trial

الموسوعة الحديثية


- أَقَمْتُ مع رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بالمَدِينَةِ سَنَةً ما يَمْنَعُنِي مِنَ الهِجْرَةِ إلَّا المَسْأَلَةُ، كانَ أَحَدُنَا إذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن شيءٍ، قالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ البِرِّ وَالإِثْمِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ ما حَاكَ في نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ.
الراوي : النواس بن سمعان الأنصاري | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم : 2553 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
في هذا الحديثِ يَحْكِي النَّوَّاسُ رضِي اللهُ عنه أنَّه أقامَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِالمدينةِ سنةً مَا يمنعُه مِنَ الهجرةِ إلَّا المسألةُ، ويقولُ: كان أحدُنا إذا هاجَرَ لم يسألْ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن شيءٍ، أي: أنَّه أقامَ بِالمدينةِ كَالزَّائرِ مِن غيرِ نَقْلِه إليها مِن وَطنِه لِاستيطانِها وما منَعَه مِنَ الهجرةِ وهي الانتقالُ مِنَ الوطنِ واستيطانِ المدينةِ إلا الرَّغبةُ في سؤالِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنْ أُمورِ الدِّينِ؛ فإِنَّه كان سَمَح بِذلكَ لِلطَّارئينَ دُونَ الْمُهاجرينَ، وكان المهاجِرونَ يَفرحونَ بِسُؤالِ الغرباءِ الطَّارئِينَ مِنَ الأعرابِ وغيرِهم؛ لأَنَّهم يُحتَملونَ في السُّؤالِ ويُعذَرونَ وَيَستفيدُ المهاجِرونَ الجوابَ. قال: فَسألْتُه عَنِ البِرِّ، أي: الطَّاعةِ، والإثمِ، أي: المعصيةِ، فقالَ: البِرُّ، أي: أعظمُ خِصالِه أوِ البِرُّ كلُّه مُجْمَلًا حُسنُ الْخُلقِ، أي: مَع الخَلقِ بِأمْرِ الحقِّ، أو مُداراةُ الخَلْقِ، ومُراعاةُ الحقِّ، والإثمُ ما حاكَ، أي: تَردَّدَ وتحرَّكَ وأَثَّرَ في نفْسِكَ بأنْ لم تَنشرِحْ له وحلَّ في القلبِ منه الشَّكُّ والخوفُ مِن كونِه ذَنْبًا وأَقْلَقَه ولَمْ يَطمئِنَّ إليه، وكَرهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ؛ لأنَّه محلُّ ذمٍّ وعَيْبٍ، فَتجدُك مُتردِّدًا فيه، وتَكرَهُ أنْ يطَّلِعَ النَّاسُ عَليكَ. وهذه الجُملةُ إنَّما هي لِمَنْ كانَ قَلبُه صافيًا سليمًا، فهذا هو الَّذي يَحُوكُ في نَفسِه ما كان إثمًا ويَكرهُ أنْ يطَّلعَ عليه النَّاسُ.
في الحديثِ: أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُعْطِيَ جوامعَ الكلمِ؛ يَتكلَّمُ بِالكلامِ اليسيرِ وهو يَحملُ مَعانيَ كثيرةً؛ فقولُه: "البرُّ حُسنُ الْخُلقِ" كلمةٌ جامعةٌ مانعةٌ.
وفيه: الحثُّ على حُسْنِ الخُلُقِ.
وفيه: بيانُ الفَرْقِ بَيْنَ البِرِّ والإثمِ.