موسوعة الفرق

تمهيدٌ: حوْلَ الألفاظِ الشَّرعيَّةِ


قال ابنُ تيميَّةَ: (الألفاظُ الموجودةُ في القرآنِ والحديثِ إذا عُرِف تفسيرُها وما أُريد بها مِن جِهةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يُحتَجْ في ذلك إلى الاستِدلالِ بأقوالِ أهلِ اللُّغةِ ولا غَيرِهم؛ ولهذا قال الفُقَهاءُ: الأسماءُ ثلاثةُ أنواعٍ: نوعٌ يُعرَفُ حَدُّه بالشَّرعِ، كالصَّلاةِ والزَّكاةِ. ونوعٌ يُعرَفُ حَدُّه باللُّغةِ كالشَّمسِ والقَمرِ. ونوعٌ يُعرَفُ حَدُّه بالعُرفِ، كلفظِ القَبضِ، ولفظِ المعروفِ في قولِه: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: 19] ، ونَحوِ ذلك ...، فاسمُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ ونَحوِ ذلك قد بَيَّنَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يُرادُ بها في كلامِ اللهِ ورسولِه، وكذلك لفظُ الخَمرِ وغَيرِها، فلو أراد أحدٌ أن يُفسِّرَها بغَيرِ ما بيَّنه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يُقبَلْ منه...، واسمُ الإيمانِ والإسلامِ والنِّفاقِ والكُفرِ أعظَمُ مِن هذا كُلِّه؛ فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد بَيَّنَ المرادَ بهذه الألفاظِ بيانًا لا يُحتاجُ معَه إلى الاستِدلالِ على ذلك بالاشتِقاقِ وشواهِدِ استعمالِ العَرَبِ ونَحوِ ذلك؛ فلهذا يجِبُ الرُّجوعُ في مُسمَّياتِ هذه الأسماءِ إلى بيانِ اللهِ ورسولِه؛ فإنَّه شافٍ كافٍ، بل معاني هذه الأسماءِ معلومةٌ مِن حيثُ الجملةُ للخاصَّةِ والعامَّةِ، بل كُلُّ مَن تأمَّل ما تقولُه الخوارِجُ والمُرجِئةُ في معنى الإيمانِ عَلِم بالاضطِرارِ أنَّه مُخالِفٌ للرَّسولِ، ويعلَمُ بالاضطِرارِ أنَّ طاعةَ اللهِ ورسولِه مِن تمامِ الإيمانِ، وأنَّه لم يكُنْ يجعَلُ كُلَّ مَن أذنَب ذنبًا كافِرًا، ويعلَمُ أنَّه لو قُدِّر أنَّ قومًا قالوا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نحن نُؤمِنُ بما جِئتَنا به بقُلوبِنا مِن غَيرِ شكٍّ، ونُقِرُّ بألسِنتِنا بالشَّهادتَينِ، إلَّا أنَّا لا نُطيعُك في شيءٍ ممَّا أمَرتَ به ونهيتَ عنه؛ فلا نُصلِّي، ولا نصومُ، ولا نحُجُّ، ونشرَبُ الخمرَ، وننكِحُ ذواتِ المحارِمِ بالزِّنا الظَّاهِرِ، ونقتُلُ مَن قدَرْنا عليه من أصحابِك وأمَّتِك، ونأخُذُ أموالَهم، بل نقتُلُك أيضًا ونقاتِلُك معَ أعدائِك، هل كان يَتوهَّمُ عاقِلٌ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ لهم: أنتم مُؤمِنونَ كامِلو الإيمانِ، وأنتم مِن أهلِ شفاعتي يومَ القيامةِ، ويُرجى لكم ألَّا يدخُلَ أحدٌ منكم النَّارَ...؟! وكذلك كُلُّ مُسلِمٍ يعلَمُ أنَّ شارِبَ الخَمرِ والزَّانيَ والقاذِفَ والسَّارِقَ لم يكُنِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يجعَلُهم مُرتدِّينَ يجِبُ قَتلُهم، بل القرآنُ والنَّقلُ المُتواتِرُ عنه يُبيِّنُ أنَّ هؤلاء لهم عُقوباتٌ غَيرُ عُقوبةِ المُرتَدِّ عن الإسلامِ...، وأهلُ البِدَعِ إنَّما دخَل عليهم الدَّاخِلُ؛ لأنَّهم أعرَضوا عن هذه الطَّريقِ، وصاروا يبنونَ دينَ الإسلامِ على مُقدِّماتٍ يظنُّونَ صِحَّتَها؛ إمَّا في دَلالةِ الألفاظِ، وإمَّا في المعاني المعقولةِ، ولا يتأمَّلونَ بيانَ اللهِ ورسولِه، وكُلُّ مُقدِّماتٍ تُخالِفُ بيانَ اللهِ ورَسولِه فإنَّها تكونُ ضلالًا...، مِثالُ ذلك: أنَّ المُرجِئةَ لمَّا عدَلوا عن معرفةِ كلامِ اللهِ ورسولِه أخَذوا يتكلَّمونَ في مُسمَّى الإيمانِ والإسلامِ وغَيرِهما بطُرقٍ ابتدَعوها، مِثلُ أن يقولوا: الإيمانُ في اللُّغةِ هو التَّصديقُ، والرَّسولُ إنَّما خاطَب النَّاسَ بلغةِ العربِ لا بغَيرِها، فيكونُ مُرادُه بالإيمانِ التَّصديقَ، ثمَّ قالوا: والتَّصديقُ إنَّما يكونُ بالقلبِ واللِّسانِ، أو بالقلبِ؛ فالأعمالُ ليست مِن الإيمانِ، ثمَّ عُمدتُهم في أنَّ الإيمانَ هو التَّصديقُ قَولُه: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف: 17] ، أي: بمُصدِّقٍ لنا، فيُقالُ لهم: اسمُ الإيمانِ قد تكرَّر ذِكرُه في القرآنِ والحديثِ أكثَرَ مِن ذِكرِ سائِرِ الألفاظِ، وهو أصلُ الدِّينِ، وكُلُّ مُسلِمٍ مُحتاجٌ إلى معرفةِ ذلك، أفيجوزُ أن يكونَ الرَّسولُ قد أهمَل بيانَ هذا كُلِّه، ووكَلَه إلى هاتَينِ المُقدِّمتَينِ...؟! فلا يجوزُ أن يُجعَلَ بيانُ أصلِ الدِّينِ مبنيًّا على مِثلِ هذه المُقدِّمات...، ثمَّ يُقالُ: هاتانِ المُقدِّمتانِ كلتاهما ممنوعةٌ، فمَن الذي قال: إنَّ لفظَ الإيمانِ مُرادِفٌ للفظِ التَّصديقِ؟ وهَبْ أنَّ المعنى يصِحُّ إذا استُعمِلَ في هذا الموضِعِ، فلِمَ قُلتَ: إنَّه يوجِبُ التَّرادُفَ...؟ ليس هو مُرادِفًا له مِن وُجوهٍ:
أحدُها: أن يُقالَ للمُخبِرِ إذا صدَّقْتَه: صدَّقه، ولا يُقالُ: آمَنه وآمَن به، بل يُقالُ: آمَن له...، فإن قيل: فقد يُقالُ: ما أنت بمُصدِّقٍ لنا، قيل: اللَّامُ تدخُلُ على ما يتعدَّى بنَفسِه إذا ضعُف عَملُه؛ إمَّا بتأخيرِه، أو بكونِه اسمَ فاعلٍ أو مصدَرًا، أو باجتِماعِهما، فيُقالُ: فلانٌ يعبُدُ اللهَ ويخافُه ويتَّقيه، ثمَّ إذا ذُكِر باسمِ الفاعِلِ قيل: هو عابِدٌ لربِّه مُتَّقٍ لربِّه، خائِفٌ لربِّه...، فيقولُ القائِلُ: ما أنت بمُصَدِّقٍ لنا، أدخَل فيه اللَّامَ؛ لكونِه اسمَ فاعِلٍ، وإلَّا فإنَّما يُقالُ: صدَّقْتُه، لا يُقالُ: صدَّقتُ له، ولو ذكَروا الفِعلَ لقالوا: ما صدَّقْتَنا، وهذا بخلافِ لفظِ الإيمانِ؛ فإنَّه تعدَّى إلى الضَّميرِ باللَّامِ دائمًا؛ لا يُقالُ: آمَنْتُه قطُّ، وإنَّما يُقالُ: آمَنْتُ له، كما يُقالُ: أقرَرْتُ له، فكان تفسيرُه بلفظِ الإقرارِ أقرَبَ مِن تفسيرِه بلفظِ التَّصديقِ، معَ أنَّ بَينَهما فَرقًا.
الثَّاني: أنَّه ليس مُرادِفًا للفظِ التَّصديقِ في المعنى؛ فإنَّ كُلَّ مُخبِرٍ عن مُشاهَدةٍ أو غيبٍ يُقالُ له في اللُّغةِ: صدَقْتَ، كما يُقالُ: كذَبْتَ؛ فمَن قال: السَّماءُ فوقَنا قيل له: صدَق، كما يُقالُ: كذَب، وأمَّا لفظُ الإيمانِ فلا يُستعمَلُ إلَّا في الخَبرِ عن غائِبٍ، لم يوجَدْ في الكلامِ أنَّ مَن أخبَر عن مُشاهَدةٍ، كقولِه: طلَعَت الشَّمسُ وغرَبَت؛ أنَّه يُقالُ: آمَنَّاه، كما يُقالُ: صدَّقْناه.
الثَّالِثُ: أنَّ لفظَ الإيمانِ في اللُّغةِ لم يُقابَلْ بالتَّكذيبِ كلَفظِ التَّصديقِ؛ فإنَّه مِن المعلومِ في اللُّغةِ أنَّ كُلَّ مُخبِرٍ يُقالُ له: صدَقْتَ أو كذَبْتَ، ويُقالُ: صدَّقْناه أو كذَّبْناه، ولا يُقالُ لكُلِّ مُخبِرٍ: آمَنَّا له أو كذَّبْناه، ولا يُقالُ: أنت مُؤمِنٌ له أو مُكذِّبٌ له، بل المعروفُ في مُقابَلةِ الإيمانِ لَفظُ الكُفرِ، يُقالُ: هو مُؤمِنٌ أو كافِرٌ، والكُفرُ لا يختصُّ بالتَّكذيبِ، بل لو قال: أنا أعلَمُ أنَّك صادِقٌ لكن لا أتَّبِعُك، بل أعاديك وأُبغِضُك وأخالِفُك ولا أوافِقُك؛ لكان كُفرُه أعظَمَ، فلمَّا كان الكُفرُ المُقابِلُ للإيمانِ ليس هو التَّكذيبَ فقط؛ عُلِم أنَّ الإيمانَ ليس هو التَّصديقَ فقط، بل إذا كان الكُفرُ يكونُ تكذيبًا ويكونُ مُخالَفةً ومُعاداةً وامتِناعًا بلا تكذيبٍ، فلا بدَّ أن يكونَ الإيمانُ تصديقًا معَ مُوافَقةٍ ومُوالاةٍ وانقِيادٍ، لا يكفي مُجرَّدُ التَّصديقِ، فيكونُ الإسلامُ جُزءَ مُسَمَّى الإيمانِ، كما كان الامتِناعُ مِن الانقِيادِ معَ التَّصديقِ جُزءَ مُسمَّى الكُفرِ، فيجِبُ أن يكونَ كُلُّ مُؤمِنٍ مُسلِمًا مُنقادًا للأمرِ، وهذا هو العَملُ.
فإن قيل: فالرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَّر الإيمانَ بما يُؤمَنُ به، قيل: فالرَّسولُ ذكَر ما يُؤمَنُ به، لم يذكُرْ ما يُؤمَنُ له، وهو نَفسُه يجِبُ أن يُؤمَنَ به ويُؤمَنَ له؛ فالإيمانُ به مِن حيثُ ثُبوتُه غيبٌ عنَّا، أخبَرَنا به، وليس كُلُّ غيبٍ آمَنَّا به علينا أن نُطيعَه، وأمَّا ما يجِبُ مِن الإيمانِ له فهو الذي يوجِبُ طاعتَه، والرَّسولُ يجِبُ الإيمانُ به وله، فينبغي أن يُعرَفَ هذا، وأيضًا فإنَّ طاعتَه طاعةٌ للهِ، وطاعةُ اللهِ مِن تمامِ الإيمانِ به.
الرَّابعُ: أنَّ مِن النَّاسِ مَن يقولُ: الإيمانُ أصلُه في اللُّغةِ مِن الأمنِ الذي هو ضِدُّ الخَوفِ؛ فآمَن، أي: صار داخِلًا في الأمنِ...، وأمَّا المقَدِّمةُ الثَّانيةُ فيُقالُ: إنَّه إذا فُرِض أنَّه مُرادِفٌ للتَّصديقِ فقولُهم: إنَّ التَّصديقَ لا يكونُ إلَّا بالقلبِ أو اللِّسانِ؛ عنه جوابانِ:
أحَدُهما: المَنعُ، بل الأفعالُ تُسمَّى تصديقًا، كما ثبَت في الصَّحيحِ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((العينانِ تزنِيانِ، وزناهما النَّظَرُ، والأذُنُ تزني، وزناها السَّمعُ، واليدُ تزني، وزِناها البَطشُ، والرِّجلُ تَزني، وزنِاها المشيُ، والقلبُ يتمنَّى ذلك ويشتهي، والفَرجُ يُصدِّقُ ذلك أو يُكذِّبُه)) [186] أخرجه البخاري (6243)، ومسلم (2657) من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، ولفظُ مسلمٍ: ((إنَّ اللهَ كتب على ابنِ آدَمَ حَظَّه من الزِّنا، أدرك ذلك لا محالةَ؛ فزِنا العينِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ النُّطقُ، والنَّفْسُ تمَنَّى وتشتَهي، والفَرجُ يُصَدِّقُ ذلك أو يُكَذِّبُه)). . وكذلك قال أهلُ اللُّغةِ وطوائِفُ مِن السَّلفِ والخَلفِ؛ قال الجَوهريُّ: والصِّدِّيقُ: الدَّائمُ التَّصديقِ، ويكونُ الذي يُصدِّقُ قولَه بالعَملِ، وقال الحَسنُ البَصريُّ: ليس الإيمانُ بالتَّحلِّي ولا بالتَّمنِّي، ولكِنَّه ما وقَر في القُلوبِ، وصدَّقَته الأعمالُ...؛ فالعَملُ يُصدِّقُ أنَّ في القلبِ إيمانًا، وإذا لم يكنْ عَملٌ كذَب أنَّ في قَلبِه إيمانًا؛ لأنَّ ما في القلبِ مُستلزِمٌ للعَملِ الظَّاهِرِ، وانتِفاءُ اللَّازمِ يدُلُّ على انتِفاءِ الملزومِ) [187] ((الإيمان)) (ص: 224 - 230) باختصارٍ وتصرُّفٍ. .

انظر أيضا: