موسوعة الفرق

المَبحَثُ السَّابعُ: مِن الفِرَقِ الاعتِزاليَّةِ: فِرقةُ البِشْريَّةِ


وهُم أتباعُ بِشرِ بنِ المُعتمِرِ الهِلاليِّ مِن أهلِ بغدادَ، وقيل: مِن أهلِ الكوفةِ، ولعلَّه كان كوفيًّا، ثُمَّ انتقَل إلى بغدادَ، وهو رئيسُ مُعتَزِلةِ بغدادَ، ومِن تلامذةِ ثُمامةَ بنِ الأشرَسِ، تُوفِّي في حُدودِ سنةِ 210هـ [286] يُنظر: ((المُنْية والأمل)) (ص: 49)، ((أمالي المرتضى)) (1/ 186) كلاهما لابن المرتضي، ((الأعلام)) للزِّرِكْلي (2/ 55). .
مِن أقوالِه التي انفرَد بها عن أصحابِه ما يلي:
الأولى: إفراطُه في بابِ التَّولُّدِ [287] المرادُ بالتوَلُّدِ في اللُّغةِ: حصولُ الشَّيءِ عن الشَّيءِ. وهو بمعناه اللُّغويِّ موجودٌ عند الفلاسفةِ في حقِّ اللهِ تعالى، وإن لم يعبِّروا عنه بلفظِ ‌التولُّدِ؛ فالفلاسفةُ يرونَ أنَّ العقولَ والنُّفوسَ متولِّدةٌ عن اللهِ تولُّدًا أزليًّا لازمًا لذاتِه، والعالَمُ متولِّدٌ عن ذلك، فالعالَمُ كُلُّه متولِّدٌ عندهم عن اللهِ تولُّدًا أزليًّا لازمًا لذاتِه. ولفظُ التولُّدِ والتوليدِ عند المُعتزِلةِ: هو الفعلُ الذي يكونُ بسببٍ من الإنسانِ ويحُلُّ في غيرِه. وقيل: هو الفِعلُ الذي أوجبتُ سَبَبَه فخرج من أن يمكِنَني تركُه، وقد أفعلُه في نفسي وأفعلُه في غيري. وقد وقع الخلافُ فيها بينَ الفِرَقِ على ثلاثةِ أقوالٍ: القولُ الأوَّلُ: قولُ القَدَريَّةِ: وهم لا يجعلون المتولِّداتِ مِن فِعلِ اللهِ، بل يقولونَ: هو متولِّدٌ عن نظرِه؛ كتولُّدِ الشِّبَعِ عن الأكلِ، والرِّيِّ عن الشُّربِ، والجُرحِ عن الجَرحِ، فيجعلون هذه الأمورَ المتولِّداتِ عن الأسبابِ المباشِرةِ مِن فعلِ العبدِ فقط، كما يقولون في الأمورِ المباشِرةِ. القولُ الثَّاني: قولُ الجَبْريَّةِ ومن وافقَهم: لم يجعلوا للعبدِ فِعلًا ولا أثرًا في هذه المتولِّداتِ، بل جعلوها من مخلوقاتِ اللهِ، التي لا تدخُلُ تحتَ مقدورِ العبادِ ولا فِعلِهم، ولم يجعَلْ للعبدِ فعلًا إلَّا ما كان في محَلِّ قدرتِه، وهو ما قام ببَدَنِه دونَ ما خرج عن ذلك. القولُ الثَّالثُ: وهو القولُ الوَسَطُ الذي عليه أهلُ السُّنَّةِ في المتولِّداتِ، وهو أنَّ هذه الأمورَ -التي يقالُ لها المتولِّداتُ- حاصلةٌ بسَبَبِ فِعلِ العبدِ، وبالأسبابِ الأُخرى التي يخلقُها اللهُ؛ فالشِّبَعُ يحصُلُ بأكلِ العبدِ وابتلاعِه، وبما جعله اللهُ في الإنسانِ وفي الغذاءِ من القوى المُعينةِ على حصولِ الشِّبَعِ، وكذلك الزُّهوقُ حاصِلٌ بفِعلِ العبدِ وبما جعلَه في المحلِّ من قَبولِ الانقطاعِ، وهو سبحانَه خالِقٌ للأثرِ المتولِّدِ عن هذينِ السَّبَبينِ، اللَّذَينِ أحَدُهما فعلُ العبدِ، وهو خالِقٌ للسَّبَبينِ جميعًا؛ ولهذا كان العبدُ مثابًا على المتولِّداتِ، واللهُ تعالى يكتُبُ له بها عَملًا، وقد ذُكِرت الأفعالُ المباشِرةُ والمتولِّدةُ في آيتينِ في القرآنِ؛ قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ [ التوبة: 120] فهذه الأمورُ كُلُّها هي ممَّا يسمُّونَه متولِّدًا، فإنَّ العَطَشَ والتَّعَبَ والجوعَ هو من المتوَلِّداتِ؛ فالأمرُ واحدٌ في سائرِ العلومِ والأعمالِ التي تقعُ للعبدِ أو يعتَقِدُها بقَلبِه، سواءٌ منها المباشِرةُ، أو غيرُ المباشِرةِ. يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تَيميَّة (9/ 30)، ((جهود شيخ الإسلام في توضيح الإيمان بالقدر)) لمتولي (1/ 302- 305)، ((الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية)) للعمرو (ص: 367). حتَّى قال: إنَّ الإنسانَ يخلُقُ اللَّونَ والطَّعمَ والرَّائِحةَ، والسَّمعَ والبَصرَ وجميعَ الإدراكاتِ على سبيلِ التَّولُّدِ، وكذلك يخلُقُ الحرارةَ والبُرودةَ والرُّطوبةَ واليُبوسةَ [288] يُنظر: ((التبصير في الدين)) للإسْفِرايِيني (ص: 74). .
قال الإسْفِرايِينيُّ: (هو في هذا القولِ مُخالِفٌ لإجماعِ المُسلِمينَ...، والمُعتَزِلةُ الذين يقولونَ بالتَّولُّدِ لا يُفرِطونَ فيه، ولا يقولونَ بالتَّولُّدِ إلَّا في الحَركاتِ والاعتِماداتِ، فهذه له بِدعةٌ زائِدةٌ على بِدَعِهم) [289] ((التبصير في الدين)) (ص: 75). .
الثَّانيةُ: أنَّ حركةَ الجِسمِ توجَدُ في المكانِ الأوَّلِ، لا في مكانٍ ثانٍ، ولا واسِطةَ بَينَهما، وإذا لم يكنْ بَينَ المكانَينِ واسِطةٌ لم يكنْ هذا الكلامُ الذي يقولُه معقولًا، ولم يكنْ له حقيقةٌ بحالٍ [290] يُنظر: ((التبصير في الدين)) للإسْفِرايِيني (ص: 75). .
الثَّالثةُ: قال: مَن تاب عن كبيرةٍ ثُمَّ راجَعها، عاد استِحقاقُه العقوبةَ الأولى، وقولُه هذا مُخالِفٌ لإجماعِ المُسلِمينَ؛ لأنَّ المُعتَزِلةَ وإن قالوا: إنَّ الفاسِقَ يُخلَّدُ في النَّارِ، فإنَّهم لا يقولونَ: إنَّه يُعاقَبُ في النَّارِ على ما تاب منه مِن الذُّنوبِ [291] يُنظر: ((المِلَل والنِّحَل)) للشَّهْرَسْتانيِّ (1/65). ويُنظر: ((التبصير في الدين)) للإسْفِرايِيني (ص: 75). .
الرَّابعةُ: قولُه: إنَّ ما يقدِرُ اللهُ عليه مِن اللُّطفِ لا غايةَ له ولا نهايةَ، وعندَ اللهِ مِن اللُّطفِ ما هو أصلَحُ ممَّا فعَل ولم يفعَلْه، ولو فعَله بالخَلقِ ‌آمَنوا طوعًا لا كَرهًا، وقد فعَل بهم لُطفًا يقدِرونَ به على ما كلَّفهم [292] يُنظر: ((مقالات الإسلاميين)) للأشعري (2/414)، ((المِلَل والنِّحَل)) للشَّهْرَسْتانيِّ (1/65). .
قال الأشعَريُّ: (قالت المُعتَزِلةُ كُلُّها غَيرَ بِشرِ بنِ المُعتمِرِ: إنَّه لا لُطفَ عندَ اللهِ لو فعَله بمَن لا يُؤمِنُ لآمَن، ولو كان عندَه لُطفٌ لو فعَله بالكُفَّارِ لآمَنوا، ثُمَّ لم يفعَلْ بهم ذلك لم يكنْ مُريدًا لمنفعتِهم، فلم يصِفوا ربَّهم بالقُدرةِ على ذلك، تعالى اللهُ عمَّا يقولونَ عُلوًّا كبيرًا) [293] ((مقالات الإسلاميين)) (2/ 414). .

انظر أيضا: