موسوعة الفرق

المَطلَبُ الثَّالثُ: أحوالُ أبي هاشِمٍ ومُناقَشتُها


نتناوَلُ في هذا المَبحَثِ الأحوالَ التي اخترَعها أبو هاشِمٍ تخلُّصًا مِن إثباتِ الصِّفاتِ حقيقةً في الذَّاتِ الإلهيَّةِ ومُتميِّزةً عنها [632] يُنظر: ((المُعتزِلة وأصولهم الخمسة)) للمعتق (ص: 97- 101). .
لقد تخلَّص أبو هاشِمٍ كسابِقِه مَعمَرٍ باستِعمالِه لفظةَ المعاني، مِن استِعمالِ لفظةِ الصِّفاتِ، ودعاها أحوالًا، فقال: إذا قُلْنا: إنَّ اللهَ عالِمٌ، أثبَتْنا للهِ حالةً خاصَّةً هي العِلمُ، وهي وراءَ كونِه ذاتًا، وإذا قُلْنا: إنَّ اللهَ قادِرٌ، أثبَتْنا للهِ حالةً خاصَّةً هي القُدرةُ، وهي وراءَ كونِه ذاتًا، وهكذا في سائِرِ الصِّفاتِ، وتأتي فوقَ هذه الأحوالِ حالٌ أخرى عامَّةٌ توجِبُها كُلَّها [633] يُنظر: ((المِلَل والنِّحَل)) (1/75)، ((نهاية الإقدام)) (ص: 180) كلاهما للشَّهْرَسْتانيِّ. .
وقال أيضًا: (إنَّ العالِمَ له في كُلِّ معلومٍ حالٌ لا يُقالُ فيها: إنَّها حالةٌ معَ المعلومِ الآخَرِ، ولأجْلِ هذا زعَم أنَّ أحوالَ الباري عزَّ وجلَّ في معلوماتِه لا نهايةَ لها، وكذلك أحوالُه في مقدوراتِه لا نهايةَ لها، كما أنَّ مقدوراتِه لا نهايةَ لها) [634] يُنظر: ((الفَرق بين الفِرَق)) للبغدادي (ص: 196). .
ويرى أبو هاشِمٍ أيضًا أنَّ هذه الأحوالَ لا تُعرَفُ على انفرادٍ؛ فهي على حيالِها لا موجودةٌ ولا معدومةٌ، ولا معلومةٌ ولا مجهولةٌ، ولا قديمةٌ ولا مُحدَثةٌ، ولكنَّها توجَدُ معَ الذَّاتِ، وتُعرَفُ بعَلاقتِها بها فقط، فقد يُعلَمُ الشَّيءُ معَ غَيرِه، ولا يُعلَمُ على حيالِه كالجوهَرِ الفردِ لا يُعلَمُ فيه تأليفٌ ولا مماسَّةٌ ما لم ينضمَّ إليه جوهَرٌ آخَرُ [635] يُنظر: ((الفَرق بين الفِرَق)) للبغدادي (ص: 195)، ((المِلَل والنِّحَل)) (1/75)، ((نهاية الإقدام)) (ص: 137) كلاهما للشَّهْرَسْتانيِّ. .
وتعليلُ كونِها لا موجودةً ولا معدومةً أنَّ أبا هاشِمٍ كان يرى أنَّ المعدومَ شيءٌ، فإذا قال: إنَّ الأحوالَ موجودةٌ أو معدومةٌ، أثبتَها أشياءَ أو ذواتًا.
وتعليلُ كونِها لا معلومةً ولا مجهولةً أنَّ أبا هاشِمٍ لو قال ذلك للزِمه أن يُثبِتَها أشياءَ أيضًا؛ لأنَّ مِن رأيِه أنَّه لا يُعلَمُ إلَّا ما يكونُ شيئًا، ولا قال: إنَّها مُتغايِرةٌ؛ لأنَّ التَّغيُّرَ لا يقعُ إلَّا على الأشياءِ والذَّواتِ [636] يُنظر: ((الفَرق بين الفِرَق)) للبغدادي (ص: 182). ، أمَّا تعليلُ كونِها لا قديمةً ولا مُحدَثةً أنَّها لو كانت قديمةً لشارَكَت الذَّاتَ الإلهيَّةَ في القِدَمِ، ولو كانت مُحدَثةً لكان اللهُ تعالى محَلًّا للحوادِثِ [637] يُنظر: ((المُعتزِلة)) لجار الله (ص: 70). .
قال البغداديُّ: (إنَّما ألجأ أبا هاشِمٍ إلى القولِ بالأحوالِ سؤالٌ ورَد مِن قُدماءِ المُعتَزِلةِ عن العالِمِ منَّا: هل فارَق الجاهِلَ بما علِمه لنَفسِه أو لعِلَّةٍ؟ وأبطَلوا مُفارقتَه إيَّاه لنَفسِه معَ كونِهما مِن جنسٍ واحِدٍ، وبطَل أن تكونَ مُفارَقتُه إيَّاه لا لنَفسِه ولا لعِلَّةٍ؛ لأنَّه لا يكونُ حينَئذٍ بمُفارَقتِه له أَولى مِن آخَرَ سِواه، فثبَت أنَّه إنَّما فارَقه في كونِه عالِمًا لمعنًى ما، ووجَب أيضًا أن يكونَ للهِ تعالى في مُفارَقةِ الجاهِلِ معنًى أو صفةٌ فارِقةٌ بها، فزعَم أنَّه إنَّما فارَقه لحالٍ كان عليها) [638] ((الفَرق بين الفِرَق)) (ص: 181). .
ويتَّضِحُ مِن عَرضِ أحوالِ أبي هاشِمٍ أنَّ غايتَه كغايةِ مَعمَرٍ وسائِرِ المُعتَزِلةِ، وهي التَّخلُّصُ مِن إثباتِ الصِّفاتِ حقيقةً في الذَّاتِ ومُتميِّزةً عنها؛ ولذلك رفَض استِعمالَ لفظِ الصِّفاتِ واستعاض عنها بالأحوالِ؛ فقال: إنَّ الصِّفاتِ على حيالِها ليست أشياءَ وذواتًا، وأنَّها لا موجودةٌ ولا معدومةٌ، ولا معلومةٌ ولا مجهولةٌ، وأنَّها لا توجَدُ إلَّا إذا تعلَّقَت بالذَّاتِ، ظانًّا أنَّه بذلك يُخفِّفُ مِن جوهريَّةِ الصِّفاتِ، ويُقلِّلُ مِن أهمِّيَّتِها؛ فجاءت أحوالُه شبيهةً مِن وُجوهٍ عديدةٍ بمعاني مَعمَرٍ، وكانت مُحاوَلتُه مُماثِلةُ لمُحاوَلةِ مَعمَرٍ [639] يُنظر: ((المُعتزِلة)) لجار الله (ص: 71). .
مُناقَشةُ فِكرةِ أحوالِ أبي هاشِمٍ:
رفَض العُلماءُ أحوالَ أبي هاشِمٍ، وردَّ عليه كثيرٌ منهم؛ كابنِ حَزمٍ، والباقِلَّانيِّ، والشَّهْرَسْتانيِّ، والبَغداديِّ.
أوَّلًا: قال ابنُ حَزمٍ في جُملةِ ردِّه على مُثبِتي الأحوالِ: (أخبِرونا عن هذه الأحوالِ: هل هي معانٍ ومُسمَّياتٌ... محدودةٌ، أم ليست معانيَ...؟
إن قالوا: ليست معانيَ ولا محدودةً ومُتميِّزًا بعضُها عن بعضٍ، ولا لها مُسمَّياتٌ، قيل لهم: فهذا هو معنى العَدَمِ حقًّا، فلِمَ قُلْتُم: إنَّها ليست معدومةً؟! فإن قالوا: هي معانٍ...، ولها مُسمَّياتٌ محدودةٌ مُتميِّزٌ بعضُها عن بعضٍ: قيل لهم: هذه صفةُ الموجودِ، فلِمَ قُلْتُم: إنَّها ليست موجودةً؟! وبذلك يَبطُلُ قولُهم: إنَّها ليست موجودةً ولا معدومةً، ويُقالُ لها أيضًا: هذه الأحوالُ أتقولونَ: إنَّها معقولةٌ أم لا؟
إن قالوا: إنَّها معقولةٌ، كانوا قد أثبَتوا لها معانيَ وحقائِقَ مِن أجْلِها عُقِلَت، فهي موجودةٌ؛ لأنَّ المعدومَ ليس معقولًا، ويُقالُ لهم: هل الأحوالُ في اللُّغةِ وفي المعقولِ إلَّا صفاتٌ لدى حالٍ؟ وهل الحالُ في اللُّغةِ إلَّا بمعنى التَّحوُّلِ مِن صفةٍ إلى أخرى؟ يُقالُ: هذه حالُ فلانٍ اليومَ، وكيف كانت حالُك بالأمسِ؟ فإذا كان الأمرُ هكذا ولا بُدَّ فهذه الأحوالُ موجودةٌ حقًّا، مخلوقةٌ ولا بُدَّ، فظهَر فسادُ قولِهم: إنَّها غَيرُ مخلوقةٍ، ونقولُ لهم: قُلْتُم: إنَّها لا حقٌّ ولا باطِلٌ، وكُلُّ ذي حسٍّ سليمٍ يعلَمُ أنَّ كُلَّ ما لم يكنْ حقًّا فهو باطِلٌ، وما لم يكنْ باطِلًا فهو حقٌّ، هذا الذي لا يُعقَلُ غَيرُه. فكيف وقد قال اللهُ تعالى: فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس: 32] ؟!
وقال تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [الأنفال: 8] .
وقال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: 9] .
وقال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: 2] .
فقد قطَع اللهُ تعالى أنَّه ليس إلَّا حقٌّ أو باطِلٌ، وليس إلَّا عِلمٌ أو جَهلٌ، وهو عَدمُ العِلمِ، وليس إلَّا وُجودٌ أو عَدمٌ، وليس إلَّا شيءٌ مخلوقٌ أو الخالِقُ، أو لفظةُ العَدمِ التي لا تقعُ على شيءٍ...؛ فقد أكذَبهم اللهُ في دعواهم، ولا يشُكُّ ذو حسٍّ سليمٍ أنَّ ما لم يكُنْ باطِلًا فهو حقٌّ، وما لم يكُنْ حقًّا فهو باطِلٌ، وما لم يكُنْ معلومًا فهو مجهولٌ، وما لم يكُنْ مجهولًا فهو معلومٌ، وما لم يكُنْ شيئًا فهو لا شيءَ، والعكسُ كذلك، وما لم يكُنْ موجودًا فهو معدومٌ، وما لم يكُنْ معدومًا فهو موجودٌ...، هذا كُلُّه معلومٌ بالضَّرورةِ، ولا يُعقَلُ غَيرُه. ولا فرقَ بَينَ ما قالوه في هذه القضيَّةِ وبَينَ القولِ اللَّازِمِ لهم ضرورةً، وهو أنَّ تلك الأحوالَ معدومةٌ موجودةٌ معًا، معلومةٌ مجهولةٌ معًا، وهذا هو نَفسُ قولِهم ومُقتضاه؛ لأنَّهم إذا قالوا: ليست حقًّا، فقد أوجَبوا أنَّها باطِلٌ، وإذا قالوا: ولا هي باطِلٌ، فقد أوجَبوا أنَّها حقٌّ، وهكذا في سائِرِ ما قالوا) [640] ((الفصل)) (5/51) بتصَرُّفٍ. ويُنظر أيضًا: ((الفَرق بين الفِرَق)) للبغدادي (ص: 196)، ((نهاية الإقدام)) للشَّهْرَسْتانيِّ (ص: 134). .
واجتِماعُ المُتضادَّينِ معلومٌ بالضَّرورةِ بُطلانُه؛ فما يُؤدِّي إليه مِثلُه.
ثانيًا: يُقالُ لهم: هذه الأحوالُ لا تخلو إمَّا أن تكونَ غَيرَ معلومةٍ أو معلومةً.
إن كانت غَيرَ معلومةٍ فلا سبيلَ إلى معرفتِها والدَّلالةِ عليها والعِلمِ بأنَّها لزيدٍ دونَ عَمرٍو؛ لأنَّ ما ليس بمعلومٍ لا يصِحُّ قيامُ دليلٍ عليه، ولا أن يُعلَمَ اضطِرارًا، ولا أن يُعلَمَ أنَّه لزيدٍ دونَ عَمرٍو؛ لأنَّ العِلمَ بأنَّ الحالَ حالٌ لفلانٍ فَرعٌ عن العِلمِ بالحالِ.
وكذلك العِلمُ بأنَّها معلومةٌ بالاستِدلالِ دونَ الاضطِرارِ فَرعٌ للعِلمِ بها جُملةً، فإذا استحال العِلمُ بها جُملةً استحال العِلمُ بأنَّها لفلانٍ دونَ فلانٍ، وأنَّها معلومةٌ بالاستِدلالِ دونَ الاضطِرارِ.
وممَّا يدُلُّ على فسادِ قولِكم: إنَّها غَيرُ معلومةٍ، أنَّه لا يخلو العِلمُ بأنَّ النَّفسَ على الحالِ مِن أن يكونَ عِلمًا بالنَّفسِ فقط دونَ الحالِ، أو عِلمًا بالحالِ فقط دونَ النَّفسِ، أو عِلمًا بهما جميعًا، أو عِلمًا لا بالنَّفسِ ولا بالحالِ.
فإذا كان عِلمًا لا بالنَّفسِ ولا بالحالِ فذلك مُحالٌ مِن قولِنا وقولِكم جميعًا، وإن كان عِلمًا بالنَّفسِ دونَ الحالِ فذلك مُحالٌ وموجِبٌ لأن يكونَ العِلمُ بالنَّفسِ أنَّها نَفسٌ عِلمًا بالحالِ، وأن يكونَ كُلُّ مَن عَلِم ذاتَ مَن له الحالُ ووُجودَه، عَلِم اختصاصَه بتلك الحالِ، وذلك مُحالٌ.
وإن كان العِلمُ بأنَّ النَّفسَ على الحالِ عِلمًا بالحالِ فقط فقد ثبَت أنَّ الحالَ معلومةٌ، وإن كان العِلمُ بذلك عِلمًا بالنَّفسِ والحالِ فقد وجَب أن يكونا معلومَينِ جميعًا، وأن تكونَ الحالُ معلومةً كما أنَّ النَّفسَ معلومةٌ، وهذا يُبطِلُ قولَكم: إنَّ الحالَ غَيرُ معلومةٍ.
وإن كانت هذه الحالُ معلومةً وجَب أن تكونَ إمَّا موجودةً أو معدومةً؛ فإن كانت معدومةً استحال أن توجِبَ حُكمًا وأن تتعلَّقَ بزيدٍ دونَ عَمرٍو، وبالقديمِ دونَ المُحدَثِ، وإن كانت موجودةً وجَب أن تكونَ شيئًا وصفةً مُتعلِّقةً بالعالَمِ، وإنَّما يحصُلُ الخلافُ في العبارةِ وفي تسميةِ هذا الشَّيءِ عِلمًا أو حالًا، وليس هذا بخلافٍ في المعنى؛ فوجَب صحَّةُ مذهَبِ إثباتِ الصِّفاتِ، وبُطلانُ القولِ بأنَّها أحوالٌ [641] يُنظر: ((التمهيد)) للباقِلَّاني (ص: 201) بتصَرُّفٍ. .
وممَّا يدُلُّ على بُطلانِ هذه الأحوالِ التي يزعُمُها بعضُ المُعتَزِلةِ أنَّ كُلَّ حالٍ يحتاجُ إلى حالٍ أخرى، وهكذا، فيتسَلسَلُ الأمرُ إلى ما لا نهايةَ، وهو باطِلٌ؛ فما يُؤدِّي إليه مِثلُه [642] يُنظر: ((التمهيد)) للباقِلَّاني (ص: 202). ، وبذلك تبطُلُ أحوالُ أبي هاشِمٍ.
إذًا أبرَزُ مواقِفِ المُعتَزِلةِ مِن الصِّفاتِ طريقانِ:
1- فأغلبيَّتُهم -وعلى رأسِهم النَّظَّامُ- نفاها، فقال: إنَّ اللهَ عالِمٌ بذاتِه لا بعِلمٍ، وهكذا في باقي الصِّفاتِ.
2- بعضُهم أثبَتها اسمًا، ونفاها فِعلًا، فقال: إنَّ اللهَ عالِمٌ بعِلمٍ وعِلمُه ذاتُه، وهكذا في بقيَّةِ الصِّفاتِ، فكان مُجتمِعًا معَ الرَّأيِ الأوَّلِ في الغايةِ، وهي نَفيُ الصِّفاتِ، والمقصودُ بنَفيِ الصِّفاتِ نَفيُ إثباتِها حقيقةً في الذَّاتِ ومُتميِّزةً عنها [643] يُنظر: ((فلسفة المُعتزِلة)) لنادر (ص: 46، 48). ، وذلك أنَّهم يجعلونَها عَينَ الذَّاتِ؛ فاللهُ عالِمٌ بذاتِه بدونِ عِلمٍ، أو عالِمٌ بعِلمٍ وعلمُه ذاتُه.
ثُمَّ خرجَت لهم بَعدَ ذلك آراءٌ أخرى؛ أهَمُّها:
1- معاني مَعمَرٍ.
2- أحوالُ أبي هاشِمٍ.
وهذان الرَّأيانِ يجتمِعانِ في الغايةِ معَ الرَّأيَينِ الأوَّلَينِ، وهو التَّخلُّصُ مِن إثباتِ الصِّفاتِ حقيقةً في الذَّاتِ، ومُتميِّزةً عنها.

انظر أيضا: