موسوعة الفرق

المَطلَبُ الثَّاني: الانحِرافُ في أعمالِ القُلوبِ عندَ مُرجِئةِ الفُقَهاءِ


هؤلاء يُثبِتونَ أعمالَ القلبِ في ذاتِها، ولا يُنكِرونَ أهمِّيَّتَها، لكنَّهم يجعلونَها شيئًا آخَرَ سِوى الإيمانِ، كما يُخرِجونَ منه أعمالَ الجوارِحِ، فإذا سُئِلوا عن علاقتِها بالإيمانِ قالوا: هي مِن لوازِمِه أو ثَمَراتِه، وتأتي خُطورةُ مَذهَبِهم؛ لا سيَّما في العُصورِ الأخيرةِ مِن جِهةِ أنَّ الإخلالَ بشيءٍ مِن أعمالِ القُلوبِ التي يُعَدُّ الإخلالُ بها كُفرًا أو معصيةً في نَظرِ الشَّارِعِ، لا يكونُ على مَذهَبِهم إخلالًا بالإيمانِ الذي هو الإقرارُ والتَّصديقُ إلَّا باللَّازِمِ والتَّبَعِ، وحَسبُك بهذا ذَريعةً إلى التَّساهُلِ في ذلك، ولو بمُرورِ الزَّمنِ وتطوُّرِ الظَّاهِرةِ [280] يُنظر: ((الإيمان)) لابن تيمية (ص: 45،154). .
قال ابنُ تيميَّةَ: (المُرجِئةُ الذين قالوا: الإيمانُ تصديقُ القلبِ، وقولُ اللِّسانِ، والأعمالُ ليست منه؛ كان منهم طائِفةٌ مِن فُقَهاءِ الكوفةِ وعُبَّادِها، ولم يكنْ قولُهم مِثلَ قولِ جَهمٍ، فعرَفوا أنَّ الإنسانَ لا يكونُ مُؤمِنًا إن لم يتكلَّمْ بالإيمانِ معَ قُدرتِه عليه، وعرَفوا أنَّ إبليسَ وفِرعونَ وغَيرَهما كُفَّارٌ معَ تصديقِ قُلوبِهم، لكنَّهم إذا لم يُدخِلوا أعمالَ القُلوبِ في الإيمانِ لزِمهم قولُ جَهمٍ، وإن أدخَلوها في الإيمانِ لزِمهم دُخولُ أعمالِ الجوارِحِ أيضًا؛ فإنَّها لازِمةٌ لها) [281] ((الإيمان)) (ص: 154). .
وهنا ينبغي التَّنبيهُ على أمرٍ مُهمٍّ، وهو أنَّ ما ورَد عن كثيرٍ مِن التَّابِعينَ وأتباعِهم مِن ذمِّ الإرجاءِ وأهلِه، والتَّحذيرِ مِن بِدعتِهم، إنَّما المقصودُ به مُرجِئةُ الفُقَهاءِ؛ فإنَّ جَهمًا لم يكنْ قد ظهَر بَعدُ، وحتَّى بَعدَ ظُهورِه في بدايةِ القَرنِ الثَّاني الهِجريِّ كان بخُراسانَ، ولم يعلَمْ عن عقيدتِه بعضُ مَن ذمَّ الإرجاءَ مِن عُلَماءِ العِراقِ وغَيرِهم الذين كانوا لا يعرِفونَ إلَّا إرجاءَ فُقَهاءِ الكوفةِ ومَن اتَّبَعهم [282] يُنظر: ((الإيمان)) لابن تيمية (ص: 155). .
وبعضُ المُتأخِّرينَ مِن أهلِ السُّنَّةِ خفِي عليهم مَأخَذُ السَّلفِ، وعجَزوا عن إثباتِ عقيدةِ السَّلفِ، ولم يقوموا بعَملٍ كافٍ لصدِّ تيَّارِ الإرجاءِ العَصريِّ؛ بسببِ عَدمِ إدراكِهم لبعضِ أسُسِ العقيدةِ ومُنطَلَقاتِها، ومِن ذلك موضوعُ أعمالِ القُلوبِ؛ فقد أعياهم الجوابُ أمامَ مُطالَبةِ المُرجِئةِ بدليلٍ على شُروطِ لا إلهَ إلَّا اللهُ مِن انقِيادٍ وقَبولٍ ويقينٍ وصِدقٍ وإخلاصٍ...إلخ، وزَعمِهم أنَّ هذا مِن ابتِداعِ ابنِ تيميَّةَ أو مُحمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ، وأنَّه لا أصلَ له في كلامِ السَّلفِ [283] أهلُ السُّنَّةِ استدلُّوا عليهم بوجودِ هذه الشُّروطِ من الكتابِ والسُّنَّةِ. يُنظر: ((أعلام السنة المنشورة)) لحافظ الحكمي (ص: 10-13). .
ولقد ترتَّب على إهمالِ أعمالِ القُلوبِ وإغفالِها مِن الآثارِ المُدمِّرةِ في حياةِ الأمَّةِ الشَّيءُ الكثيرُ، ومِن أعظَمِ ذلك انحِسارُ مفهومِ العِبادةِ، وتضييقُه، وانتِقاصُ توحيدِ الألوهيَّةِ، ووُقوعُ كثيرٍ مِن الأمَّةِ في الشِّركِ الأكبَرِ، حتَّى أصبَحَت المُرجِئةُ في القُرونِ الأخيرةِ تُجاهِرُ بإنكارِ دُخولِ هذه الأعمالِ في العِبادةِ والتَّألُّهِ؛ فقالوا: إنَّ الرَّجاءَ والخوفَ والمحبَّةَ والتَّعظيمَ والرِّضا والتَّسليمَ والانقِيادَ والطَّاعةَ ونَحوَها؛ مِن عِباداتِ القلبِ، وقرَّروا أنَّ الدُّعاءَ والاستِغاثةَ بالمخلوقينَ لا علاقةَ لها بالشِّركِ، ولا يُسمَّى فاعِلُها لغَيرِ اللهِ مُشرِكًا ما دام أنَّه يقولُ لا إلهَ إلَّا اللهُ، ويعتقِدُ بقلبِه صِدقَ الرَّسولِ فيما جاء به، وإنَّما الشِّركُ بزَعمِهم اعتِقادُ القلبِ أنَّ هذا المخلوقَ إلهٌ أو ربٌّ معبودٌ، والكُفرُ أن يعتقِدَ بقلبِه أنَّ ما يفعَلُه مِن الأعمالِ كُفرٌ، أمَّا إذا عمِل أعمالَ الكُفرِ معَ اعتِقادِه أنَّ ذلك لا يُخرِجُه مِن المِلَّةِ، فليس بكافِرٍ!
وقد اصطدَمَت هذه الفِكرةُ بالعقيدةِ السَّلفيَّةِ بطبيعةِ الحالِ، وجرى بَينَ المَنهجَينِ جَولاتٌ ومعارِكُ أبرَزُها المعركةُ التي دارَت أيَّامَ ابنِ تيميَّةَ، ثُمَّ الجولةُ التي دارَت بظُهورِ دعوةِ مُحمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ، وما تزالُ المعركةُ قائِمةً على أشُدِّها، وما يزالُ مَذهَبُ المُرجِئةِ هو الطَّاغيَ على أكثَرِ بِقاعِ العالَمِ الإسلاميِّ [284] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/ 541، 506). .

انظر أيضا: