موسوعة الفرق

المَبحَثُ الأوَّلُ: أهمُّ المسائِلِ العَقَديَّةِ التي خالف الماتُريديَّةُ فيها السَّلَفَ الصَّالحَ


1- خالَفَت الماتُريديَّةُ في مفهومِ توحيدِ الألوهيَّةِ؛ إذ هو عندهم بمعنى أنَّ اللهَ واحِدٌ في ذاتِه لا قسيمَ له، ولا جزءَ له، وواحِدٌ في صفاتِه لا شبيهَ له، وواحِدٌ في أفعالِه لا شريكَ له. وأهلُ السُّنَّةِ يخالفونَهم في هذا المفهومِ لتوحيدِ الألوهيَّةِ.
2- اعتَمَدت الماتُريديَّةُ في إثباتِ وُجودِ اللهِ تعالى على دليلِ حُدوثِ الأعراضِ والأجسامِ، وهي طريقةٌ باطلةٌ لا اعتبارَ لها عِندَ السَّلَفِ، وإنما هي طريقةُ غلاةِ الفلاسِفةِ وأهلِ الكلامِ المذمومِ.
3- استدَلَّ الماتُريديَّةُ على وحدانيَّةِ اللهِ تعالى بقولِه عزَّ وجلَّ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء: 22] ، وهو ما يسمِّيه البعضُ بدليلِ التَّمانُعِ، وقد خطَّأهم السَّلَفُ في هذا المفهومِ، مع إقرارِ السَّلَفِ بأنَّ دليلَ التَّمانُعِ صحيحٌ في دلالتِه على امتناعِ صُدورِ العالمِ عن إلهينِ، لكِنْ ليس هذا هو المقصودَ من الآيةِ الكريمةِ.
قال ابنُ أبي العِزِّ: (كَثيرٌ مِن أهْلِ النَّظَرِ يَزعُمونَ أنَّ دَليلَ التَّمانُعِ هو مَعْنى قَولِه تَعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: 22] ؛ لاعْتِقادِهم أنَّ تَوْحيدَ الرُّبوبيَّةِ الَّذي قَرَّروه هو تَوْحيدُ الإلَهيَّةِ الَّذي بَيَّنَه القُرْآنُ، ودَعَتْ إليه الرُّسُلُ عليهم السَّلامُ، وليس الأمْرُ كذلك، بلِ التَّوْحيدُ الَّذي دَعَتْ إليه الرُّسُلُ ونَزَلَتْ به الكُتُبُ هو تَوْحيدُ الإلَهيَّةِ المُتَضَمِّنُ تَوْحيدَ الرُّبوبيَّةِ، وهو عِبادةُ اللهِ وَحْدَه لا شَريكَ له؛ فإنَّ المُشرِكينَ مِن العَربِ كانوا يُقِرُّونَ بتَوْحيدِ الرُّبوبيَّةِ، وأنَّ خالِقَ السَّمَواتِ والأرْضِ واحِدٌ، كما أَخبَرَ تَعالى عنهم بقَولِه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: 25] ، قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [المؤمنون: 84-85] ، ومِثلُ هذا كَثيرٌ في القُرْآنِ. ولم يَكونوا يَعْتَقِدونَ في الأصْنامِ أنَّها مُشارِكةٌ للهِ في خَلْقِ العالَمِ، بلْ كانَ حالُهم فيها كحالِ أمْثالِهم مِن مُشرِكي الأُمَمِ مِن الهِنْدِ والتُّرْكِ والبَرْبَرِ وغَيرِهم؛ تارةً يَعْتَقِدونَ أنَّ هذه تَماثيلُ قَوْمٍ صالِحينَ مِن الأنْبياءِ والصَّالِحينَ، ويَتَّخِذونَهم شُفَعاءَ، ويَتَوَسَّلونَ بِهم إلى اللهِ، وهذا كانَ أصْلَ شِرْكِ العَربِ ...، ومِن أسْبابِ الشِّرْكِ عِبادةُ الكَواكِبِ، واتِّخاذُ الأصْنامِ بحَسَبِ ما يُظَنُّ أنَّه مُناسِبٌ للكَواكِبِ مِن طِباعِها. وشِرْكُ قَوْمِ إبْراهيمَ عليه السَّلامُ كانَ -فيما يُقالُ- مِن هذا البابِ. وكذلك الشِّرْكُ بالمَلائِكةِ والجِنِّ، واتِّخاذُ الأصْنامِ لهم. وهؤلاء كانوا مُقِرِّينَ بالصَّانِعِ، وأنَّه ليس لِلعالَمِ صانِعانِ، ولكنِ اتَّخَذوا هؤلاء شُفَعاءَ، كما أَخبَرَ عنهم تَعالى بقَولِه: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: 3] ، وقال تَعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس: 18] . وكذلك كانَ حالُ الأُمَمِ السَّالِفةِ المُشرِكةِ الَّتي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ، كما حَكى اللهُ تَعالى في قِصَّةِ صالِحٍ عليه السَّلامُ عن تِسْعةِ الرَّهْطِ الَّذين تَقاسَموا باللهِ، أي: تَحالَفوا باللهِ، لنُبَيِّتَنَّه وأهْلَه، فهؤلاء المُفسِدونَ المُشرِكونَ تحَالَفوا باللهِ عِندَ قَتْل نَبيِّهم وأهْلِه، وهذا يُبَيِّنُ أنَّهم كانوا مُؤمِنينَ باللهِ إيمانَ المُشرِكينَ؛ فعُلِمَ أنَّ التَّوْحيدَ المَطْلوبَ هو تَوْحيدُ الإلَهيَّةِ الَّذي يَتَضَمَّنُ تَوْحيدَ الرُّبوبيَّةِ) [640] ((شرح الطحاوية)) (1/ 28 - 32).  .
4- أثبت الماتُريديَّةُ جميعَ الأسماءِ الحُسنى لدَلالةِ السَّمعِ عليها، إلَّا أنَّهم غَلَوا في الإثباتِ ومدلولِ الأسماءِ؛ لعَدَمِ تفريقِهم بَينَ ما جاء في بابِ التَّسمةِ وبَينَ ما جاء في بابِ الإخبارِ عن اللهِ، فمدلولُ الاسمِ عِندَهم هو الذَّاتُ، وهذا خاصٌّ في اسمِ اللهِ فقط، وأمَّا ما عداه فمدلولُه يؤخَذُ عندَهم من الصِّفاتِ التي أثبتوها، فلم يَقِفوا على ما ثبت بالسَّمعِ فقط.
5- وقف الماتُريديُّون في باب الصِّفاتِ على إثباتِ بَعضِ الصِّفاتِ دونَ غَيرِها، فأثبَتوا من الصِّفاتِ: القُدرةَ، العِلمَ، الحياةَ، الإرادةَ، السَّمعَ، البَصَرَ، الكلامَ، التَّكوينَ؛ وذلك لدلالةِ العقلِ عليها عندهم، وهو تحكُّمٌ باطِلٌ، وقد ألزمهم أهلُ السُّنَّةِ بإثباتِ ما نفوه بنفسِ الدَّليلِ الذي أثبتوا به تلك الصِّفاتِ الثَّمانيَ.
6- نفت الماتُريديَّةُ جميعَ الصِّفاتِ الخبَريَّةِ الثَّابتةِ بالكِتابِ والسُّنَّةِ؛ لأنَّ في إثباتِها -بزعمِهم- مخالفةً للعَقلِ الذي يرى في إثباتِها ما يدعو إلى وَصفِ اللهِ تعالى بالتَّشبيهِ والتَّجسيمِ. وكذلك نفَوا الصِّفاتِ الاختياريَّةَ للهِ تعالى التي هي صفاتُ الفِعلِ اللَّازمةُ لله تعالى؛ لأنها كذلك تؤدِّي إلى التَّشبيهِ والتَّجسيمِ، وقد أبطل السَّلَفُ هذا المفهومَ، وفنَّدوا شُبَهَهم.
7- يعتقِدُ الماتُريديُّون أنَّ كلامَ اللهِ تعالى معنًى واحِدٌ قديمٌ أَزَليٌّ، ليس له تعلُّقٌ بمشيئةِ اللهِ تعالى وقدرتِه، وأنَّه ليس بحَرفٍ ولا صوتٍ، بل هو كلامٌ نَفسيٌّ لا يُسمَعُ، بل المسموعُ منه إنما هو عبارةٌ عنه، وهو اعتقادٌ باطِلٌ مخالِفٌ للكتابِ والسُّنَّةِ وما عليه السَّلَفُ.
8- يحصُرُ الماتُريديُّون الدَّليلَ على صدقِ الأنبياءِ في ظُهورِ المعجِزاتِ على أيديهم. والسَّلَفُ يخالفون في أنَّ المعجِزاتِ دليلٌ صَحيحٌ مُعتَبَرٌ لصِدقِ الأنبياءِ، ولكِنَّهم لا يحصُرونَ أدِلَّةَ صِدقِ الأنبياءِ في المعجِزاتِ فقط دونَ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ الأخرى.
9- يرى الماتُريديُّون أنَّ كُلَّ المسائِلِ المُتعَلِّقةِ باليومِ الآخرِ لا تُعلَمُ إلَّا بالسَّمعِ، والسَّلَفُ يخالفونهم في هذا، ويقولون: إنَّ تلك المسائِلَ عُلِمت بالسَّمعِ، ودَلَّ العقلُ على كثيرٍ من أمورِ الآخرةِ كالبعثِ والحِسابِ والجزاءِ.
10- أثبت الماتُريديُّون رؤيةَ اللهِ تعالى، ولكِنَّهم نفوا الجهةَ والمقابلةَ، وخالفهم السَّلَفُ، واعتبر أهلُ السُّنَّةِ قولَ الماتُريديَّةِ تناقضًا واضطرابًا في مفهومِهم للرُّؤيةِ، ويؤدِّي إلى إثباتِ ما لا يمكِنُ رؤيتُه، وإلى نفيِ جِهةِ العُلوِّ المطلَقِ الثَّابِتِ للهِ تعالى.
11- ذهب الماتُريديُّون في خلقِ أفعالِ العبادِ إلى إثباتِ إرادةٍ للعبادِ مُستَقِلَّةٍ عن مشيئةِ اللهِ تعالى، وأنَّ خَلقَ اللهِ لأفعالِهم إنَّما هو تَبَعٌ لإرادتِهم غيرِ المخلوقةِ، والسَّلَفُ يعتَقِدون أنَّ المشيئةَ للهِ تعالى وَحْدَه، وأنَّ للعبادِ مَشيئةً لا تخرُجُ عن مشيئةِ اللهِ تعالى.
12- ذهبت الماتُريديَّةُ إلى أنَّ الإيمانَ هو التَّصديقُ بالقَلبِ فقط، وقال بعضُهم: إنَّه التَّصديقُ بالقلبِ والإقرارُ باللِّسانِ، ومنعوا زيادتَه ونُقصانَه، وحرَّموا الاستثناءَ فيه، ولم يفرِّقوا بَينَ مفهومِ الإيمانِ والإسلامِ.
وخالفهم السَّلَفُ في كُلِّ ذلك؛ فإنَّ الإيمانَ عندهم هو الإقرارُ باللِّسانِ، والتَّصديقُ بالجَنانِ، والعَمَلُ بالأركانِ، وأنَّه يزيدُ وينقُصُ، ويجوزُ الاستثناءُ فيه؛ لعَدَمِ جوازِ تزكيةِ النَّفسِ، وأمَّا الإسلامُ والإيمانُ فإنَّهما متلازمانِ: إذا اجتَمَعا افتَرَقا، وإذا افتَرَقا اجتَمَعا.
13- يرى الماتُريديُّون أنَّ الفاسِقَ مؤمِنٌ كامِلُ الإيمانِ، بينما يرى السَّلَفُ أنَّه مؤمِنٌ بإيمانِه، فاسِقٌ بكبيرتِه، وأنَّه ضعيفُ الإيمانِ، فلا يَسلُبون منه الإيمانَ، ولا يُثبِتون له الكمالَ فيه.

انظر أيضا: