موسوعة الفرق

الفصلُ الثَّاني: مَوقِفُ المُرجِئةِ مِن أدلَّةِ زِيادةِ الإيمانِ ونُقصانِه


القائِلونَ بأنَّ الإيمانَ لا يَزيدُ ولا ينقُصُ وجَدوا النُّصوصَ الكثيرةَ الدَّالَّةَ على زيادةِ الإيمانِ ونُقصانِه تتعارَضُ معَ قولِهم، فلم يجِدوا بُدًّا مِن تأويلِها وصَرفِها عن ظاهِرِها الصَّريحِ إلى صُنوفٍ مِن التَّأويلاتِ والتَّحريفاتِ [423] يُنظر: ((زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه)) لعبد الرزاق البدر (ص: 397). .
وهذه بعضُ أجوبتِهم:
1- أنَّ المُرادَ الزِّيادةُ بحسَبِ الدَّوامِ والثَّباتِ، وكثرةِ الأزمانِ والسَّاعاتِ؛ فإيمانُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يفضُلُ مَن عداه باستِمرارِ تصديقِه، وعِصمةِ اللهِ إيَّاه مِن مُخامَرةِ الشُّكوكِ. والتَّصديقُ عَرَضٌ لا يبقى، فيقعُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُتوالِيًا، ولغَيرِه على الفَتَراتِ؛ فثبَت للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعدادٌ مِن الإيمانِ لا يثبُتُ لغَيرِه إلَّا بعضُها، فيكونُ إيمانُه أكثَرَ، والزِّيادةُ بهذا المعنى ممَّا لا نِزاعَ فيه [424] يُنظر: ((الإرشاد)) للجويني (ص: 399). .
2- أنَّ المُرادَ الزِّيادةُ بحسَبِ زيادةِ المُؤمِنِ به، والصَّحابةُ آمَنوا في الجُملةِ، ثُمَّ كان يأتي فَرضٌ بَعدَ فَرضٍ، وكانوا يُؤمِنونَ بكُلِّ فَرضٍ خاصٍّ، وحاصِلُه أنَّ الإيمانَ واجِبٌ إجمالًا فيما عُلِم إجمالًا، وتفصيلًا فيما عُلِم تفصيلًا، والنَّاسُ مُتفاوِتونَ في مُلاحَظةِ التَّفاصيلِ كثرةً وقلَّةً، فيتفاوَتُ إيمانُهم زيادةً ونُقصانًا، ولا يختصُّ ذلك بعَصرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [425] يُنظر: ((شرح الفقه الأكبر)) للقاري (ص: 383). .
3- أنَّ المُرادَ زيادةُ ثَمرتِه، وإشراقُ نورِه في القلبِ؛ فإنَّه يَزيدُ بالطَّاعاتِ، ويَنقُصُ بالمعاصي [426] يُنظر: ((شرح المقاصد في علم الكلام)) للتفتازاني (2/ 262). .
وقد سرَد أبو عُبَيدٍ بعضَ الآياتِ الدَّالَّةِ على زيادةِ الإيمانِ، ثُمَّ قال: (اتَّبَع أهلُ السُّنَّةِ هذه الآياتِ، وتأوَّلوها أنَّ الزِّياداتِ هي الأعمالُ الزَّاكيةُ، وأمَّا الذين رأَوا الإيمانَ قولًا ولا عَملَ، فإنَّهم ذهَبوا في هذه الآياتِ إلى أربعةِ أوجُهٍ؛ أحدُها: أن قالوا: أصلُ الإيمانِ الإقرارُ بجُمَلِ الفرائِضِ، مِثلُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وغَيرِها، والزِّيادةُ بَعدَ هذه الجُمَلِ، وهو أن تُؤمِنوا بأنَّ هذه الصَّلاةَ المفروضةَ هي خمسٌ، وأنَّ الظُّهرَ هي أربَعُ رَكَعاتٍ، والمَغرِبَ ثلاثةٌ، وعلى هذا رأَوا سائِرَ الفرائِضِ. والوَجهُ الثَّاني: أن قالوا: أصلُ الإيمانِ الإقرارُ بما جاء مِن عندِ اللهِ، والزِّيادةُ تمكُّنٌ مِن ذلك الإقرارِ. والوَجهُ الثَّالثُ: أن قالوا: الزِّيادةُ في الإيمانِ الازديادُ مِن اليَقينِ. والوَجهُ الرَّابعُ: أن قالوا: إنَّ الإيمانَ لا يزدادُ أبدًا، ولكنَّ النَّاسَ يزدادونَ منه، وكُلُّ هذه الأقوالِ لم أجِدْ لها مُصدِّقًا في تفسيرِ الفُقَهاءِ، ولا في كلامِ العربِ؛ فالتَّفسيرُ ما ذكَرْناه عن مُعاذٍ حينَ قال: اجلِسْ بنا نُؤمِنْ ساعةً، فيُتوهَّمُ على مِثلِه أن يكونَ لم يعرِفِ الصَّلواتِ الخَمسَ ومبلَغَ رُكوعِها وسُجودِها إلَّا بَعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد فضَّله النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على كثيرٍ مِن أصحابِه في العِلمِ بالحلالِ والحرامِ...، هذا لا يتأوَّلُه أحدٌ يعرِفُ مُعاذًا. وأمَّا في اللُّغةِ: فإنَّا لم نجِدِ المعنى فيه يحتمِلُ تأويلَهم، وذلك كرجُلٍ أقرَّ له رجُلٌ بألفِ دِرهَمٍ له عليه، ثُمَّ بيَّنها، فقال: مائةٌ منها في جِهةِ كذا، ومائتانِ في جِهةِ كذا، حتَّى استوعَب الألفَ، ما كان هذا يُسمَّى زيادةً، وإنَّما يُقالُ له: تلخيصٌ وتفصيلٌ، وكذلك لو لم يُلخِّصْها، ولكنَّه ردَّد ذلك الإقرارَ مرَّاتٍ، ما قيل له زيادةٌ أيضًا، إنَّما هو تكريرٌ وإعادةٌ؛ لأنَّه لم يُغيِّرِ المعنى الأوَّلَ، ولم يزِدْ فيه شيئًا؛ فأمَّا الذين قالوا: يزدادُ مِن الإيمانِ، ولا يكونُ الإيمانُ هو الزِّيادةَ، فإنَّه مَذهَبٌ غَيرُ موجودٍ؛ لأنَّ رجُلًا لو وصَف مالَه، فقيل: هو ألفٌ، ثُمَّ قيل: إنَّه ازداد مائةً بَعدَها؛ ما كان له معنًى يفهَمُه النَّاسُ إلَّا أن يكونَ المائةُ هي الزَّائِدةَ على الألفِ، وكذلك سائِرُ الأشياءِ؛ فالإيمانُ مِثلُها، لا يزدادُ النَّاسُ منه شيئًا إلَّا كان ذلك الشَّيءُ هو الزَّائِدَ في الإيمانِ، وأمَّا الذين جعَلوا الزِّيادةَ ازديادَ اليَقينِ فلا معنى له؛ لأنَّ اليقينَ مِن الإيمانِ، فإذا كان الإيمانُ عندَهم كُلُّه برُمَّتِه إنَّما هو الإقرارُ، ثُمَّ استكمَله هؤلاء المُقِرُّونَ بإقرارِهم، أفليس قد أحاطوه باليَقينِ مِن قولِهم؟ فكيف يزدادُ مِن شيءٍ قد استُقصِي وأُحيط به؟ أرأَيتُم رجُلًا نظَر إلى النَّاسِ بالضُّحى حتَّى أحاط عليه كُلِّه بضوئِه، هل كان يستطيعُ أن يزدادَ يقينًا بأنَّه نهارٌ، ولو اجتمَع عليه الإنسُ والجِنُّ؟ هذا يستحيلُ ويخرُجُ ممَّا يعرِفُه النَّاسُ) [427] ((الإيمان)) (ص: 24 - 26). .

انظر أيضا: