موسوعة الفرق

المسألةُ الثَّانيةُ: نقدُ رأيِ المُعتَزِلةِ في بعضِ مسائِلِ التَّشبيهِ والتَّجسيمِ


أوَّلًا: ماهيَّةُ الجسمِ عندَ المُعتَزِلةِ
وقد عرَّف القاضي عبدُ الجبَّارِ الجسمَ، فقال: (اعلَمْ أنَّ الجسمَ هو ما يكونُ عريضًا عميقًا، ولا يحصُلُ فيه الطُّولُ والعَرضُ والعُمقُ إلَّا إذا تركَّب مِن ثمانيةِ أجزاءٍ؛ بأن يحصُلَ جُزآنِ في قُبالةِ النَّاظِرِ، ويُسمَّى طولًا وخطًّا، ويحصُلَ جُزآنِ آخَرانِ عن يمينِه ويسارِه مُنضمَّانِ إليهما، فيحصُلَ العَرَضُ، ويُسمَّى سطحًا أو صَفْحةً، ثُمَّ يحصُلَ فَوقَها أربعةُ أجزاءٍ مِثلِها، فيحصُلَ العُمقُ، وتُسمَّى ثَمانيةُ الأجزاءِ المُركَّبةِ على هذا الوَجهِ جسمًا) [585] ((شرح الأصول الخمسة)) (ص: 217). .
ويُعلِّلونَ عَدمَ صحَّةِ إطلاقِ لفظِ الجسمِ على اللهِ (أنَّه تعالى لو كان جسمًا لكان مُحدَثًا، وقد ثبَت قِدَمُه؛ لأنَّ الأجسامَ كُلَّها يستحيلُ انفِكاكُها مِن الحوادِثِ التي هي الاجتِماعُ والافتِراقُ، والحركةُ والسُّكونُ، وما لا ينفكُّ عن المُحدَثِ يجِبُ حُدوثُه لا محالةَ) [586] ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (ص: 218). .
مُناقَشةُ رأيِ المُعتَزِلةِ في معنى الجِسميَّةِ:
يُقالُ للمُعتَزِلةِ: ما مقصودُكم مِن نَفيِ الجسمِ عن اللهِ؟ هل هو التَّقيُّدُ بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِه، فتنفونَ الجسمَ؛ لأنَّ النَّقلَ ورَد بنَفيِهما؟ أم تقصِدونَ تنزيهَ اللهِ عن مُشابَهةِ المخلوقاتِ؟!
إن كان الأوَّلَ؛ فإنَّه لم يَرِدْ في الكتابِ والسُّنَّةِ ما يُشيرُ إلى لفظِ الجسمِ بنَفيٍ أو إثباتٍ، وعلى ذلك يجِبُ عليكم السُّكوتُ عمَّا سكَت عنه النَّقلُ.
قال ابنُ القيِّمِ: (اعلَمْ أنَّ لفظَ الجسمِ لم ينطِقْ به الوَحيُ إثباتًا؛ فيكونَ له الإثباتُ، ولا نفيًا؛ فيكونَ له النَّفيُ) [587] ((الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)) (1 /112). ويُنظر: ((تلبيس الجهمية)) لابن تَيميَّة (1 /47). .
وإن كان مقصودُكم مِن نَفيِ الجسمِ تنزيهَ اللهِ عن مُشابَهةِ المخلوقاتِ، فنحن نوافِقُكم على أنَّه يجِبُ تنزيهُ اللهِ عن مُشابَهةِ ما سِواه، لكن شريطةَ التَّقيُّدِ بالكتابِ والسُّنَّةِ، ولأنَّهما لم يَرِدا بنَفيِ الجسمِ ولا إثباتِه، فإنَّه يجِبُ السُّكوتُ عمَّا سكَتا عنه. واللهُ أعلَمُ.
ثانيًا: تأويلُ المُعتَزِلةِ للاستِواءِ والمجيءِ والوَجهِ واليدِ والعَينِ والسَّاقِ
رتَّب المُعتَزِلةُ على نَفيِ الجسميَّةِ عن اللهِ تعالى نَفيَ كُلِّ ما يرونَه مُتضمِّنًا لها، وأوَّلوا ما ورَد في ذلك مِن نُصوصٍ؛ كالاستِواءِ، والمجيءِ، والوَجهِ واليدِ، والعَينِ والسَّاقِ. ويُذكَرُ هنا تأويلُهم لها، ثُمَّ الرَّدُّ عليهم:
1- الاستِواءُ:
ورَد في القرآنِ الكريمِ آياتٌ تُؤكِّدُ أنَّ اللهَ تعالى مُستوٍ على عرشِه، كقولِه تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] ، وقد رفَض المُعتَزِلةُ هذا المعنى الظَّاهِرَ الذي تُشيرُ إليه الآيةُ؛ لذا أوَّلوا: الاستِواءَ بالاستيلاءِ والقَهرِ والغَلَبةِ.
قال القاضي عبدُ الجبَّارِ بَعدَ سياقِه الآيةَ: (الاستِواءُ ههنا بمعنى الاستيلاءِ والقَهرِ والغَلَبةِ، وذلك مشهورٌ في اللَّغةِ؛ قال الشَّاعِرُ:
قد استوى بِشرٌ على العِراقِ مِن غَيرِ سيفٍ أو دَمٍ مُهْراقِ) [588] ((شرح الأصول الخمسة)) (ص: 126). .
المُناقَشةُ:
إنَّ تأويلَ المُعتَزِلةِ للاستِواءِ بالاستيلاءِ باطِلٌ مِن وُجوهٍ؛ منها:
1- أنَّ هذا التَّأويلَ يوجِبُ أن يكونَ تعالى لم يكنْ مُستولِيًا على العرشِ قَبلَ استِوائِه عليه، وهذا باطِلٌ، فما يُؤدِّي إليه مِثلُه.
2- أنَّ هذا التَّأويلَ لو كان صحيحًا لَما كان العرشُ أَولى بالاستيلاءِ مِن سائِرِ المخلوقاتِ، ولجاز لنا أن نقولَ: الرَّحمنُ على الأرضِ استوى؛ لأنَّه تعالى مُستولٍ عليها، وعلى كُلِّ ما خلَق، وهذا لا يقبَلُه أحدٌ؛ فدلَّ على بُطلانِه [589] يُنظر: ((أصول الدين)) للبغدادي (ص: 112)، ((الفصل)) لابن حزم (2 /123) بتصَرُّفٍ. .
3- استِشهادُكم بقولِ الشَّاعِرِ: "قد استَوى بِشرٌ على العراقِ...".
فيُقالُ: البيتُ مُحرَّفٌ، ولو لم يكنْ مُحرَّفًا فإنَّه دليلٌ عليكم لا لكم.
قال ابنُ القيِّمِ في جُملةِ ردِّه على مَن فسَّر الاستِواءَ بالاستيلاءِ: (إنَّ هذا البيتَ مُحرَّفٌ، وإنَّما هو هكذا: بِشرٌ قد استَولى على العراقِ... ثُمَّ قال: ولو صحَّ هذا البيتُ وصحَّ أنَّه غَيرُ مُحرَّفٍ، لم يكنْ فيه حُجَّةٌ، بل هو حُجَّةٌ عليهم، وهو على حقيقةِ الاستِواءِ؛ فإنَّ بِشرًا هذا كان أخا عبدِ الملِكِ بنِ مَروانَ، وكان أميرًا على العراقِ، فاستَوى على سريرِها، كما هو عادةُ المُلوكِ ونُوَّابِهم أن يجلِسوا فوقَ سريرِ المُلْكِ مُستوينَ عليه، وهذا هو المُطابِقُ لمعنى هذه اللَّفظةِ في اللَّغةِ، كقولِه تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف: 13] ، وقولِه تعالى: ... وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود: 44] ...) [590] ((مختصر الصواعق المرسلة)) لابن الموصلي (2 /136، 137). .
وأيضًا، فإنَّه لو كان استَوى في البيتِ بمعنى استَولى، كان المفروضُ أن يُقالَ: استَوى عبدُ الملِكِ لا بِشرٌ؛ لأنَّه هو الذي له المُلكُ، وإنَّما بِشرٌ أخوه والٍ عنه [591] يُنظر: ((مختصر الصواعق)) لابن الموصلي (2 /138). ؛ فدلَّ ما ذكَرْنا على بُطلانِ تأويلِ المُعتَزِلةِ للاستِواءِ بالاستيلاءِ. واللهُ أعلَمُ.
2- المجيءُ:
ورَد في القرآنِ الكريمِ آياتٌ تدُلُّ على مجيءِ اللهِ تعالى، كقولِه تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22] ، وقد رفَض المُعتَزِلةُ ما تدُلُّ عليه الآيةُ مِن المجيءِ؛ لذا أوَّلوها، فقالوا: (وجاء أمرُ ربِّك...).
قال القاضي عبدُ الجبَّارِ: (الآيةُ لا تدُلُّ على صحَّةِ ما يتعلَّقُ به المُشبِّهةُ في أنَّه تعالى كالواحِدِ منَّا... يجيءُ ويذهَبُ، ولو كان كذلك لكان مُحدَثًا...، والمُرادُ بالآيةِ: وجاء أمرُ ربِّك) [592] ((متشابه القرآن)) (2 /689)، ((شرح الأصول الخمسة)) (ص: 229، 230). .
المُناقَشةُ:
إنَّ نَفيَ المُعتَزِلةِ المجيءَ وتأويلَهم للآيةِ الدَّالَّةِ على ذلك: باطِلٌ، ويدُلُّ على بُطلانِ هذا التَّأويلِ ما يلي:
1- أنَّ في سياقِ الآيةِ ما يُبطِلُه، وهو عَطفُ مجيءِ الملَكِ على مجيءِ الرَّبِّ تعالى، وهذا يدُلُّ على تغايُرِ المجيئَينِ، وأنَّ مجيئَه تعالى حقيقةٌ، كما أنَّ مجيءَ الملَكِ حقيقةٌ، بل إنَّ مجيئَه تعالى أَولى بأن يكونَ حقيقةً مِن مجيءِ الملَكِ.
2- اطِّرادُ نِسبةِ المجيءِ إليه تعالى دليلٌ على الحقيقةِ، وقد صرَّحْتُم بأنَّ مِن علاماتِ الحقيقةِ الاطِّرادَ، فكيف كان هذا المُطَّرِدُ مَجازًا؟!
3- أنَّ إضمارَ ما لا يدُلُّ اللَّفظُ عليه أو ادِّعاءَ حذفِ ما لا دليلَ عليه: يرفَعُ الوُثوقَ بالخِطابِ، ويفتَحُ البابَ لكُلِّ مُبطِلٍ في ادِّعاءِ إضمارِ ما يُصحِّحُ باطِلَه.
4- أنَّ صحَّةَ اللَّفظِ واستِقامةَ التَّركيبِ لا تتوقَّفُ على هذا المحذوفِ، بل الكلامُ مستقيمٌ بدونِه، فإضمارُه خِلافُ الأصلِ؛ فلا يجوزُ [593] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (ص: 106- 107) بتصَرُّفٍ. .
3- الوَجهُ:
وردَت آياتٌ قرآنيَّةٌ تُشيرُ إلى أنَّ للهِ تعالى وَجهًا مِثلَ قولِه تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27]، وقولِه تعالى: ... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88] .
وقد رفَض المُعتَزِلةُ أن يكونَ للهِ وَجهٌ هو جُزءٌ منه؛ لذا أوَّلوا الوَجهَ الوارِدَ في الآيتَينِ، فقالوا: إنَّ المُرادَ بالوَجهِ هو الذَّاتُ.
قال القاضي عبدُ الجبَّارِ: (المُرادُ بالوَجهِ في قولِه تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88] أي: ذاتُه، والوَجهُ بمعنى الذَّاتِ مشهورٌ في اللَّغةِ، يُقالُ: وَجهُ هذا الثَّوبِ جيِّدٌ، أي: ذاتُه جيِّدةٌ) [594] ((شرح الأصول الخمسة)) (ص227). .
وقال بعضُهم: إنَّ كَلِمةَ "الوَجهِ" في الآيةِ زائِدةٌ، والتَّقديرُ: ويبقى ربُّك [595] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2/174). .
وذهَب البعضُ الآخَرُ منهم إلى أنَّ وَجهَ اللهِ تعالى هو قِبلتُه أو ثوابُه أو جزاؤُه [596] يُنظر: ((مقالات الإسلاميين)) للأشعري (2/65، 218)، ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2/174). .
المُناقَشةُ:
1- يُقالُ لهم: إنَّ تأويلَكم الوَجهَ بهذه التَّأويلاتِ حَملٌ للحقيقةِ على المجازِ، والمجازُ لا يمتنِعُ نَفيُه؛ فعلى هذا لا يمتنِعُ أن يُقالَ: ليس للهِ وجهٌ، ولا حقيقةَ لوَجهِه، وهذا تكذيبٌ صريحٌ لِما أخبَر الله به عن نَفسِه، وأخبَر به رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يُؤدِّي إلى هذا فإنَّه لا شكَّ في بُطلانِه [597] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2/175). .
2- يلزَمُ مِن حَملِكم وَجهَ اللهِ على المجازِ أن يكونَ سَمعُ اللهِ وبَصرُه وقُدرتُه وحياتُه وسائِرُ صفاتِه مجازًا لا حقيقةً، وهذا باطِلٌ، فما يُؤدِّي إليه مِثلُه [598] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2/175). .
3- يُقالُ لهم: إنَّ تأويلَكم الوَجهَ بمعنى الذَّاتِ لم يُعرَف في لغةٍ مِن لغاتِ الأمَمِ، وقولُكم: إنَّه اشتَهر في اللُّغةِ أنَّ الوَجهَ بمعنى الذَّاتِ، مردودٌ؛ فإنَّ الوَجهَ في اللُّغةِ هو مُستقبَلُ كُلِّ شيءٍ، وليس ذاتَه، ثُمَّ هو بحسَبِ المُضافِ إليه، فإن كان جمادًا محسوسًا فهو أحدُ جانبَيه، وإن كان معنويًّا كالنَّهارِ فوَجهُه أوَّلُه، وإن أُضيف إلى مَن ليس كمِثلِه شيءٌ كان وَجهُه كذلك لا يُماثِلُه شيءٌ [599] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2 /175، 176). . فلا يلزَمُنا تشبيهٌ كما تدَّعونَ؛ لأنَّا لم نقُلْ: إنَّ وَجهَه تعالى يُماثِلُ شيئًا، ولا يلزَمُنا تعطيلٌ كما لزِمكم عندَما أوَّلْتُم الوَجهَ بمعنى الذَّاتِ.
4- زَعْمُ مَن زعَم أنَّ الوَجهَ صِلةٌ، والتَّقديرُ: ويبقى ربُّك، فجوابُه: أن يُقالَ: هذا كذِبٌ على اللهِ وعلى رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعلى اللُّغةِ؛ فإنَّ هذه الكَلِمةَ ليست ممَّا عُهِد زيادتُها، ولو قيل: إنَّها زائِدةٌ، لساغ لمُعطِّلٍ آخَرَ أن يدَّعيَ الزِّيادةَ في قولِه: أعوذُ بعِزَّةِ اللهِ وقُدرتِه، ويكونَ التَّقديرُ: أعوذُ باللهِ، ويدَّعيَ مُعطِّلٌ ثالِثٌ الزِّيادةَ في سَمعِ اللهِ وبَصرِه وقُدرتِه وعِلمِه، وغَيرِ ذلك ممَّا يُريدُ نَفيَه [600] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2 /175). .
ومعلومٌ بُطلانُ هذا، فما يُؤدِّي إليه مِثلُه.
5- تأويلُ الوَجهِ بمعنى الثَّوابِ مِن أبطَلِ الباطِلِ: فاللُّغةُ لا تحتمِلُ ذلك، ولم يُعرَفْ أنَّ الجزاءَ يُسمَّى وَجهًا للمُجازي، ثُمَّ إنَّ الثَّوابَ مخلوقٌ؛ فقد صحَّ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه استعاذ بوَجهِ اللهِ؛ فعن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضِي اللهُ عنه قال: ((لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ [الأنعام: 65] ؛ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أعوذُ بوَجهِك، فقال: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أعوذُ بوَجهِك...)) الحديث [601] أخرجه البُخاريُّ (4628) من حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما. . ولا يُظَنُّ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يستعيذَ بمخلوقٍ [602] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2 /176، 177). .
6- أنَّ الوَجهَ ورَد مُضافًا إلى الذَّاتِ في جميعِ موارِدِه، والمُضافُ إلى الرَّبِّ نوعانِ:
النَّوعُ الأوَّلُ: أعيانٌ قائِمةٌ بنَفسِها، كبيتِ اللهِ.
النَّوعُ الثَّاني: صفاتٌ لا تقومُ بنَفسِها، كعِلمِ اللهِ وحياتِه وقُدرتِه وعزَّتِه وسائِرِ صفاتِه، فهذه إذا وردَت مُضافةً إليه تعالى فهي إضافةُ صفةٍ إلى الموصوفِ بها.
إذا عُرِف ذلك فوَجهُه الكريمُ إذا أُضيف إليه وجَب أن تكونَ إضافتُه إليه إضافةَ وَصفٍ لا إضافةَ خَلقٍ [603] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2 /179، 180) بتصَرُّفٍ. .
7- أنَّ تفسيرَ وَجهِ اللهِ بقِبلةِ اللهِ، وإن قاله بعضُ السَّلفِ، فإنَّما قالوه في موضِعٍ واحِدٍ: وهو قولُه تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: 115] ، ولو فُرِض صحَّتُه هنا فإنَّه لا يصِحُّ في سائِرِ المواضِعِ، كما أنَّه لا يتعيَّنُ حَملُه على القِبلةِ والجهةِ في قولِه تعالى: ... فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: 115] ، ولا يمتنِعُ حَملُه على وَجهِ الرَّبِّ حقيقةً، وأيضًا: فإنَّه لا يُعرَفُ في اللُّغةِ الوَجهُ بمعنى القِبلةِ، بل للقِبلةِ اسمٌ يخُصُّها، وللوَجهِ اسمٌ يخُصُّه، فلا يدخُلُ أحدُهما في الآخَرِ، ولا يُستعارُ اسمُه له.
ثُمَّ إنَّه لو كان المُرادُ بوَجهِ اللهِ قِبلةَ اللهِ، لكان قد أضاف إليه القِبَلَ كُلَّها [604] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2 /180، 181، 184). بتصَرُّفٍ. ، وهو باطِلٌ؛ فما يُؤدِّي إليه مِثلُه.
4- اليدُ:
ورَد في القرآنِ الكريمِ آياتٌ تدُلُّ على أنَّ للهِ يدًا، كقولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: 10] ، وقولِه تعالى: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] ، وقولِه تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64] .
وقد رفَض المُعتَزِلةُ ما تدُلُّ عليه الآياتُ مِن إثباتِ اليدِ للهِ تعالى؛ لذلك أوَّلوها بالقُدرةِ أو القوَّةِ أو النِّعمةِ.
قال القاضي عبدُ الجبَّارِ: (إنَّ اليدَ في قولِه تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] بمعنى: القوَّةِ، وذلك ظاهِرٌ في اللُّغةِ؛ يُقالُ: ما لي في هذا الأمرِ يدٌ، أي: قوَّةٌ) [605] ((شرح الأصول الخمسة)) (ص: 228). .
وقال أيضًا: (إنَّ اليدَ في قولِه تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64] ، بمعنى: النِّعمةِ) [606] ((شرح الأصول الخمسة)) (ص: 228). .
المُناقَشةُ:
إنَّ اللهَ تعالى قال: بِيَدَيَّ، وهذا يقتضي إثباتَ يدَينِ هما صفةٌ له، فلو كان المُرادُ القُدرةَ لوجَب أن يكونَ له تعالى قُدرتانِ، وأنتم تقولونَ: إنَّ للباري سُبحانَه وتعالى قُدرةٌ واحِدةٌ، فكيف يجوزُ أن تُثبِتوا له تعالى قُدرتَينِ؟!
وأيضًا: فقد أجمَع المُسلِمونَ على أنَّه لا يُقالُ: إنَّ للهِ تعالى قُدرتَينِ، فبطَل ما قُلْتُم.
وأمَّا تأويلُكم لليدِ بالنِّعمةِ فإنَّه يُؤدِّي إلى أنَّ اللهَ تعالى قد خلَق آدَمَ بنعمتَينِ، وهذا لا يجوزُ؛ لأنَّ نِعَمَ اللهِ على آدَمَ وغَيرِه لا تُحصى، ولأنَّه لا يُقالُ في اللُّغةِ: رفعْتُ الشَّيءَ بيَدي، وهو يعني نِعمتَه.
ولو كان المُرادُ باليدِ: القُدرةَ أو النِّعمةَ لَما غفَل عن ذلك إبليسُ، ولقال: وأيُّ فَضلٍ لآدَمَ عليَّ يقتضي أن أسجُدَ له، وأنا قد خلقْتَني بيدِك التي هي قُدرتُك أو نِعمتُك؟ ومعلومٌ أنَّ اللهَ تعالى فضَّل آدَمَ عليه بخَلقِه بيدَيه؛ فلا بُدَّ إذًا أن تكونَ اليدانِ شيئًا غَيرَ القُدرةِ أو النِّعمةِ؛ ليكونَ للتَّفضيلِ وَجهٌ [607] يُنظر: ((التمهيد)) للباقِلَّاني (ص: 259). .
5- العَينُ:
ورَد في القرآنِ الكريمِ آياتٌ تُثبِتُ العَينَ للهِ تعالى، كقولِه تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: 39] .
وقد أوَّلها المُعتَزِلةُ بالعِلمِ؛ لأنَّ إثباتَ العَينِ في اعتِقادِهم يُؤدِّي إلى التَّجسيمِ.
قال القاضي عبدُ الجبَّارِ: (المُرادُ بقولِه تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي أي: لتقعَ على الصَّنعةِ على عِلمي) [608] ((شرح الأصول الخمسة)) (ص: 227). .
المُناقَشةُ:
1- الأصلُ في الكلامِ الحقيقةُ، وصَرفُه عن الحقيقةِ إلى المجازِ يحتاجُ إلى دليلٍ، ولا دليلَ لديكم؛ وعليه فيبقى المعنى الظَّاهِرُ، ويلزَمُ إثباتُه بلا تكييفٍ، وهو أنَّ للهِ عينًا على ما يليقُ بجلالِه.
2- إثباتُ العَينِ للهِ تعالى صفةُ كمالٍ، ونَفيُها عنه صفةُ نقصٍ، ولمَّا كان سُبحانَه وتعالى هو الأحَقَّ بالكمالِ المُنزَّهِ عن النَقائِصِ، وجَب إثباتُ هذه الصِّفةِ كما وردَت.
3- ورَد في الكتابِ والسُّنَّةِ اطِّرادُ هذه الصِّفةِ، ومِن علاماتِ الحقيقةِ عندَ المُعتَزِلةِ: الاطِّرادُ، فيلزَمُ إثباتُها [609] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2/107). .
4- ورَد عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قولُه: ((وإنَّ ربَّكم ليس بأعوَرَ )) [610] أخرجه البُخاريُّ (7131)، ومسلم (2933)، من حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه. ، فنفى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن ربِّه صفةَ العَوَرِ، وهذا يدُلُّ على ثُبوتِ العَينَينِ له تعالى حقيقةً [611] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (1/39). .
5- لا يلزَمُنا مِن إثباتِ العَينِ للهِ تعالى حقيقةً تجسيمٌ، أو تشبيهٌ؛ لأنَّا لم نقُلْ كعَينِ المخلوقِ، بل نقولُ: إنَّ له تعالى عَينًا على ما يليقُ بجلالِه، وأيضًا فإنَّا وإيَّاكم اتَّفَقنا على أنَّ للهِ تعالى قُدرةً، ولم يستلزِمْ ذلك تجسيمًا ولا تمثيلًا، فكذلك إثباتُ صفةِ العَينِ للهِ تعالى على ما يليقُ بجلالِه لا يستلزِمُ تجسيمًا. وبذلك يظهَرُ بُطلانُ تأويلِ العَينِ للهِ تعالى بمعنى العِلمِ.

انظر أيضا: