موسوعة الفرق

المَبحَثُ الرَّابعُ: تشكيكُ المُعتَزِلةِ في كثيرٍ مِن الأحاديثِ وإنكارُهم لها


آمَن المُعتَزِلةُ بأُصولِهم الخمسةِ وما يتفرَّعُ عنها مِن المبادِئِ والمفاهيمِ، وجعَلوا منها قاعِدةً يُخضِعونَ لها كُلَّ النُّصوصِ؛ سواءُ كانت قرآنيَّةً أو حديثيَّةً؛ فما يُعارِضُ مبادِئَهم مِن الآياتِ يُؤوِّلونَه، وما يُعارِضُها مِن الأحاديثِ يرُدُّونَه ويُنكِرونَه؛ ولذلك كان موقِفُهم مِن الحديثِ (موقِفَ المُتشكِّكِ في صحَّتِه، وأحيانًا موقِفَ المُفكِّرِ له؛ لأنَّهم يُحكِّمونَ العقلَ في الحديثِ لا الحديثَ في العقلِ) [1340] ((ضحى الإسلام)) لأمين (3/85). .
ولذلك نشهَدُ استِخفافًا بالحديثِ وجُرأةً على حَمَلتِه بلغَت بعَمرِو بنِ عُبَيدٍ إلى القولِ حينَ ذُكِر له حديثُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (لو سمعْتُ الأعمَشَ يقولُ هذا لكذَّبْتُه، ولو سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ هذا لرددْتُه، ولو سمِعْتُ اللهَ يقولُ هذا لقُلْتُ: ليس على هذا أخذْتَ ميثاقَنا) [1341] يُنظر: ((ميزان الاعتدال)) للذهبي (3/278). ، فتحكيمُه للعقلِ جعَله يعترِضُ على الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعلى اللهِ، وكثيرونَ هم هؤلاء المُجترِئونَ على اللهِ والرَّسولِ اعتِمادًا على ما تُزيِّنُه لهم عُقولُهم والشَّيطانُ، مِن أمثالِ (الخوارِجِ والمُعتَزِلةِ، وضَعَفةِ أهلِ الرَّأيِ، حتَّى انسلَّ أكثَرُهم عن الدِّينِ، وأتَت فتاويهم ومذاهِبُهم مُختلَّةَ القوانينِ؛ وذلك لأنَّهم اتَّبَعوا السُّبُلَ، وعدَلوا عن الطَّريقِ، وبنَوا أمرَهم على غَيرِ أصلٍ وثيقٍ) [1342] ((الإلماع)) للقاضي عياض (ص: 7). ، أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة: 109] .
ولعُزوفِ المُعتَزِلةِ عن الحديثِ قابَلهم أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ بامتِهانِهم واحتِقارِهم مهما كان جاهُهم ومنصِبُهم في الدَّولةِ؛ فهذا المُعتصِمُ الخليفةُ العبَّاسيُّ يلتفِتُ إلى أحمَدَ بنِ حَنبلٍ ويقولُ له: كلِّم ابنَ أبي دُؤادَ، فأعرَض عنه أحمَدُ بوَجهِه، وقال: كيف أُكلِّمُ مَن لم أرَه على بابِ عالِمٍ قطُّ [1343] ((الإلماع)) للقاضي عياض (ص: 28). ؟!  يُريدُ عالِمًا مِن عُلماءِ الحديثِ.
وقد بلَغ عَداءُ المُعتَزِلةِ للحديثِ أن ردُّوا نُصوصًا كثيرةً صحيحةً؛ فردُّوا حديثَ الشَّفاعةِ [1344] وهو في الصَّحيحينِ البخاري (4712)، ومُسلمٍ (194) من حديثِ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. ، وحديثَ انشِقاقِ القَمرِ [1345] ولفظُه: عن ابنِ مسعودٍ قال: انشَقَّ القَمَرُ على عهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فِرقَتَينِ؛ فِرقةً فَوقَ الجبَلِ، وفِرقةً دونَه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اشهَدوا)). أخرجه البُخاريُّ (4864) واللَّفظُ له، ومُسلمٌ (2800). ، وردُّوا حديثَ ((جَفَّ القلمُ بما أنت لاقٍ )) [1346] ولَفظُه: عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي رجلٌ شابٌّ، وأنا أخافُ على نفسي العَنَتَ، ولا أجِدُ ما أتزوَّجُ به النِّساءَ، فسَكَت عنِّي، ثُمَّ قُلتُ مِثلَ ذلك فسَكَت عنِّي، ثُمَّ قُلتُ مِثلَ ذلك، فسَكَت عنِّي، ثُمَّ قُلتُ مِثلَ ذلك، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يا أبا هُريرةَ، جَفَّ القَلَمُ بما أنت لاقٍ؛ فاختَصِ على ذلك أو ذَرْ)). أخرجه البُخاريُّ (5076). ، كما ردَّ النَّظَّامُ حديثَ ((السَّعيدُ مَن سَعِد في بَطنِ أمِّه، والشَّقيُّ مَن شَقِي في بَطنِ أمِّه)) [1347] أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (2631) واللَّفظُ له، وابن بطة في ((الإبانة الكبرى)) (1597) موقوفًا على عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه. ؛ ذلك أنَّ هذَينِ الحديثَينِ يتعارَضانِ معَ ما يُؤمِنانِ به مِن نَفيِ القَدَرِ، وهُما حديثانِ خرَّجَهما البُخاريُّ في (الجامِعِ الصَّحيحِ) [1348] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (14/293، 282). .
وردَّ القاضي عبدُ الجبَّارِ حديثَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا قاتَل أحدُكم أخاه فليَجتَنِبِ الوَجهَ؛ فإنَّ اللهَ خلَق آدَمَ على صورتِه )) [1349] أخرجه البُخاريُّ (2559)، ومُسلمٌ (2612) واللَّفظُ له من حديثِ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. ، وقال: إنَّ مِثلَ (هذه الأخبارِ لا يجوزُ التَّصديقُ بها إذا كانت مُخالِفةً للأدلَّةِ القاطِعةِ) [1350] ((فضل الاعتزال)) (ص: 151). .
والعجيبُ هنا هو مَيلُهم إلى الإنكارِ، ونُكوصُهم عن التَّأويلِ؛ ذلك أنَّ بعضَ الأحاديثِ مِثلُها مِثلُ بعضِ الآياتِ المُتشابِهةِ التي تحتاجُ إلى فَهمٍ عميقٍ يُوفِّقُ بَينَ ما يبدو مِن الاختِلافِ أو التَّعارُضِ بَينَها وبَينَ العقلِ.

انظر أيضا: