موسوعة الفرق

المَطلَبُ الثَّاني: وَسَطيَّةُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ بَينَ الفِرَقِ التي تنتَسِبُ إلى الإسلامِ في الحُكمِ على أصحابِ المعاصي


حُكْمُ العاصي في الدُّنيا عِندَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّه لا يخرُجُ عن اسمِ الإسلامِ، فهو مُؤمِنٌ بإيمانِه فاسِقٌ بكبيرتِه، وأمَّا في الآخِرةِ فحُكمُه إلى اللهِ تعالى؛ إن شاء غَفَر له، وإن شاء عاقَبَه، لكِنَّه لا يُخَلَّدُ في النَّارِ إن دخَلها، وهذا هو الذي تجتَمِعُ عليه النُّصوصُ من كتابِ اللهِ تعالى ومن سُنَّةِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (يؤمِنُ أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ بأنَّ فُسَّاقَ المُسلِمين معهم بعضُ الإيمانِ وأصلُه، وليس معهم جميعُ الإيمانِ الواجِبِ الذي يستوجِبون به الجَنَّةَ، وأنَّهم لا يُخَلَّدون في النَّارِ، بل يَخرُجُ منها مَن كان في قَلْبِه مِثقالُ حَبَّةٍ مِن إيمانٍ أو مِثقالُ خَردَلةٍ مِن إيمانٍ، وأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ادَّخَر شَفاعتَه لأهلِ الكبائِرِ مِن أُمَّتِه) [121] ((مجموع الفتاوى)) (3/375). .
والأدِلَّةُ على ذلك كثيرةٌ؛ منها قولُ اللهِ تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48] .
قال السَّعديُّ: (يخبِرُ تعالى أنَّه لا يَغفِرُ لِمَن أشرَك به أحدًا من المخلوقين، ويَغفِرُ ما دونَ الشِّركِ من الذُّنوبِ صغائِرِها وكبائِرِها، وذلك عِندَ مشيئتِه مَغفرةَ ذلك إذا اقتَضَت حكمتُه مَغفرتَه؛ فالذُّنوبُ التي دونَ الشِّركِ قد جعَل اللهُ لمغفرتِها أسبابًا كثيرةً؛ كالحَسَناتِ الماحيةِ، والمصائِبِ المُكَفِّرةِ في الدُّنيا، والبَرْزَخِ ويومِ القيامةِ، وكدُعاءِ المؤمنينَ بعضِهم لبعضٍ، وبشفاعةِ الشَّافِعين. ومِن فوقِ ذلك كُلِّه رحمتُه التي أحَقُّ بها أهلُ الإيمانِ والتَّوحيدِ. وهذا بخِلافِ الشِّركِ؛ فإنَّ المُشرِكَ قد سَدَّ على نفسِه أبوابَ المغفرةِ، وأغلَق دونَه أبوابَ الرَّحمةِ؛ فلا تنفَعُه الطَّاعاتُ مِن دونِ التَّوحيدِ، ولا تفيدُه المصائِبُ شيئًا، وما لهم يومَ القيامةِ مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: 100-101] ) [122] ((تفسير السعدي)) (ص: 181). .
أمَّا الفِرَقُ الأخرى فكانت بَينَ إفراطٍ وتفريطٍ في الحُكمِ على العاصي؛ فقد حَكَم عليه بعضُهم كالخوارجِ بأنَّه كافِرٌ في الدُّنيا ومخَلَّدٌ في الآخِرةِ في النَّارِ.
وقالت المُعتَزِلةُ: هو في مَنزِلةٍ بَينَ المَنزِلتَينِ في الدُّنيا، فلا هو بمؤمِنٍ ولا هو بكافِرٍ، ولكِنَّه في الآخِرةِ مخلَّدٌ في النَّارِ، وقابَلَهم المُرجِئةُ فحَكَموا بإيمانِ الفاسِقِ إيمانًا كامِلًا في الدُّنيا [123] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) للعثيمين (2/ 71 - 74)، ((وسطية أهل السنة بين الفرق)) لمحمد باكريم (ص: 334 - 353). !

انظر أيضا: