موسوعة الفرق

المَبحَثُ الثَّاني: الميزانُ


أثبت بعضُ المُعتَزِلةِ الميزانَ، وأنكره البعضُ الآخَرُ، ويَستدِلُّ من أثبتَه بقولِ اللهِ تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: 47] ، وبقولِ اللهِ سُبحانَه: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المؤمنون: 102] .
وإن كان صاحِبُ "المواقِفِ" يُطلِقُ القولَ بإنكارِ المُعتَزِلةِ للميزانِ، إذ يقولُ: (وأمَّا الميزانُ فأنكره المُعتَزِلةُ عن آخِرِهم)، وقال شارِحُ المواقِفِ: (إلَّا أنَّ منهم من أحاله عَقلًا، ومنهم من جوَّزه ولم يحكُمْ بثُبوتِه، كالعَلَّافِ، وابنِ المعتَمِرِ، قالوا: يجِبُ حَملُ ما ورد في القُرآنِ من الوَزنِ والميزانِ على رعايةِ العَدلِ والإنصافِ) [1545] ((شرح المواقف)) للجُرْجاني (3/ 453). .
وما ذكروه غيرُ دقيقٍ؛ فالقاضي عبدُ الجبَّارِ أثبت الميزانَ، وفسَّره بأنَّه الميزانُ المادِّيُّ المتعارَفُ بَينَ النَّاسِ، وليس العَدلَ كما يرى البَعضُ؛ قال: (يُبَيِّنُ ذلك ويوضِّحُه أنَّه لو كان الميزانُ إنَّما هو العَدلُ، لكان لا يَثبُتُ للثِّقَلِ والخِفَّةِ فيه معنًى؛ فدَلَّ على أنَّ المرادَ به الميزانُ المعروفُ الذي يشمَلُ على ما تشمَلُ عليه الموازينُ فيما بَينَنا) [1546] ((شرح الأصول الخمسة)) (ص: 735). .
وقال أيضًا: (إنَّ أكثَرَ أهلِ العَدلِ يُثبِتون الموازينَ ولا يُنكِرونها، كما نطق به الكتابُ، وإنَّما أنكره بعضُهم من حيثُ إنَّ الحسَناتِ والسَّيِّئاتِ هي الأعمالُ، وقد نُقِضَت، ولا يصِحُّ فيها الإعادةُ، ولو صَحَّ ذلك فيها لَمَا صحَّ أن توزَنَ، فقال لأجْلِ ذلك: إنَّ اللهَ تعالى ذكَرَه وأراد به العَدلَ، لَمَّا كان الميزانُ طريقًا لمعرفةِ العَدلِ، وهذا لا يمنَعُ من إثباتِها، وإنَّما يَضَعُ مِن دونِ ذلك...
فإن قيل: أتجَوِّزونَ غيرَ ذلك؟ قيل له: نَعَم؛ لأنَّه ليس في ذلك خبرٌ قاطِعٌ، فيجوزُ أن يَجعَلَ علامةَ كِفَّةِ الحَسَناتِ الضَّوءَ، وعلامةَ كِفَّةِ السَّيِّئاتِ الظُّلمةَ، وقد يجوزُ غيرُ ذلك من العلاماتِ) [1547] ((فضل الاعتزال)) (ص: 204- 205)، ((شرح الأصول الخمسة)) (ص: 735- 736). .

انظر أيضا: