام)) (5/218): رُواته كلُّهم ثِقات، وحسَّنه مِن هذا الوجه ابنُ كثير في ((طبقات الشافعية)) (1/441)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (3658)، وحسَّنه الوادعي في ((الصحيح المسند)) (1377)، وقال: رجاله رجال الصحيح. .
وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، قال: ((يقولون: إنَّ أبا هريرةَ يُكْثِرُ الحديثَ، واللهُ الموعدُ! ويقولون: ما لِلمُهاجرين والأنصارِ لا يُحَدِّثون مثلَ أحاديثِه؟! وإنَّ إِخوتي مِن المهاجرين كان يَشْغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواقِ، وإنَّ إخوتي مِن الأنصارِ كان يَشْغَلُهم عملُ أموالِهم، وكنتُ امرأً مسكينًا، أَلْزَمُ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ على مِلءِ بطني، فأَحْضُرُ حينَ يَغِيبون، وأَعِي حين يَنْسَوْن، وقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يومًا: لن يَبْسُطَ أحدٌ منكم ثوبَه، حتى أَقْضِيَ مقالتي هذه، ثم يَجْمَعَه إلى صَدرِه فيَنْسى من مقالتي شيئًا أبدًا، فبَسَطْتُ نَمِرَةً ليس عليَّ ثوبٌ غيرَها، حتى قضى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ مقالتَه، ثم جَمَعْتُها إلى صدْري، فوالذي بعَثَه بالحقِّ، ما نَسِيتُ مِن مقالتِه تلك إلى يومي هذا، واللهِ لولا آيتانِ في كتابِ اللهِ، ما حدَّثْتُكم شيئًا أبدًا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ إلى قوله: الرَّحِيمُ)) [1441] رواه البخاري (2350). .
وعن حِمران، قال: ((فلمَّا توضَّأ عثمانُ قال: واللهِ لَأُحَدِّثَنَّكم حديثًا، واللهِ لولا آيةٌ في كتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُكُموه! إني سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يقولُ: لا يتوضأُ رجلٌ فيُحسِنُ وُضوءَه، ثم يُصلِّي الصَّلاةَ، إلا غُفِرَ له ما بينَه وبينَ الصَّلاةِ التي تَلِيها، قال عُروةُ: الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، إلى قوله: اللَّاعِنُونَ)) [1442] رواه مسلم (227). .
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160).
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا.
أي: استثنى الله عزَّ وجلَّ منهم مَن رجَع عن كِتمانه، معترفًا لله تعالى بذنبه، مُصلحًا حالَ نفْسه، مبيِّنًا للنَّاس ما كتَمَه [1443] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/738)، ((تفسير ابن كثير)) (1/473)، ((تفسير السعدي)) (ص: 77)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/196). .
فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
أي: هؤلاء الذين فعَلوا هذا الذي وصفتُ منهم، هم الذين أَقبل توبتَهم؛ فأنا التوَّاب- أي: كثير التوب- الذي يوفِّق عباده للتوبة أولًا، ويَقبلها منهم ثانيًا، فضلًا منِّي ورحمة، فبِتَوبتي أغفِر لهم المعاصي والسيِّئات، وبِرَحمتي أُيسِّر لهم الطَّاعات والخيرات [1444] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/738-739)، ((تفسير السعدي)) (ص: 77)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/196-197). .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا لعَن الله الكاتمين؛ واستثنى منهم التائبين، ذكَر المُصرِّين، معبِّرًا عن كتمانهم بالكُفر؛ لتعمَّ العبارةُ كلَّ كُفر، فقال [1445] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (2/277). :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ.
أي: إنَّ الكفار الذين ظلُّوا على كفرهم حتَّى مماتِهم، ولم يتوبوا [1446] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/740)، ((تفسير ابن كثير)) (1/473)، ((تفسير السعدي)) (ص: 77). .
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
أي: إنَّ الله تعالى يطردُ أولئك الكفَّار من رحمته، وأمَّا الملائكة وجميع النَّاس فيَسألون الله عزَّ وجلَّ أن يُبعدَهم ويطردَهم من رحمته [1447] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/742)، ((تفسير السعدي)) (ص: 77)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/202). .
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162).
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ.
أي: هم خالدون أبدًا في هذه اللَّعنة المستَتْبِعةِ للخلود الأَبديِّ في نار جهنَّمَ، التي لا يَنقُص فيها عذابُهم زمنًا ولا مِقدارًا؛ فهُم في عذابٍ دائمٍ وشديد [1448] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/232)، ((تفسير ابن كثير)) (1/473). وممَّن قال بهذا القول من السلف: ابن مسعود ومقاتل. يُنظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي (1/128). وقيل الضمير يعود على اللعنة والمراد لازمها وأثرها وجزاؤها، وممن ذهب إلى هذا القول: ابن جرير في ((تفسيره)) (2/744)، والقرطبي في ((تفسيره)) (2/190)، وابن عثيمين في ((تفسير الفاتحة والبقرة)) (2/203-204). واختار ابن عاشور في ((تفسيره)) (2/73): أنَّ الضمير يعود على جهنم، وجوَّز القول السابق. وقال السعدي: (خَالِدِينَ فِيهَا أي: في اللعنة، أو في العذاب، وهما متلازمان) ((تفسير السعدي)) (ص: 77). وعن أبي العالية أنَّه قال في قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا: (خالدين في جَهنَّمَ في اللَّعنة) ((تفسير ابن جرير)) (2/744). .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر: 36].
وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ.
أي: لا يُمهلون فيُؤخَّر عنهم العذاب [1449] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/232)، ((تفسير ابن كثير)) (1/473)، ((تفسير السعدي)) (ص: 77)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/204). .
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163).
أي: إنَّ معبودَكم واحدٌ، لا معبود بحقٍّ سواه، فهو المنفرِد في ذاته وأسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه جلَّ وعلا، وهو الذي وسعتْ رحمتُه كلَّ شيء، ومن رحمته: أنْ أَوجَد عباده، وعرَّفهم على نفْسه بآياته وآلائِه [1450] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/745-747)، ((تفسير ابن كثير)) (1/474)، ((تفسير السعدي)) (ص: 77)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/207، 209). .

الفوائد التربويَّة:


- دلَّ تقييدُ التطوُّع بالخير في قوله تعالى: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا على أنَّ مَن تطوَّع بالبِدع، التي لم يَشرَعْها الله ولا رسولُه، أنَّه لا يحصُل له إلَّا العناءُ، وليس في هذا التطوُّع خيرٌ له، بل قد يكون شرًّا له، إنْ كان متعمِّدًا، عالِمًا بعدم مشروعيَّة العمل [1451] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 77). .

الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:


1- قُبْح هذا الكِتمان الذي سلَكه المذكورون في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ؛ لأنَّه كتمانٌ بعدَ بيان؛ فليس لهم أن يقولوا: (لم نتكلَّم؛ لأنَّ الأمر مشتبهٌ علينا)؛ فالإنسان الذي لا يَتكلَّم بالشيء لاشتباه الأمْر عليه قد يُعذر، لكن الذي لا يَتكلَّم مع أنَّ الله بيَّنه للناس يكون هذا أعظمَ قُبحًا-والعياذ بالله [1454] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/191). .
2- في قوله تعالى: عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة: 161]، جاء ذِكرُ لعنة الملائكة والنَّاس- مع أنَّ لعنة الله وحده كافيةٌ في خزيهم ونكالهم- قد يكون لبيان أنَّ جميع مَن يعلم حالهم من العوالِم العلويَّة والسُّفليَّة يراهم محلًّا للعنة الله ومقْته، فلا يُرجى أن يَرأف بهم رائِف، ولا أن يَشفَع لهم شافِع [1455] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (2/43). .
3- أنَّ الكافر يلعنه الكافِر؛ لقوله تعالى: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ وقد أخبَر الله تعالى عن أهل النَّار أنَّه كلَّما دخلتْ أُمَّة لعَنتْ أُختها، وقال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ [البقرة: 166] إلخ؛ فالكافِر- والعياذ بالله- ملعونٌ حتَّى ممَّن شاركه في كُفره [1456] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/204). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فيه تأكيدُ الجملة بـ(إنَّ)؛ لأنَّ المخاطبَين متردِّدون في كونهما من شعائر الله، وهم أميلُ إلى اعتقاد أنَّ السَّعي بينهما من أحوال الجاهليَّة [1457] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/60). .
2- قوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ
- تذييلٌ لِمَا أفادته الآية من الحثِّ على السَّعي بين الصفا والمروة، ومقصده: الإتيان بحُكمٍ كلِّيٍّ في أفعال الخيرات كلها من فرائض ونوافل، أو نوافل فقط، فليس المقصود من خَيرًا خصوص السعي؛ لأنَّ خيرًا نكرة في سياق الشَّرط، فهي عامَّة؛ ولهذا عُطِفت الجملة بالواو دون الفاء؛ لئلَّا يكون الخيرُ قاصرًا على الطوافِ بين الصفا والمروة [1458] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/64). .
- وخُتمت الآية بصِفتين مناسبتَينِ، ووقعتَا الموقع الحَسَن؛ لأنَّ التطوُّع بالخير يتضمَّن الفعل والقصد، فناسَب ذكر الشُّكر باعتبار الفعل، وذِكر العِلم باعتبار القَصد [1459] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/68). .
3- قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ فيه التعبير بالفعل المضارع في يَكْتُمُونَ؛ للدَّلالة على أنَّهم في الحال كاتمون للبيِّنات والهدى، ولو وقَع بلفظ الماضي لتوهَّم السامعُ أن المعنيَّ به قومٌ مضَوْا، مع أنَّ المقصود إقامة الحُجَّة على الحاضرين [1460] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/66). .
4- في قوله: أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
- اختير اسم الإشارة للبعيد (أُولَئِكَ)؛ ليكون أبعثَ للسامع على التأمُّل فيهم، والالتفات إليهم، أو تحقيرًا لهم؛ لبُعدهم عن رحمة الله تعالى [1461] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/67). .
- وإبراز الخبر في صورة جملتين مع تكرير الفِعل يَلْعَنُهُم؛ للتوكيد والتعظيم، وأتى بالفِعل المضارع يَلْعَنُهُم المقتضي للتجدُّد؛ لتجدُّد مقتضيه، وهو قوله تعالى: يَكْتُمُونَ [1462] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/67)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/220). .
- وفي قوله تعالى: يَلْعَنُهُمُ اللهُ التفات، وكان السِّياق يَقتضي بأن يقول: (نلعنهم)، ولكنَّه التفت إلى الغائب؛ للدَّلالة على إظهار السخط عليهم، وليكون الكلام أوغلَ في إنزال اللَّعْن عليهم، وإلحاق الطَّرد بهم، وإبراز اسم الجلالة بلفظ الله فيه مِن الفخامة ما لا يكون في الضَّمير [1463] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/70)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/221). .
5- في قوله: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ قُرِنَتِ الجملة فَأُولَئِكَ... بالفاء- التي تكون للتعقيب مع السُّرعة-؛ للدلالة على شيءٍ زائد على مفادِ الاستثناء، وهو أنَّ توبتهم يَعقبُها رِضَا الله عنهم [1464] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/72). .
6- قوله: وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
- اعتراضٌ تذييليٌّ محقِّقٌ لمضمون ما قبْله [1465] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/183). .
- وفيه التفاتٌ من الغَيْبة إلى التَّكلُّم؛ وفي هذا الالتفات تلويحٌ ورمزٌ إلى اختلاف المبدأ في فِعْليهِ تعالى السَّابقِ واللَّاحِقِ [1466] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/183)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 221). .
- وجيء بالجُملة الاسميَّة؛ لدَّلالتها على الثَّبات والاستقرار؛ ليكونوا غيرَ آيِسِين من التوبة، بخِلاف قوله: يَلْعَنُهُمُ اللهُ، فالمقصود التجدُّد [1467] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/74). .
7- قوله: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فيه ترتيبٌ بديع؛ حيث بدأ تعالى بنفسه، وناهيك بذلك طردًا وإبعادًا؛ ولأنَّ لعنةَ الله هي التي تجرُّ لعنة الملائكة والناس. ثم ثنَّى بالملائكة؛ لِمَا في النفوس من عِظم شأنهم، وعلوِّ منزلتهم وطهارتهم. ثم ثلَّث بالناس؛ لأنَّهم من جِنسهم، فهو شاقٌّ عليهم [1468] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/73). .
8- قوله: خَالِدِينَ فِيهَا فيه إضمار النار قَبل الذِّكر؛ تفخيمًا لشأنها وتهويلًا، أو اكتفاء بدَلالة اللَّعن عليه [1469] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/210)، ((تفسير الرازي)) (4/144)، ((تفسير أبي السعود)) (1/183). وهذا بناءً على القول بأنَّ الضَّمير في (فيها) يعودُ على النَّار، وأمَّا على القول بعودِه على اللَّعنة، فليس فيه هذا الوجه. .
9- قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ فيه توكيد لمعنى الوحدانية، ونفْي الإلهيَّة عن غيره. بنفي كلِّ فردٍ من الآلهة، ثم حصْر ذلك المعنى فيه تبارك وتعالى، فدلَّ قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ  على نِسبة الواحديَّة إليه تعالى، ودلَّ قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ على حصر الإلهية فيه من اللفظ الناصِّ على ذلك، وإن كانت الآية الأولى تستلزم ذلك؛ لدفع توهُّم وجود إلهٍ غيرِه، فأكَّده بقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وحُقَّ لهذا المعنى أن يكون مؤكَّدًا، وتُكرَّر عليه الألفاظ؛ إذ هو مبدأ مقصود العِبادة ومُنتهاه [1470] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/74)، ((تفسير القاسمي)) (1/457)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/75). .